الدول العربية والاتفاق الإيراني–الأمريكي:
من الهامش إلى الشراكة في صناعة الأمن الإقليمي
بقلم د. مصطفى الغاشي
كاتب مغربي في التاريخ والفكر السياسي والعلاقات الدولية
مقدمة
شهدت منطقة الشرق الأوسط خلال العقود الأخيرة تحولات استراتيجية عميقة جعلت من العلاقة الإيرانية–الأمريكية أحد أهم محددات الأمن والاستقرار الإقليميين. فمنذ قيام الثورة الإيرانية سنة 1979، توالت مراحل التوتر والتصعيد بين الطرفين، تخللتها محطات تفاوضية متعددة كان أبرزها الاتفاق النووي لسنة 2015، ثم عودة المفاوضات والتفاهمات الجديدة خلال السنوات الأخيرة.
ورغم أن الدول العربية تُعد الأكثر تأثراً بنتائج أي اتفاق أو صدام بين واشنطن وطهران، فإن حضورها في مسارات التفاوض ظل محدوداً، الأمر الذي يطرح تساؤلات جوهرية حول موقع النظام العربي في معادلات الأمن الإقليمي ومستقبل دوره في ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة.
فإلى أي حد استطاعت الدول العربية التأثير في مسار الاتفاقات الإيرانية–الأمريكية؟ وما هي المكاسب والخسائر الاستراتيجية التي ترتبت عن هذه الاتفاقات بالنسبة للعالم العربي؟
أولاً: الاتفاق الإيراني–الأمريكي وسياقاته الاستراتيجية:
لا يمكن فهم طبيعة التفاهمات الإيرانية–الأمريكية دون استحضار جملة من المحددات الأساسية:
اولا، الملف النووي الإيراني.
ثانيا، العقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران.
ثالثا، أمن الخليج العربي ومضيق هرمز.
رابعا، النفوذ الإيراني في العراق وسوريا ولبنان واليمن.
خامسا، المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط.
وقد أثبتت التجارب السابقة أن واشنطن وطهران، رغم العداء المعلن بينهما، تحتفظان بقنوات تفاوض مفتوحة كلما اقتضت الضرورات الاستراتيجية ذلك. وبالتالي فإن الاتفاقات لا تعكس بالضرورة نهاية الصراع، بل تمثل في كثير من الأحيان آلية لإدارة الصراع وتخفيف كلفته على الطرفين.
ثانياً: موقع الدول العربية في معادلة التفاوض:
1. الحضور غير المباشر، اذ يلاحظ ان أغلب الدول العربية لم تكن طرفاً مباشراً في المفاوضات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني أو بملفات العقوبات الدولية. فالمفاوضات ظلت حكراً على القوى الكبرى وإيران، بينما اقتصر الدور العربي على المتابعة وإبداء المواقف السياسية.
2. أدوار الوساطة العربية، حيث، برزت بعض الدول العربية كفاعلين دبلوماسيين مؤثرين، خاصة: قطر
وسلطنة عُمان والمملكة العربية السعودية.
وقد ساهمت هذه الدول بدرجات متفاوتة في تهيئة الظروف السياسية والدبلوماسية لتخفيف حدة التوتر.
3. غياب الرؤية العربية الموحدة، اذ يلاحظ غياب استراتيجية عربية جماعية اذ تعتبر أحد أبرز عوامل ضعف التأثير العربي في القضايا الإقليمية الكبرى. فالمواقف العربية تجاه إيران ليست موحدة، بل تتراوح بين الشراكة والحذر والمواجهة، وهو ما أضعف القدرة على التفاوض ككتلة إقليمية متماسكة.
ثالثاً: المكاسب العربية المحتملة،
أ- تجنب الحرب الشاملة، اذ ان اندلاع مواجهة عسكرية واسعة بين الولايات المتحدة وإيران كان سيؤدي إلى:
اولا، اضطراب التجارة الدولية.
ثانيا، ارتفاع أسعار الطاقة.
ثالثا، تهديد الاستقرار السياسي والأمني في المنطقة.
لذلك يمثل أي اتفاق يحد من احتمالات الحرب مكسباً للدول العربية.
ب- حماية الممرات البحرية، حيث تشكل منطقة الخليج العربي ومضيق هرمز أهم الشرايين الاقتصادية العالمية.
وأي تهدئة بين واشنطن وطهران تساهم في:
ا- تأمين حركة الملاحة.
ب- تقليص المخاطر الأمنية.
ج- تشجيع الاستثمار الأجنبي.
ج- تعزيز فرص التنمية، فكلما تراجع منسوب التوتر الأمني ازدادت قدرة الدول العربية على توجيه مواردها نحو: التعليم والصحة والبنية التحتية والتحول الرقمي
والاقتصاد الأخضر…
رابعاً: التحديات والمخاوف العربية، ويبدو ذلك في:
1. الخوف من تكريس النفوذ الإيراني، حيث تخشى بعض الدول العربية أن يؤدي أي اتفاق إلى منح إيران هامشاً أوسع للتحرك الإقليمي دون معالجة الملفات الخلافية المرتبطة بالنفوذ السياسي والعسكري.
2. الخوف من تغييب البعد العربي، اذ إن مستقبل الأمن الإقليمي لا يمكن أن يُصاغ من خلال تفاهمات ثنائية فقط. فاستقرار المنطقة يتطلب إشراك جميع الأطراف المتأثرة بالترتيبات الأمنية الجديدة.
3. استمرار بؤر الصراع، اذ الملاحظ انه حتى في حال نجاح الاتفاقات السياسية، فإن أزمات: اليمن وسوريا ولبنان والعراق ستظل بحاجة إلى حلول سياسية مستقلة تتجاوز مجرد التفاهم الأمريكي–الإيراني.
خامساً: نحو رؤية عربية جديدة للأمن الإقليمي، لقد أثبتت التحولات الدولية أن الاعتماد على القوى الخارجية لم يعد كافياً لضمان الأمن والاستقرار. ومن ثم فإن الحاجة أصبحت ملحة إلى:
اولا، بناء استراتيجية عربية مشتركة تقوم على:
1- تعزيز التكامل السياسي العربي.
2- تطوير آليات الأمن الجماعي.
3- دعم الدبلوماسية الوقائية.
4- الاستثمار في القوة الاقتصادية والتكنولوجية.
5- توسيع الحوار الإقليمي مع مختلف القوى الفاعلة. كما أن بناء نظام إقليمي مستقر يقتضي الانتقال من منطق إدارة الأزمات إلى منطق صناعة الاستقرار.
في الختام،
تكشف الاتفاقات الإيرانية–الأمريكية عن مفارقة واضحة في النظام الإقليمي العربي؛ فالدول العربية تعد الأكثر تأثراً بنتائج هذه التفاهمات، لكنها ليست الأكثر حضوراً في صياغتها. ومن ثم فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في متابعة ما ينتج عن الاتفاقات، بل في بناء قدرة عربية جماعية على التأثير في مساراتها ومخرجاتها.
لقد أظهرت التجارب أن مستقبل الشرق الأوسط لن يتحدد فقط بقرارات القوى الكبرى أو التفاهمات الثنائية، وإنما بمدى قدرة الفاعلين الإقليميين، وفي مقدمتهم الدول العربية، على التحول من موقع المتلقي إلى موقع الشريك الفاعل في صناعة الأمن والتنمية والاستقرار.
مقال خاص لصحيفة قريش – لندن



















































