موقف العرب والإفارقة من قرار مجلس الأمن 2797 بشأن الصحراء

24 يوليو 2026
موقف العرب والإفارقة من قرار مجلس الأمن 2797 بشأن الصحراء

: التفاعلات الإيجابية وأثرها على مستقبل المنطقة

بقلم د. مصطفى الغاشي 

كاتب مغربي في التاريخ والفكر السياسي والعلاقات الدولية

تمهيد،  

يشكل قرار مجلس الأمن رقم 2797 (31 تشرين الأول/ أكتوبر 2025) محطة مفصلية في مسار قضية الصحراء، ليس فقط لأنه جدد ولاية بعثة المينورسو، بل لأنه عكس تحولًا في المقاربة الدولية للعملية السياسية، وأظهر تناميًا في التأييد الدولي لمبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها إطارًا جادًا وواقعيًا للتسوية السياسية، مع استمرار الدعوة إلى حل سياسي تحت رعاية الأمم المتحدة. 

أولًا: المواقف العربية… من الحياد التقليدي إلى الدعم المتزايد

فقد شهد الموقف العربي خلال السنوات الأخيرة انتقالًا ملحوظًا من الحذر إلى دعم أوضح للموقف المغربي، ويمكن تفسير ذلك بعدة عوامل منها: إدراك متزايد لارتباط استقرار المغرب العربي باستقرار قضية الصحراء.

وتنامي القناعة بأن استمرار النزاع يعيق مشاريع التكامل الاقتصادي العربي، وأيضا، اعتبار مبادرة الحكم الذاتي إطارًا عمليًا لتجاوز حالة الجمود السياسي.

وقد رحبت عدة دول عربية بالقرار أو أكدت دعمها للمسار الأممي وللمبادرة المغربية، وهو ما يعكس تحولًا في البيئة الدبلوماسية العربية مقارنة بما كان عليه الوضع قبل عقد من الزمن. 

ثانيًا: المواقف الإفريقية… تحولات عميقة في ميزان التأييد

شهدت أفريقيا خلال السنوات الأخيرة تغيرات سياسية مهمة يمكن تلخيصها في: تزايد عدد الدول الإفريقية التي فتحت قنصليات في مدينتي العيون والداخلة. وانتقال عدد من الدول من الحياد إلى دعم المبادرة المغربية، وتركيز العديد من الحكومات الإفريقية على منطق التنمية والاستثمار بدل استمرار النزاعات.

ويرتبط هذا التحول أيضًا بتنامي الحضور الاقتصادي المغربي داخل القارة، خاصة في مجالات الأبناك، والفوسفاط، والطاقات المتجددة، والتكوين الديني، والتعاون الأمني، مما عزز من مكانة المغرب كشريك تنموي داخل إفريقيا.

ثالثًا: لماذا كانت التفاعلات إيجابية؟

يمكن تفسير هذه التفاعلات بمجموعة من المحددات الاساسية منها: البعد الأمني وكذا تصاعد التهديدات الإرهابية في منطقة الساحل، ثم الحاجة الملحة إلى فضاء مغاربي أكثر استقرارًا، بالإضافة إلى البعد الاقتصادي ومشروع أنبوب الغاز الإفريقي، والمبادرة الملكية لولوج دول الساحل إلى المحيط الأطلسي، مشاريع الربط اللوجستي والاستثماري. دون ان ننسى البعد الجيوسياسي وتغير موازين القوى الدولية، مع تزايد اهتمام القوى الكبرى باستقرار شمال وغرب إفريقيا.

رابعًا: انعكاسات القرار على مستقبل المنطقة

إذا استمرت هذه الدينامية الحالية، فإن المنطقة قد تعرف تحولات استراتيجية منها:

1. تعزيز فرص الاستقرار الإقليمي، حيث كلما تقلصت مساحة النزاع، ازدادت فرص التعاون الأمني ومكافحة الإرهاب والحد من الجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية.

2. إعادة إحياء التكامل المغاربي، اذ رغم استمرار الخلافات السياسية، فإن أي تقدم في ملف الصحراء قد يفتح المجال تدريجيًا أمام تنشيط المبادلات التجارية ومشاريع الطاقة، والربط السككي والطرقي.

