صباح البغدادي
(*) هل حقآ تدرك الحكومة العراقية، بمختلف أجهزتها الأمنية والاستخبارية ــ بلغت إحدى عشر جهازآ ؟ وكأننا إمبراطورية عسكرية تضاهي امريكا والصين وحتى دول الاتحاد الأوروبي مجتمعة !!؟ ــ عن حجم التهديدات المحتملة المرتبطة باختراق منظومات كاميرات المراقبة الرقمية في “بغداد” وقد يصل هذا الاختراق الى قلب قصر دار السلام في المنطقة الخضراء ، في ظل تصاعد التنافس الاستخباري بين القوى الإقليمية والدولية؟ حيث تتزايد لنا المخاوف من إمكانية تحول البنية الرقمية الخاصة بأنظمة المراقبة إلى نقطة ضعف حساسة قد تُستغل في عمليات جمع المعلومات والرصد الأمني، خصوصًا داخل المواقع السيادية والمؤسسات الحيوية. وتبرز تساؤلات خطيرة حول مدى حماية الشبكات المرتبطة بكاميرات المراقبة في المناطق الحساسة، بما في ذلك المنطقة الخضراء، والمؤسسات الأمنية، ودوائر الدولة ذات الطابع السيادي. لان خطورة هذا الملف نراه لا تكمن فقط في الجانب التقني، بل في الأبعاد الاستخبارية المرتبطة بإمكانية توظيف هذه الاختراقات ضمن ما يشبه “حربًا استخبارية صامتة” تُدار بأدوات رقمية متقدمة وأساليب مراقبة غير تقليدية. وفي ظل هذه التحديات، يبرز لنا سؤال حتمي ويتمثل بما معناه : ” هل توجد مراجعات أمنية وفنية دورية تضمن سلامة منظومات المراقبة وحمايتها من الاختراق أو الاستغلال الخارجي؟ وهل تمتلك الجهات المعنية الشفافية الكافية لطمأنة الرأي العام بشأن مستوى الأمن السيبراني للبنية الأمنية الحساسة في العراق؟ فالتعامل مع هذا النوع من التهديدات لم يعد خيارًا ثانويًا، بل أصبح جزءًا أساسيًا من الأمن القومي الوطني والسيادة الرقمية للدولة وتكمن خطورة هذا الملف في أن أي اختراق لأنظمة المراقبة لا يعني فقط الوصول إلى صور أو تسجيلات، بل قد يفتح الباب أمام مراقبة التحركات الأمنية، وتتبع الشخصيات السياسية المهمة بالحكومة :” الوزراء , القادة العسكريين والامنيين , قادة الأحزاب , أعضاء مجلس النواب, رئاسة الوزراء , القضاة … الـخ ” وفهم طبيعة الإجراءات داخل المؤسسات الحساسة والمواقع السيادية. ومع اعتماد المؤسسات الحكومية والأمنية على أنظمة رقمية متصلة بالشبكات، تصبح احتمالات الاختراق الإلكتروني أكثر تعقيدًا في ظل التطور المستمر لأساليب التجسس السيبراني.
