د. عبدالرحيم أريري
كاتب وإعلامي من المغرب
رغم أن مساحة مدينة العيون تصل بالكاد إلى 2200 هكتار (أي ما يمثل 0.002 % من مساحة المغرب !)، فإنها تعد المدينة الأكثر استقطابا للزوار الأجانب مقارنة مع باقي مدن المملكة. إذ تتوافد على عاصمة الصحراء كل عام تقريبا وفود تنتمي إلى 125 جنسية (ما يمثل 63 % من دول العالم)، وهي وفود لا تتوفر على بروفيل السياحة أو الأعمال أو البحث الجامعي أو الرغبة في الاستمتاع بجمال الطبيعة الصحراوية، بقدر ما ينتمي أغلبية هؤلاء الزوار الأجانب إلى فئة السياسيين والبرلمانيين والإعلاميين و”الحقوقيين” الذين يضبطون راداراتهم على بوصلة «منظمات حقوقية» غربية، أو هيئات مدنية وسياسية تدور في فلك الجزائر وفي فلك أحفاد فرانكو بإسبانيا، أو في فلك لوبيات أوربية، لإبقاء ملف الصحراء تحت كشافات ضوء هذه المنظمات الدولية أو هذه الدول واللوبيات: إما لابتزاز المغرب في صفقة تجارية معينة أو التحرش به لانتزاع اتفاق اقتصادي أو لاستفزاز المغرب تزامنا مع قرب محطة أممية (مجلس حقوق الإنسان بجنيف أو مجلس الأمن بنيويورك)، أو للتشويش على المغرب في خطوة جيوسياسية (تمدده مثلا في القارة الإفريقية، وغير ذلك..).
إليك الدليل:
وأنت تتجول في شوارع مدينة العيون، اعلم أنه من أصل 10 مواطنين بالشارع، هناك شخص واحد يحمل جنسية أجنبية يبحث عن «جوا منجل»، أو عن جمرة خامدة في الرماد «للنفخ فيها» ضد المصالح القومية للمغرب. وهذه النسبة المرتفعة من «الزوار الأجانب» الوافدين على العيون لم تعرفها حتى برلين في أوج الحرب الباردة، ولم تعرفها حتى بيروت في ذروة استيطانها من طرف جواسيس العالم خلال الحرب الأهلية اللبنانية.
فمطار الحسن الأول بالعيون، على صغر مساحته وقلة حركته الجوية مقارنة مع مطارات كبرى بالمغرب ( البيضاء – مراكش – أكادير – الرباط.. إلخ)، يعد من بين المطارات المغربية التي تسجل نسبة كبرى لتدفق الأجانب، قياسا إلى حجم مسافريه.
فمطار العيون مثلا سجل عام 2018 دخول 221 ألف مسافر، شكل الأجانب منهم 25 ألف شخص، أي ما يعادل 12 % من مجموع مسافري مطار العيون.(للمقارنة استقبل مطار العيون 254 ألف مسافر عام 2024).
وتبلغ المفارقة ذروتها حين نقارن العيون مع الجزائر ككل وليس مع تندوف فقط، إذ بقدر ما أن المغرب يشرع أبوابه لكل من يود الوقوف على الوقائع على الأرض ويراها بأم عينيه (حتى ولو كان مسخرا من طرف الغير !) في مختلف مدن الصحراء، نجد أن الجزائر تغلق أجوائها وترابها ومطاراتها، على كل من يود التحقق من ما يجري في هذه المدينة الجزائرية أو تلك. أما من يود زيارة تندوف بجنوب الجزائر، ليقف على حجم معاناة ومأساة الصحراويين في مخيمات القرون الوسطى، فذاك من سابع المستحيلات.
فهل بعد كل هذه الأرقام الدامغة، يحق للمرء أن يثق في تقارير منظمات غربية مخدومة، وتقارير هيآت سياسية أوربية، تغرف المداد من نفس المحبرة لصياغة تقاريرها حول المغرب وحول ملف الصحراء؟!
وهل هي صدفة أن يتزامن تناسل صدور تصريحات ل”عطاشة غربيين من غلاة أعداء المغرب” يدورون في فلك دولة العصابة تصب في خانة نفث السموم على المغرب والمغاربة؟
لا، ليس الأمر صدفة، بقدر ما هو أمر مدروس، ويروم تصوير المغرب وكأنه “أرض بدون سيد”.
هذه اللعبة القذرة ليست جديدة، إذ عشناها في أحداث سيدي إفني عام 2008، وتكرر السيناريو في أحداث “اكديم إزيك” عام 2010، وفي أحداث 2013 المتعلقة بالمطالبة بتوسيع صلاحيات المينورسو لتشمل مراقبة حقوق الإنسان، وعشناها في أحداث 2014 أثناء تحرشات النعمة أسفاري وأديب وزكريا المومني، وعشناها في أحداث 2015 الخاصة بالاتفاق الفلاحي بين المغرب والاتحاد الأوروبي، وعشناها في أحداث 2018/2017 أثناء اعتراض السفن المحملة بالفوسفاط المغربي من طرف أنصار الجزائر والبوليساريو. وعشنا كذلك نفس اللعبة الخبيثة، في سنتي 2020/2021، بعد تطهير القوات المسلحة الملكية لمعبر الكركرات وطردها لإرهابيي البوليساريو، وارتفع السعار بعد اعتراف واشنطن بالسيادة المغربية على كامل ترابه من طنجة إلى الكويرة.
إن المغرب – وكما سبق أن قال على لسان الملك محمد السادس في خطاب 6 تشرين الثاني/ نونبر 2013- يرفض أن يتلقى الدروس.. ومن يريد المزايدة على المغرب فما عليه إلا أن يذهب إلى عاصمة دولة العصابة، أو يهبط إلى تندوف بجنوب الجزائر ليقف على أفظع الانتهاكات وأبشع الخروقات !
مقال خاص لصحيفة قريش



















