3.  تعزيز مكانة إفريقيا الأطلسية، اذ قد يتحول الساحل الأطلسي إلى أحد أهم الفضاءات الاقتصادية بالقارة عبر:

ميناء الداخلة الأطلسي، والممرات التجارية نحو دول الساحل، والاستثمار في الاقتصاد الأزرق.

خامسًا: في حدود التفاؤل

انه رغم المؤشرات الإيجابية، ما تزال هناك تحديات مهمة كاستمرار تمسك الجزائر بموقفها المعلن من النزاع، مع تأكيدها أن القرار لم يغير، من وجهة نظرها، الأسس القانونية للقضية، واستمرار رفض جبهة البوليساريو لمضامين القرار، ثم الحاجة إلى استئناف مفاوضات سياسية فعالة تحت رعاية الأمم المتحدة.

سادسا، مستقبل المنطقة: هل يستطيع الفاعلون الإقليميون تحويل الزخم الدبلوماسي إلى مشاريع تعاون اقتصادي وأمني وتنموي؟

إن مستقبل منطقة شمال إفريقيا والساحل لم يعد مرهونًا فقط بمآلات التسوية السياسية لقضية الصحراء، بل أصبح مرتبطًا بقدرة الفاعلين الإقليميين على الانتقال من منطق إدارة النزاعات إلى منطق بناء المصالح المشتركة. فالتحولات الدولية الراهنة، وتغير أولويات القوى الكبرى، وتزايد أهمية الأمن الاقتصادي وسلاسل الإمداد، تفرض على دول المنطقة تبني مقاربة جديدة تجعل من التعاون الإقليمي خيارًا استراتيجيًا لا مجرد احتمال سياسي.

أولًا: من الدبلوماسية إلى الجيو-اقتصاد، 

فقد شهدت السنوات الأخيرة حراكًا دبلوماسيًا واسعًا حول قضية الصحراء، غير أن القيمة الحقيقية لهذا الحراك تكمن في ترجمته إلى مشاريع ملموسة تعزز التنمية والاستقرار. فنجاح أي تسوية سياسية يظل رهينًا بقدرتها على إنتاج منافع اقتصادية يشعر بها المواطن، وهو ما يجعل من الاقتصاد رافعة للسلام أكثر منه مجرد نتيجة له.

وفي هذا السياق، تبرز مشاريع استراتيجية قادرة على إعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية للمنطقة، من أبرزها:

المبادرة الملكية لتمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي، ميناء الداخلة الأطلسي باعتباره منصة لوجستية تربط إفريقيا بالأسواق العالمية، مشروع أنبوب الغاز الإفريقي–الأطلسي، بما يحمله من أبعاد اقتصادية وجيوسياسية، تطوير شبكات النقل والربط الطرقي والسككي بين المغرب ودول غرب إفريقيا.

ثانيًا: الأمن الإقليمي شرط للتنمية،

تشهد منطقة الساحل واحدة من أكثر البيئات الأمنية هشاشة في العالم، نتيجة تصاعد الإرهاب، وانتشار شبكات الجريمة المنظمة، والهجرة غير النظامية، والاتجار بالبشر والأسلحة. ومن ثم، فإن أي مشروع اقتصادي إقليمي لن يحقق أهدافه دون بناء منظومة أمن جماعي قائمة على: تبادل المعلومات الاستخباراتية، والتنسيق في مكافحة الإرهاب، وحماية الحدود والممرات التجارية، وتعزيز الأمن البحري في الواجهة الأطلسية. وبذلك يصبح الأمن والتنمية مسارين متلازمين؛ فلا تنمية بلا استقرار، ولا استقرار دائمًا دون تنمية.