حسب التقارير الإعلامية التي نشرت مؤخرأ , التي تفيد بأن “بغداد” قد حلت ضمن قائمة أكثر المدن خضوعًا للمراقبة في العالم؛ وفق بيانات حديثة صادرة عن شركة (Comparitech) إلكترونية والمتخصصة في مجال عملها بالأمن السيبراني والخصوصية الرقمية، والتي أظهرت تصاعدًا كبيرًا في استخدام كاميرات المراقبة داخل المدن الكبرى، وبالتزامن مع توسّع مشاريع “المدن الذكية” واعتماد تقنيات “الذكاء الاصطناعي” وبحسّب تصنّيف الشركة , فقد جاءت “بغداد” في المرتبة العاشرة عالميًا من أصل: (29) مدينة، بواقع نحو (15) كاميرا لكل ألف شخص، بإجمالي يُقدّر بحوالي (120) ألف كاميرا منتشرة في مختلف أنحاء العاصمة، ما يعكس تنامي الاعتماد على أنظمة المراقبة لأغراض أمنية وخدمية. وفي السنوات الأخيرة، وشهدت العاصمة “بغداد” توسعًا ملحوظًا في استخدام كاميرات المراقبة، ضمن مساعي تعزيز الأمن ومواكبة مشاريع “المدن الذكية”.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه علينا، ونحن نراقب مثل تلك الاخبار وهذه التحولات المتسارعة عن كثب، وسؤالنا الذي يتبادر الى الاذهان الان وفي محوره الاساسي :” كيف يمكن للمتابع العادي او اصحاب الشان والاختصاص بأن يمتلك قراءةً عميقة لما يُبث من تقارير وأخبار، في زمنٍ أصبح نرى فيها المعلومة تُمرَّر كأنها حدثٌ عابر لا يستحق التوقف أو التأمل من قبل الاجهزة الامنية والاستخبارية العراقية ؟ واصبحوا يمرّون على تلك الوقائع مرورًا سريعًا، يكتفون بعناوينها الصاخبة دون أن يحاولوا استكشاف ما تخفيه بين السطور من دلالات ورسائل ومصالح امنية متشابكة. أما نحن، فسوف نفكر عكس التيار المستسلم السائد ولكن سنسعى إلى أن نتعامل مع هذه الأخبار بعينٍ أكثر تمعّنًا، لا بوصفها مادة إعلامية عابرة، بل باعتبارها شيفراتٍ سياسية وتقنية تحمل في طياتها إشاراتٍ إلى صراعٍ خفيّ يتشكّل في الظلال . وسنحاول، قدر المستطاع، أن نغوص في أعماق تلك التقارير، وأن نفكك خيوط اللعبة المعقدة التي تُدار رحاها اليوم خلف الشاشات وأجهزة الحاسوب، حيث لم تعد الحروب تعتمد على الجيوش التقليدية وحدها، بل أصبحت تُخاض بالعقول والخوارزميات والذكاء الاصطناعي والهجمات السيبرانية. لان العالم اليوم يعيش مرحلةً تتوارى فيها المعارك الحقيقية خلف واجهات إعلامية براقة، بينما تتحرك القوى الكبرى في فضاءاتٍ رقمية صامتة، تُعيد تشكيل النفوذ والسيطرة بوسائل لا يراها العامة، لكنها تترك أثرها العميق على السياسة والاقتصاد وحتى على وعي الشعوب. ومن هنا تأتي أهمية القراءة المتأنية والتحليل العميق؛ لأن ما يبدو خبرًا عابرًا قد يكون في الحقيقة جزءًا من حربٍ أكبر، تُكتب فصولها بلغة البيانات، وتُدار أدواتها عبر الذكاء الاصطناعي والحرب السيبرانية. ولذا سوف نحاول بدورنا ، وقدر الإمكان، تسليط الضوء على طبيعة هذه المخاوف، ومدى واقعيتها، والجهات المحتمل وقوفها وراءها، إضافة إلى التداعيات الأمنية والسيادية التي قد تترتب على ذلك. لكن القراءة الاستباقية لهذا الملف تفرض علينا التوقف عند نقطة أكثر خطورة؛ وهي أن الحروب الحديثة لم تعد تُخاض فقط بالصواريخ والطائرات، بل أصبحت تُدار أيضًا عبر البيانات، وأنظمة المراقبة، والاختراقات الرقمية الصامتة التي تتيح لمن يمتلك التكنولوجيا أن يرى ويسمع ويتابع التفاصيل الدقيقة لحركة الدول والمجتمعات من الداخل.
