الاستقرار” الاقتصادي” والثلاثية المستحيلة…

19 أغسطس 2026
الاستقرار” الاقتصادي” والثلاثية المستحيلة…

ما بين الانضباط المالي والإحباط الاجتماعي يتأرجح الاقتصاد المغربي

عبدالحميد جماهري

إعلامي ومحلل سياسي من المغرب

الوصف الملكي للاستقرار بالسياسي باعتباره رأسمالا استراتيجيا يلخص الضرورة الجيوسياسية والجيوـ اقتصادية لهذا المكتسب، كما يبين قدرة المغرب-دولة ونخبا وشعبا-على عدم التفريط فيه، والقدرة على تحصينه.

ولعل أهم شيء فيه هو أن المغرب لا يحصنه بالتكتيكات الأمنية والإرشاء الاجتماعي.

بل ما نشهده هو أنه هدف يحققه المغاربة، بقدرتهم علي عدم السقوط في فخ الاستحالة السياسية التي لا مخرج منها، في محيطنا العربي الإسلامي والإفريقي، سوى بالعنف، والذي يجعل المجتمع يتأرجح بين الفاشية والانقلاب.

وفي علاقة بالاقتصاد المغربي هناك كذلك معادلة الاستقرار التي تحظى بالكثير من التنويه، وهو تنويه يأتينا من الداخل ومن الخارج خصوصا.

وإذا كان، يغازل فينا أنانيتنا الوطنية، فإنه في المقابل لا يعري الكلفة التي تختفي وراء الاستقرار الاقتصادي، بل لا نرى عيوبه.

كما يحدث مثلا في معالجة الاستقرار الحزبي أو المؤسساتي الذي نعيشه، فهو بحد ذاته يحترم المعادلات والشروط المطلوبة عالميا، 

لكن تكلفته من الحياة المجتمعية غالية كثيرا.

أولا، ماذا نعني بالاستقرار الاقتصادي؟

يبرز من معادلاته نقطة إيجابية طالما شكلت عنصر قوة طوال سنوات الاستقلال، وهو ذلك الترابط والتداخل بين النخب الإدارية والاقتصادية والسياسية، والتي تتظافر جهودها في الغالب من أجل “مشروع وطني” جامع.

الفقر الكبير الذي نشعر به في النقاش الوطني عموما يجد جذوره في نوع من عزوف النخبة عنه. فالوجوه التي تشارك في النقاش العمومي من كبار الإدارة والجامعة والرأسمال تكاد تكون نادرة. الوجوه التي اكتسبت خبرة ومعرفة بالإدارة أو بالاقتصاد قليل منها من يشارك في النقاش العمومي والالتزام. وغالبا ما يكون ذلك للحفاظ على وضعية راحة بالقرب من السلطة، وهو ما يقوي تمركز القرار الاقتصادي والإداري في دائرة ضيقة. (للحقيقة والتأريخ كانت كلمة الكاتب الأول للاتحاد في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر ال12 قوية في هذا الباب…).

الكلفة السياسية لهذا النوع من “الاستقرار حول التمركز”، هو الفراغ في الحقل السياسي، وتركه عرضة للريع الانتخابي، الذي يجيد إعادة تدوير المكاسب، من رأسمال رمزي ومادي عوض المغامرة بإنتاج الأفكار. (للمزيد من البحث العودة إلى كتاب عبد الملك العلوي حول “المغرب: تحدي القوة.”)

وهو تمركز يحرم المجتمع من خبرة نخبه القادرة على تفكيك هذا التمركز واقتراح البدائل وتوزيع الثروة الوطنية، كما أنه لا يشجع العامة والشعب على دخول الحقل السياسي الذي يفتح الباب للحقول الأخرى …

من مخاطر الاستقرار، الأحادي في المغرب، أنه يجاور في الكثير من معانيه بـ”البلوكاج”، إذ تمثل البطالة وعدم إنتاج ما يكفي من مناصب الشغل تحديا رئيسيا زد على ذلك الضعف الملحوظ في القطاع الخاص، والذي كان موضوع خطابات وتقارير عديدة ( تقرير البنك الدولي في شتاء 2025).

الخلاصة الأولى هو أن البلاد لا تدفعها ديناميكية استثماراتها الوطنية بقدر ما تحمل عبئها الدولة.

وإذا كان الاستقرار السياسي يدعم الاستقرار الاقتصادي ويغذيه، فإن على الثاني أن يكون ركيزة للثاني عبر البند الاجتماعي.

هناك إجماع على أن النموذج الاقتصادي الحالي يعيش حالة من الوهن، ومن هنا جاءت مبادرة البحث عن نموذج تنموي جديد لإيجاد حلول ناجعة وتجاوز حالة الاستنزاف التي وصل إليها. إن هذا النموذج الذي ما زلنا نعتمد عليه تحول إلى “أرثوذكسية اقتصادية” مبنية على التحكم في العجز الميزانياتي، وضبط التضخم، والتحلي بالحذر الشديد في السياسة النقدية والمالية، وهو النهج الذي يترجمه بشكل واضح والي بنك المغرب.

ولعلنا نكتفي في الغالب بالتنويه الذي نحصل عليه من المؤسسات المالية الكبرى، وهو شيء محمود، ونكتفي إضافة إلى ذلك بتدفق الاستثمارات الأجنبية، وهو أمر محمود ومطلوب ووجيه للغاية، ويكشف عن السمعة الحسنة في الأوساط الاقتصادية العالمية، غير أن الذي يجمع عليه المراقبون، البسيط منهم أمثالي والخبراء والمتخصصون، هو أن النمو الاقتصادي المغربي، مهما وصل وارتفع، لا يتجاوز سقفه نسبة معينة تكون بعيدة كل البعد عن التجاوب مع المطالب الاجتماعية.

ما بين الانضباط المالي والإحباط الاجتماعي يتأرجح الاقتصاد المغربي، حتى إن الاستقرار يتحول إلى هاجس مزمن يحرمه من الديناميكية (أي الحركة)، حيث نفضل الاستقرار غير المنتج أو غير العادل، على المغامرة …

ولعل الاقتصادي رضوان الطويل قد أفلح في الوصف باعتبار الاقتصاد المغربي “لغزا كبيرا” يخضع لـ«ثلاثية مستحيلة »عناوينها البارزة هي: الاستقرار، والانضباط الموازناتي، والنمو.

ولعل التفسير الذي يقدمه الخبراء هو أن الاختيارات الماكرو-اقتصادية لا تفسر وحدها هذه الوضعية، بل إن التفسير الحقيقي يكمن في بنية النسيج الاقتصادي نفسه، الذي هيمنت عليه مجموعة صغيرة من المجموعات الاستثمارية الكبرى التي غالبا ما تكون قريبة من الدولة في حين تعجز الغالية الكبرى من المقاولات الصغرى والمتوسطة والصغيرة جدا عن المنافسة والولوج إلى التمويل والتصدير، علاوة على الحجم الغالب للقطاع غير الهيكل ، وتكون النتيجة أن الاستقرار كما نعيشه يفتح الباب أمام ثلاثية أخرى هي الحيطة( التوجس) داخل المجتمع والتفاوت المجالي بين الجهات وداخلها، والشعور بالإقصاء، وبأن الوطن يُبْنى دون أغلبية أبنائه… 

إنه استقرار اقتصاد يتطور ولكنه لا يوزع مردوديته بشكل عادل. استقرار مفارق جدا، تنتج عنه حالة إحباط سياسي واجتماعي مقلق.

مقال خاص لصحيفة قريش – لندن 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com