ثالثًا: نحو فضاء اقتصادي إفريقي-أطلسي جديد، 

تفتح التحولات الحالية المجال أمام نشوء فضاء اقتصادي جديد يمتد من شمال إفريقيا إلى دول الساحل وغرب إفريقيا، يقوم على: تكامل البنيات التحتية، وتشجيع الاستثمار المشترك، وتطوير سلاسل القيمة الصناعية والزراعية، مع تسهيل حركة السلع ورؤوس الأموال. وإذا نجحت هذه المشاريع، فإن المنطقة قد تتحول من فضاء يعاني الهشاشة الجيوسياسية إلى محور استراتيجي يربط أوروبا وإفريقيا والأمريكيتين عبر الواجهة الأطلسية.

رابعًا: تحديات التحول، 

رغم الفرص المتاحة، فإن هذا التحول يواجه عدة تحديات، منها: استمرار التوترات السياسية بين بعض الفاعلين الإقليميين، هشاشة الأوضاع الأمنية في منطقة الساحل، محدودية الاندماج الاقتصادي المغاربي. وتنافس القوى الدولية على النفوذ في إفريقيا. وتفاوت القدرات الاقتصادية والمؤسساتية بين دول المنطقة.

لذلك، فإن نجاح هذا المشروع الإقليمي يتطلب إرادة سياسية تتجاوز الحسابات الظرفية نحو رؤية استراتيجية طويلة المدى.

خامسًا: السيناريوهات المستقبلية، 

يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية:

1- السيناريو المتفائل: يتحول الزخم الدبلوماسي إلى شراكات اقتصادية وأمنية واسعة، فتبرز منطقة الأطلسي الإفريقي كقطب جديد للنمو والاستقرار.

2- السيناريو الوسطي: يستمر التعاون في مشاريع محددة، مع بقاء بعض الخلافات السياسية دون أن تمنع تحقيق مكاسب اقتصادية تدريجية.

3- السيناريو المتشائم: تؤدي استمرار التوترات الإقليمية وتصاعد التنافس الجيوسياسي إلى تعطيل المشاريع الكبرى وإدامة حالة عدم الاستقرار.

في الختام، يمكن اعتبار القرار 2797 نقطة تحول في البيئة الدبلوماسية المحيطة بقضية الصحراء، ليس لأنه أنهى النزاع، وإنما لأنه أظهر تغيرًا في موازين الدعم الإقليمي والدولي، خاصة داخل الفضاءين العربي والإفريقي. كما أن التفاعلات الإيجابية التي أعقبته تعكس انتقال عدد متزايد من الدول إلى مقاربة تضع الاستقرار والتنمية والتكامل الإقليمي في صدارة الأولويات.

ومن منظور العلاقات الدولية، فإن مستقبل المنطقة لن يتحدد بالقرار الأممي وحده، بل بقدرة الفاعلين الإقليميين على تحويل الزخم الدبلوماسي إلى مشاريع تعاون اقتصادي وأمني وتنموي، بما يجعل من فضاء المغرب العربي والساحل والأطلسي مجالًا للتكامل بدل التنافس، وللتنمية المشتركة بدل استمرار النزاعات.

إن مستقبل المنطقة لن يتحدد فقط بنتائج القرارات الأممية أو بمواقف القوى الدولية، بل بقدرة الدول العربية والإفريقية على إنتاج هندسة إقليمية جديدة تجعل من التنمية المشتركة أساسًا للأمن الجماعي. فكلما نجحت الدول في تحويل التقارب الدبلوماسي إلى مشاريع للبنية التحتية، والطاقة، والتجارة، والربط اللوجستي، ارتفعت فرص بناء فضاء إقليمي أكثر استقرارًا وقدرة على مواجهة التحديات العالمية.

ومن هذا المنطلق، تبدو قضية الصحراء، في حال تقدم مسارها السياسي، فرصة لإعادة صياغة العلاقات المغاربية والإفريقية على أساس الجيو-اقتصاد والتكامل الإقليمي، بدل استمرار منطق الاستقطاب والصراع. وفي عالم يتجه نحو التكتلات الكبرى، لن يكون الرابح هو الطرف الذي يكسب معركة دبلوماسية فحسب، بل الطرف الذي ينجح في تحويلها إلى سلام منتج، وأمن مستدام، وتنمية مشتركة.

مقال خاص لصحيفة قريش – لندن 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com