فإذا كانت إسرائيل تمتلك القدرة التقنية والجرأة السياسية معًا، من دون اكتراث يُذكر بالتداعيات أو الحسابات السيادية،فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم يتعلق بمدى ما بلغ اليه اتساع مساحة الاختراق داخل العراق، لا سيما في ظل واقع أمني وسيادي هشّ تشكّل منذ عام 2003، حين أصبح البلد ساحة مفتوحة لتقاطعات النفوذ الإقليمي والدولي. وفي هذا السياق، تبرز تساؤلات حساسة بشأن البنية الأمنية والرقمية العراقية، خصوصًا بعد الحديث عن وجود قواعد ومنشآت أُنشئت بدعم أميركي في مناطق صحراوية قرب محافظة النجف، وما إذا كانت تلك المعطيات قد وفّرت بيئة مناسبة لعمليات رصد ومتابعة تتجاوز الأطر التقليدية للعمل الاستخباري والأمني إلى فضاء أكثر توسعا لاختراق كاميرات المراقبة والتي لغاية اليوم لم يتطرق لها الاعلام العراقي او العربي وحتى الأجنبي بكافة تفرعاته ” المقروء والمسموع والمرئي ” ولا حتى من خلال المحللين السياسيين عند استضافتهم في البرامج الحوارية ؟ ومن هنا، يصبح الحديث والذي نحن الان بصدد القاء الضوء عليه وعن إمكانية اختراق منظومات كاميرات المراقبة التابعة لوزارة الداخلية العراقية، أو حتى الشبكات المدنية المنتشرة في المحال التجارية والأسواق والشركات والأحياء السكنية في بغداد وبقية المحافظات، أمرًا لا يمكن التعامل معه بوصفه مجرد فرضية عابرة على الاقل بالنسبة لنا شخصيآ . التطور الهائل في تقنيات المراقبة والاختراق السيبراني، إلى جانب هشاشة البنية التحتية الرقمية العراقية، يفتح لنا الباب واسعا ومن دون أي عراقيل أمام احتمالات واسعة يصعب تجاهلها من قبلنا ؟ ورغم استغرابنا لغاية الآن عن الغياب التام والنقاش عن هذا الموضوع ، إلا أن حجم المؤشرات والتقاطعات الأمنية يدفع بدورنا إلى الاعتقاد بأن الأمر قد يتجاوز حدود الشكوك أو التقديرات النظرية، ليصل إلى مستوى قناعتنا القطعية وليست الظنية بوجود عمليات اختراق ورصد ممنهجة حدثت في السابق والآن وحتى ستكون في المستقبل . وفي هذا التحقيق الصحفي الاستقصائي ، سوف نحاول تسليط الضوء على طبيعة هذه المخاوف الامنية ، ومدى واقعيتها، والجهات المحتمل وقوفها وراءها، إضافة إلى التداعيات الأمنية والسيادية على الأمن القومي العراقي التي قد تترتب على ذلك.
ففي عالم باتت فيه الكاميرات الذكية مرتبطة بشبكات الإنترنت، وأنظمة التخزين السحابي، وبرمجيات التعرف على الوجوه، لم تعد كاميرات المراقبة مجرد أدوات لحفظ الأمن المحلي، بل تحولت، في حال اختراقها، إلى شبكة استخبارية هائلة قادرة على تتبع الأفراد، ورصد التحركات، وجمع البيانات الأمنية والاجتماعية والاقتصادية بصورة لحظية. ومن هنا، فإن المخاوف لا تتعلق فقط بإمكانية الوصول إلى صور أو تسجيلات محدودة، بل بإمكانية بناء “بنك معلومات” متكامل عن المدن العراقية، يتضمن خرائط الحركة اليومية، وأنماط التنقل، ومواقع المؤسسات الحساسة، وحتى تفاصيل الحياة العامة للمواطنين. وهو ما يمنح أي جهة تمتلك هذه القدرة تفوقًا استخباريًا بالغ الخطورة، يمكن استخدامه في التتبع، أو الابتزاز، أو التخطيط لعمليات أمنية معقدة في المستقبل.
