إصلاح أنظمة التقاعد: الإكراه المالي والعدالة

14 يونيو 2026
إصلاح أنظمة التقاعد: الإكراه المالي والعدالة


بقلم عبد السلام الصديقي

عضو المكتب السياسي لحزب التقدم  والاشتراكية ووزير سابق

تُعد معاشات الشيخوخة اليوم أكثر أشكال الحماية الاجتماعية انتشاراً فيالعالم. فوفقاً لمعطيات منظمة العمل الدولية، يستفيد نحو 80% منالأشخاص الذين بلغوا سن التقاعد من معاش تقاعدي، مقابل حوالي 74% سنة 2015. ورغم هذا التقدم، ما يزال أكثر من 165 مليون شخص مسنّ. حول  العالم محرومين من أي حماية تقاعدية. ومن ثمّ أصبحت ضماناتالدخل للأشخاص المسنين رهاناً أساسياً لتحقيق العدالة الاجتماعية، ومحاربة الفقر، وتعزيز القدرة على مواجهة التحولات الاقتصاديةوالديموغرافية والمناخية.

الاتجاهات العالمية الكبرى

تتسم أنظمة التقاعد عبر العالم بتنوع كبير. فمعظم البلدان تجمع بين أنظمةقائمة على الاشتراكات يمولها العمال وأرباب العمل، وأنظمة غير قائمة علىالاشتراكات تمولها الدولة من الضرائب. ويهدف هذا المزيج إلى تحقيق تغطيةشاملة وحماية الأشخاص الذين لم يتمكنوا من المساهمة بما يكفي خلالحياتهم المهنية.

ومن بين 222 بلداً وإقليماً تتوفر بشأنها بيانات لدى منظمة العمل الدولية، يوجد 213 بلداً يتوفر على الأقل على نظام تقاعد يصرف معاشات دورية. وتعتمد الأغلبية على أنظمة عمومية قائمة على مبدأ التضامن الجماعي. كماأن أنظمة المعاشات ذات المنافع المحددة، التي تضمن مستوى من المعاشمرتبطاً بالمسار المهني للمستفيد، ما تزال هي السائدة في أغلب البلدان.

غير أن الفوارق في التغطية تظل كبيرة. ففي حين يتمتع معظم العمالبالتغطية في أمريكا الشمالية وأوروبا، تبقى معدلات الانخراط ضعيفة جداًفي البلدان منخفضة الدخل، خاصة في إفريقيا جنوب الصحراء. وعلىالمستوى العالمي، لا تتجاوز نسبة النشيطين الذين يساهمون فعلياً في أنظمةالتقاعد 58.5%.

كما تشكل الفوارق بين النساء والرجال إحدى السمات البارزة لأنظمةالتقاعد. فالنساء أقل استفادة من الأنظمة القائمة على الاشتراكات بسببضعف مشاركتهن في سوق الشغل المنظم وتركزهن في الأعمال الهشة وغيرالمهيكلة. ويبرز هذا الوضع بشكل خاص في البلدان العربية وشمال إفريقيا.

أما النفقات العمومية المخصصة للمعاشات فتبلغ في المتوسط 7.6% منالناتج الداخلي الإجمالي العالمي، لكنها تختلف بشكل كبير بين المناطق، إذتتجاوز 10% في أوروبا وآسيا الوسطى، بينما تقل عن 2% في إفريقيا.

التحديات العالمية لأنظمة التقاعد

تواجه أنظمة التقاعد عدة تحديات هيكلية.

أول هذه التحديات يتمثل في الشيخوخة الديموغرافية. فارتفاع متوسط العمرالمتوقع يؤدي إلى زيادة عدد المتقاعدين وإطالة مدة صرف المعاشات، وهو مايرفع النفقات ويقلص نسبة المساهمين مقارنة بالمستفيدين.

أما التحدي الثاني فيتعلق بتوسيع التغطية الاجتماعية، إذ إن نسبة مهمة منالسكان النشيطين في البلدان النامية تشتغل في القطاع غير المهيكل ولاتستفيد بالتالي من أنظمة التقاعد.

ويتعلق التحدي الثالث بالاستدامة المالية، حيث تسعى الحكومات إلى الحفاظعلى توازن الأنظمة دون المساس بمستوى حماية المتقاعدين.

وفي مواجهة هذه التحديات، لجأت عدة بلدان إلى إصلاحات تروم الرفعالتدريجي لسن التقاعد القانوني، أو زيادة الاشتراكات، أو تعديل طرقاحتساب المعاشات. غير أن هذه الإجراءات غالباً ما تثير مقاومة اجتماعيةقوية، كما أظهرت ذلك النقاشات التي عرفتها فرنسا ودول أخرى فيالسنوات الأخيرة.

وتؤكد منظمة العمل الدولية أن أي إصلاح ينبغي أن يحترم مجموعة منالمبادئ الأساسية، من بينها ضمان معاشات كافية، والحفاظ على القدرةالشرائية للمتقاعدين عبر مراجعة دورية للمعاشات، وضمان الشفافية فيتدبير الصناديق، والحفاظ على مبدأ التضامن الجماعي.

حالة المغرب: إصلاح لم يكتمل

يواجه المغرب التوجهات الديموغرافية نفسها التي تعرفها العديد من البلدان. فارتفاع متوسط العمر المتوقع وتزايد عدد المتقاعدين يفرضان ضغوطاًمتنامية على الأنظمة القائمة.

