فاروق الدباغ
تنتشر منذ ساعات صورة صادمة تُظهر عناصر أمنية وخبراء أدلة جنائية أمام تنور طيني، بينما يتحدث ناشرو الصورة عن إحراق ملايين الدولارات لإخفاء آثار جريمة فساد. وحتى لو تركنا للجهات القضائية مهمة التحقق من صحة الخبر وحجم الأموال المحترقة وهوية المتورطين، فإن مجرد تداول مثل هذه الرواية يكشف حجم الفجوة النفسية والأخلاقية التي وصل إليها المجتمع العراقي.
ففي بلد ما زالت بعض مستشفياته تفتقر إلى الأجهزة الحديثة، وما زالت قرى كاملة تعاني من انقطاع الكهرباء وشح المياه، يصبح الحديث عن إحراق ملايين الدولارات أشبه بطعنة في ضمير الناس.
ليس لأن المال بحد ذاته مقدس، بل لأن خلف كل دولار ضائع قصة إنسان.
خلف كل مليون مهدور طفل مصاب بالسرطان ينتظر جرعة علاج.
وخلف كل حقيبة أموال مخبأة أرملة تبحث عن راتب رعاية اجتماعية لا يكفي أسبوعاً.
وخلف كل صفقة فساد عجوز أمضى عمره في خدمة الدولة ثم يقضي شيخوخته بين المرض والعوز.
وإذا صح الخبر، وإذا كانت هذه الأموال تخص أشخاصاً لا يمثلون سوى الحلقة الثالثة أو الرابعة في سلم الفساد، فإن السؤال الأكثر إيلاماً يصبح:
كم يبلغ حجم الثروة التي تراكمت في الطبقات الأعلى؟
كم تملك شبكات النفوذ الكبرى؟
كم ضاع من أموال العراق خلال العقود الماضية؟
وكم مستشفى كان يمكن بناؤه؟
وكم مدرسة كان يمكن ترميمها؟
وكم شاباً عاطلاً كان يمكن توفير فرصة عمل له؟
وكم مريضاً نفسياً كان يمكن احتضانه بدلاً من تركه فريسة للإدمان والانتحار؟
وكم من ذوي الإعاقة كانوا سيعيشون بكرامة؟
وكم من كبار السن الذين نراهم اليوم يبيعون المناديل في الشوارع كان يمكن أن يحظوا بمأوى يحفظ ما تبقى من أعمارهم؟
المأساة الحقيقية ليست في المال المحترق، فالمال يمكن تعويضه، أما الثقة التي احترقت بين المواطن والدولة فهي الأصعب تعويضاً.
لقد اعتاد العراقيون سماع أرقام خيالية عن الفساد حتى فقدت الأرقام معناها، فأصبح الحديث عن ملايين أو مليارات الدولارات يمر مرور الأخبار اليومية العادية، بينما كان يفترض أن تهتز له ضمائر الأمم.
وقبل أكثر من ستة قرون، كتب ابن خلدون في مقدمته عبارته الخالدة:
«الظلم مؤذن بخراب العمران».
ولعل هذه العبارة تختصر ما نعيشه اليوم؛ فالفساد لا يسرق المال فقط، بل يسرق الأمل، ويُضعف ثقة الناس بالدولة، ويزرع الشعور بأن القانون لا يطال الأقوياء، وأن العدالة أصبحت امتيازاً وليست حقاً.
ولعل الصورة الأكثر قسوة ليست صورة الأموال المحترقة داخل التنور، بل صورة المواطن العراقي الذي يجلس في حر الصيف بلا كهرباء، أو الأم التي تنتظر سريراً في مستشفى حكومي، أو الشيخ الذي يواجه شيخوخته وحيداً بعد عمر طويل من العمل والخدمة.
القضية ليست قضية خمسة ملايين دولار فقط.
القضية هي السؤال الذي يطارد العراقيين منذ سنوات:
إلى متى يبقى العراق بلداً غنياً، بينما يعيش كثير من أبنائه صراعاً يومياً من أجل أبسط حقوق الحياة؟
إن الأوطان لا تنهار فجأة، بل تتآكل ببطء عندما تتحول الثروة العامة إلى غنيمة خاصة، وعندما يصبح الفساد أقوى من الخوف من القانون، وعندما يشعر الإنسان البسيط أن بلده لم يعد يتسع لأحلامه.



















































