هل المؤقت في حياة الفلسطينيين دائم؟

13 يونيو 2026
هل المؤقت في حياة الفلسطينيين دائم؟

د. محمد عياش

– كاتب وباحث سياسي

 تُمثل القضية الفلسطينية وجعاً إنسانياً غائراً، حيث يسطّر الشعب العربي الفلسطيني ملحمة من الصمود الأسطوري في مواجهة عقود من الاقتلاع، اللجوء، والحصار. إنها حكاية ألم متوارث عبر الأجيال، ومعاناة يومية بين جدران مخيمات الشتات وويلات الحروب، لكنها في الوقت ذاته رمز حيّ للتشبث بالأرض والحق في تقرير المصير. 

في كل شبر من أرض فلسطين، تُكتب فصول من أطول ملاحم الصبر الإنساني في العصر الحديث. إنها أرض الأنبياء التي لم تعرف يوماً للهدوء سبيلاً، وشعبها الذي تحوّل في نظر العالم إلى أيقونة للصمود.. يعيش الفلسطينيون فصولاً قاسية من الاقتلاع والتهجير القسري، حيث تحولت أحلام الطفولة إلى ركام، وتوزعت أماني العودة في خيام الشتات. ليست القضية مجرد احتلال للأرض، بل هي محاولة مستمرة لطمس الهوية وسلب الحق في الحياة الكريمة، ورغم قسوة الألم، يظل الفلسطينيون جذوراً ضاربة في عمق التاريخ، يروون بدمائهم حكاية وطن لا يموت. 

منذ وعد بلفور المشؤوم وما تلاه من نكبات متلاحقة، دفع الفلسطينيون ثمناً باهظاً لمؤامرات دولية ومشاريع استعمارية لا تزال تلقي بظلالها الثقيلة على حياته اليومية. لقد واجه هذا الشعب على مدار عقود أبشع أشكال التطهير العرقي، الحصار الخانق، والاعتقال، ومصادرة الأراضي.

 إن العذابات الفلسطينية تتجاوز حدود الجغرافيا لتشمل معاناة اللجوء، غياب الاستقرار، وفقدان الأمان. ومع ذلك، شكلت هذه المعاناة وقوداً لإرادة صلبة لا تلين، حيث تواصل الأجيال الفلسطينية حمل راية النضال والدفاع عن حقوقها المشروعة في وجه آلة البطش والتنكيل.

 تقف الكلمات عاجزة أحياناً عن وصف حجم المعاناة التي يتجرعها الشعب الفلسطيني يومياً. فمنذ عقود، يرزح هذا الشعب تحت نير أطول احتلال عرفه التاريخ المعاصر، حارماً إياه من أبسط حقوقه الإنسانية والوطنية. بين ويلات القصف، ألم الفقد، ومرارة النزوح واللجوء، يسطر الفلسطينيون يومياً ملاحم من التحدي، ليثبتوا للعالم أجمع أن إرادة الشعوب في نيل الحرية والكرامة أقوى من كل آلات الدمار والنسيان.

ففي الوجدان والواقع الفلسطيني، تحولت صياغات “الخطط الانتقالية” و”الإجراءات المؤقتة” لتصبح الحالة الدائمة في ظل عقود من النكبة والتهجير. إليك كيف تجلت هذه المفارقة في تفاصيل الحياة والسياسة الفلسطينية؛ اللجوء والمخيمات؛ بُنيت خيام اللجوء عام 1948 كمحطة “مؤقتة” لحين العودة، لكن مع ديمومة الزمن، تحولت المخيمات إلى مدن إسمنتية دائمة الشاهدة على تعاقب أجيال كاملة تحمل صفة اللاجئ؛ الواقع الإداري (أوسلو)؛ صُممت “سلطة الحكم الذاتي” عام 1993 كمرحلة انتقالية مؤقتة مدتها 5 سنوات، لكن هذه السنوات تحولت إلى عقود من السلطة المحدودة، ليصبح “المؤقت” واقعاً إدارياً وسياسياً “دائماً”؛ حروب التهجير المستمرة؛ تتكرر مشاهد الإخلاء في كل تصعيد لتطال الوجود الإنساني وتخلق حالات من عدم اليقين، مما يدفع الفلسطينيين اليوم لتفضيل البقاء وسط الأنقاض المدمرة على النزوح للخيام مجدداً.

هذا التحول من المؤقت إلى الدائم جعل الفلسطينيين يطوّرون ثقافة صمود متجذرة، حيث يتقنون فن “البقاء” والتجذر في الأرض والذاكرة رغم كل محاولات التلاعب الجغرافي والسياسي بوضعهم، حيث لم يعرف التاريخ عن الظلم، كالظلم الذي مورس على الفلسطينيين. ففي هذا السياق يقول «زبغينو بريجنسكي» مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق، إن الظلم ينتج العنف وإزالته لا تكون برفع الظلم، إنما الرد على العنف بكون بعنف أكبر وأشمل ومن جهات دولية متعددة!

إن العنف إذا تحول إلى غاية يصيح لعنة، فلعنة العنف والظلم الذي يقوم به الثنائي ترامب ونتنياهو بحق الشعب العربي الفلسطيني، يتحول إلى ردات أفعال تصب في مصلحة القضية الفلسطينية، فالقرارات الدولية والتفاهمات وحتى الاتفاقيات الموقعة بين الطرفين استثمرتها دولة الكيان في صالحها لجهة التمدد والاستيطان، والكشف عن المخططات العلنية التي تروم إلى طرد الشعب الفلسطيني من أرضه.

المعادلة القائمة في فلسطين المحتلة من وجهة النظر الصهيو- أمريكية “ابتلاع الأراضي الفلسطينية بشكل تدريجي”، عبر ما يسمى تراخيص المستوطنات وفتح الطرقات وتشييد المنشآت وتغول المستوطنين بشكل دائم وهجماتهم الوحشية على أطراف القرى والمدن للغاية ذاتها.

تُجسد معاناة الشعب الفلسطيني أطول مأساة إنسانية في العصر الحديث، حيث تتجدد فصول النكبة والتهجير عبر عقود من الزمن. فرغم قسوة الظروف و”ديمومة” العذابات، يسطّر الفلسطينيون نموذجاً استثنائياً في الصمود والدفاع عن الأرض، وسط تخاذل دولي مستمر وتمسك راسخ بحقهم في البقاء والحرية. إذ تعتبر المحنة الفلسطينية جرحاً غائراً في ضمير الإنسانية، فما يعانيه هذا الشعب الصابر من تشريد، وحصار، وفقدان لأبسط مقومات الحياة لا نظير له في التاريخ. ومع ذلك، فإن ديمومة هذه العذابات لم تزد الفلسطينيين إلا إصراراً على التشبث بجذورهم، مبرهنين للعالم أجمع أن إرادة الحياة أقوى من بطش الاحتلال. وبالتالي إن استمرار هذه المأساة يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية وتاريخية كبرى لإنهاء الظلم التاريخي الواقع على الفلسطينيين. 

تبقى القضية الفلسطينية رمزاً عالمياً للنضال ضد القمع، ويبقى الشعب الفلسطيني الرقم الصعب، عنواناً للصمود الأسطوري الذي لا ينكسر، متمسكاً بعدالة قضيته حتى نيل حقوقه المشروعة كاسرًا ورافضًا للدائم المظلم محولاً ذلك إلى مؤقت احتلال فـ «إسرائيل» جزء من التاريخ وليس جزء من الجغرافية.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com