كما أن التحدي الأكبر لا يكمن دائمًا في وجود الاختراق نفسه، بل في غياب المنظومات القادرة على اكتشافه أو إثباته. فالكثير من عمليات التجسس السيبراني الحديثة تُنفذ بصمت كامل، وقد تستمر لسنوات من دون أن تترك أثرًا واضحًا، خصوصًا في الدول التي تعاني من ضعف البنية التحتية الرقمية، وتعدد الجهات المشرفة على الملف الأمني، وغياب الرقابة التقنية المتخصصة كما يحدث في العراق حاليآ ؟ وبينما تتسارع دول العالم في بناء جدران حماية إلكترونية وسيادة رقمية مستقلة، يبدو لنا بأن العراق ما يزال ، متأخرًا في هذا السباق، الأمر الذي يجعله أكثر عرضة لاختراقات قد لا تقتصر على الكاميرات المراقبة الرقمية فقط، بل تمتد إلى شبكات الاتصالات، وقواعد البيانات، وأنظمة المراقبة الحكومية والخاصة على حد سواء. وفي ظل هذا المشهد المعقد، يبقى السؤال الأخطر: هل ما يجري هو مجرد احتمالات يفرضها القلق الأمني، أم أننا أمام واقع قائم بالفعل، تُدار تفاصيله بعيدًا عن أعين الرأي العام؟ هذا ما سنحاول تتبعه وتحليله عبر هذا التحقيق، بالاستناد إلى المعطيات التقنية، والوقائع الأمنية، لهذا الملف شديد الحساسية. ولذا فان غابة الكاميرات المراقبة الرقمية في العاصمة “بغداد” وبقية المحافظات بالإضافة الى المواطنون العاديون والشركات التجارية ولان هذا الانتشار المتسارع أثار لنا تساؤلات عميقة حول طبيعة هذه الأنظمة، والجهات التي تديرها، وإمكانية استغلالها في صراعات استخبارية إقليمية ودولية، خاصة في ظل تصاعد التوتر بين الفصائل المسلحة العقائدية العابرة للحدود والوجود الأمريكي في العراق. وقد يكون الأخطر من ذلك إلى أن أنظمة المراقبة في بغداد تعتمد جزئيًا على شركات وتكنولوجيا أجنبية، وهو ما يثير لنا مخاوف جدية بشأن إمكانية الوصول الخارجي إلى هذه الشبكات ومن دون ان يكون لها اي رادع او محاسبة . وفي هذا السياق، تبرز لنا تساؤلات حول فرضيات اختراق أو مراقبة هذه الكاميرات من قبل جهات دولية، خصوصًا مع الحديث المتداول عن قدرات استخبارية متقدمة تمتلكها الولايات المتحدة وحلفاؤها وبالاخص اسرائيل في مجال جمع وتحليل البيانات. وبدورنا نحن سوف لن ننتظر الصحف العالمية لكي تقول لنا مستقبلا في نشراتها الاخبارية بان هناك اختراق قد حصل في كاميرات المراقبة الرقمية في العاصمة بغداد , وبالأخص نحن نعتقد حاليا وعلى ثقة تامة بان جهاز “الموساد” الاسرائيلي واجهزة المخابرات الامريكية قد لعبت لعبتها الرقمية لاختراق معظم كاميرات المراقبة الرقمية للعاصمة بغداد وبقية المحافظات وببساطة لان أي نظام رقمي غير محصّن بشكل كامل يمكن أن يكون عرضة للاختراق، خاصة في بيئات هشة وغير متماسكة تشهد صراعًا سيبرانيًا نشطًا.