وقد شمل الإصلاح الذي تم اعتماده سنة 2016 أساساً نظام المعاشاتالمدنية الذي تديره الصندوق المغربي للتقاعد. واستند إلى مجموعة منالإجراءات البارامترية، من بينها:

– الرفع التدريجي لسن التقاعد من 60 إلى 63 سنة؛

– رفع نسبة الاشتراكات من 20% إلى 28%؛

– تخفيض معدل احتساب المعاش من 2.5% إلى 2% عن كل سنة خدمة؛

– تغيير طريقة احتساب المعاش على أساس متوسط أجور السنوات الثمانيالأخيرة بدلاً من الأجر الأخير.

وقد ساهم هذا الإصلاح في إبطاء تدهور الوضعية المالية للنظام وإطالة عمراحتياطاته المالية. لكنه لم يعالج الاختلالات الهيكلية العميقة التي يعاني منهاالنظام، كما تعرض لانتقادات واسعة لأنه حمّل الموظفين العموميين الجزءالأكبر من كلفة الإصلاح دون الشروع في إصلاح شامل لمنظومة التقاعدبرمتها.

الوضع الحالي لأنظمة التقاعد بالمغرب 

ما تزال منظومة التقاعد المغربية تتسم بتعدد الأنظمة وتشتتها. وهي تقومأساساً على أربعة أنظمة:

– الصندوق المغربي للتقاعد لفائدة الموظفين؛

– النظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد لفائدة مستخدمي المؤسساتوالمقاولات العمومية والجماعات الترابية والهيئات العمومية المنخرطة فيه؛

– الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لفائدة أجراء القطاع الخاص؛

– الصندوق المهني المغربي للتقاعد كنظام تكميلي.

وتختلف الأوضاع المالية لهذه الأنظمة. فبينما لا يزال الصندوق الوطنيللضمان الاجتماعي والصندوق المهني المغربي للتقاعد يتمتعان بهوامشمالية مريحة نسبياً، يواصل كل من الصندوق المغربي للتقاعد والنظامالجماعي لمنح رواتب التقاعد تسجيل عجز تقني هيكلي.

وتظهر الدراسات الاكتوارية أن إصلاح سنة 2016 لم يفعل سوى تأجيلالمشكلات دون حلها، إذ يتزايد عدد المتقاعدين بوتيرة أسرع من عددالمساهمين، مما يهدد توازن الصناديق على المدى الطويل.

لماذا تبدو الإصلاحات صعبة؟ 

منذ سنة 2025 أعادت الحكومة إطلاق المشاورات من أجل إرساء إصلاحهيكلي شامل. وتقوم السيناريوهات المتداولة على إحداث قطبين رئيسيينللتقاعد: قطب عمومي وقطب خاص، على أن يتطورا تدريجياً نحو نظام أكثرانسجاماً.

غير أن المفاوضات مع الشركاء الاجتماعيين ما تزال تواجه صعوبات كبيرة. فالنقابات تعتبر أن الأجراء تحملوا بالفعل كلفة إصلاح 2016 من خلال رفعالاشتراكات وتأخير سن التقاعد وتخفيض المعاشات المستقبلية بشكل غيرمباشر. كما تطالب بضمانات إضافية لحماية الحقوق المكتسبة والحفاظ علىالقدرة الشرائية للمتقاعدين، وبمزيد من الشفافية بشأن المعطيات الماليةللصناديق.

في المقابل، تؤكد الحكومة على الطابع الاستعجالي للوضعية المالية وعلىالقيود التي تواجه الميزانية العمومية. ومن ثم فإن الخلاف لا يقتصر علىالجوانب التقنية، بل يشمل أيضاً كيفية توزيع كلفة الإصلاح بين الأجراءوأرباب العمل والدولة.

التحدي الأكبر: توسيع التغطية التقاعدية 

من أهم الدروس المستفادة من التجارب الدولية أن استدامة أنظمة التقاعد لاتعتمد فقط على الإصلاحات المالية، بل أيضاً على توسيع قاعدة المساهمين.

ففي المغرب يتجاوز عدد الأشخاص البالغين 60 سنة خمسة ملايين شخص، بينما لا يتعدى عدد المستفيدين من معاشات التقاعد حوالي 1.3 مليونشخص. وهذا يعني أن نحو ثلاثة أرباع المسنين لا يتوفرون على أي معاشتقاعدي. ويعكس هذا الوضع حجم القطاع غير المهيكل والإقصاء التاريخيلفئات واسعة من العاملين من أنظمة التقاعد.

لذلك فإن إدماج العمال المستقلين والمقاولين الذاتيين والفلاحين والعاملين فيالاقتصاد غير المهيكل يشكل شرطاً أساسياً لإنجاح أي إصلاح مستدام. كما أن الورش الذي أطلقه المغرب لتعميم الحماية الاجتماعية والتأمينالإجباري عن المرض يمثل خطوة أولى في هذا الاتجاه.

خاتمة 

تُظهر التجربة الدولية أن إصلاح أنظمة التقاعد لا يمكن أن يقتصر على رفعالاشتراكات أو تأخير سن التقاعد. فنجاح أي نظام تقاعدي يقوم على تحقيقالتوازن بين الاستدامة المالية والعدالة الاجتماعية وتوسيع التغطية.

وفي المغرب، مكّن إصلاح سنة 2016 من كسب بعض الوقت، لكنه لم يحلالمشكلات الأساسية. ولذلك فإن الإصلاح الحقيقي ينبغي أن يجمع بينتوحيد الأنظمة القائمة، وضمان استدامتها المالية، وتوسيع التغطية لتشململايين العاملين الذين ما زالوا خارج المنظومة. فالتحدي لا يتمثل فقط فيتمويل معاشات اليوم، بل في بناء نظام يضمن لعدد أكبر من المغاربة حياةكريمة بعد التقاعد.

مقال خاص لصحيفة قريش – لندن 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com