وفي هذا السياق، الذي نحن بطرحه الآن على بساط البحث والتحري والاستقصاء ونحاول ان نبرز من خلاله محور بالغ الأهمية لم يلقى عليه الضوء بصورة معتبرة ويتمثل لنا الآن في عملية نراها ضرورة جدا لتقييم المخاطر الأمنية والخصوصية المرتبطة بالانتشار الواسع لكاميرات المراقبة في مختلف أنحاء العاصمة بغداد، سواء تلك التابعة للمؤسسات الأمنية والاستخبارية والوزارات والمؤسسات والدوائر التي تقدم خدمة للمواطنين ومن ضمنها التسجيل العقاري والسيارات على سبيل المثال وليس الحصر ، أو حتى الكاميرات التي يعتمدها المواطنون في منازلهم ومحالهم التجارية والأسواق، إضافة إلى الأنظمة المستخدمة من قبل الشركات الخاصة. هذا التوسع غير المتجانس في البنية التحتية للمراقبة يطرح تساؤلات جدية حول مستويات الحماية والتأمين الرقمي المعتمدة عبر هذه المنظومات المتعددة. فمع الطبيعة الشبكية لهذه الأجهزة، لم يعد التهديد محصورًا ضمن نطاق محلي، بل أصبح عابرًا للحدود، حيث يمكن—نظريًا—لأي جهة تمتلك خبرة تقنية متقدمة أن تحاول استهداف هذه الأنظمة عن بُعد، خصوصًا في حال غياب طبقات الحماية المتقدمة. ومع تحوّل العالم إلى فضاء رقمي مترابط، تتزايد أهمية تبني معايير أمنية متعددة المستويات، إذ إن ضعف التأمين في أي حلقة من هذه المنظومة قد يفتح المجال أمام محاولات الوصول غير المصرح به إلى البيانات، بغض النظر عن موقع الجهة المستهدِفة أو المنفِّذة. ويأتي هذا التوسع في أنظمة المراقبة ضمن مسار عالمي متسارع نحو رقمنة إدارة المدن وتعزيز منظومات الأمن الذكي، حيث تُوظَّف تقنيات متقدمة، وفي مقدمتها خوارزميات التعلم الآلي، لتحليل تعابير الوجوه والأنماط السلوكية ورصد التحركات بشكل آلي وفوري. غير أن هذا التحول يطرح، في المقابل، تحديات استراتيجية متنامية تتعلق بحماية الخصوصية والحقوق الفردية، خصوصًا في ظل القدرة المتزايدة لهذه الأنظمة على التنبؤ بالسلوك وتتبع الأفراد بدقة عالية. ومع استمرار هذا الاتجاه، تبرز الحاجة إلى أطر حوكمة متقدمة توازن بين متطلبات الأمن وكفالة الحريات، بما يضمن استخدامًا مسؤولًا ومستدامًا لهذه التقنيات في المستقبل. وكما يضيف دمج تقنيات التعرّف على الوجوه وتحليلها عبر خوارزميات الذكاء الاصطناعي طبقة إضافية من التعقيد إلى منظومات المراقبة الحديثة، إذ بات بالإمكان استخلاص أنماط دقيقة عن تحركات الأفراد وسلوكهم ضمن زمن قياسي. ولو رجعنا قليلا الى الوراء وقرأنا حول بدايات تاريخ الصراعات السيبرانية حيث يُظهر امتلاك بعض الدول قدرات متقدمة في اختراق البنى التحتية الرقمية، وفي هذا السياق هو الإشارة إلى أن أي منظومة تعتمد على شبكات متصلة وقابلة للمعالجة الذكية تبقى عرضة نظريًا لمخاطر الاختراق أو الاستغلال، خاصة في البيئات ذات التوتر الأمني المرتفع. ومن هنا، تبرز لدينا الإشكالية الحقيقية ليس فقط في “من اخترق؟”، بل في “مدى جاهزية هذه الأنظمة للحماية”، وما هي الضمانات السيادية والقانونية التي تحكم إدارتها؟”. فتعزيز الأمن لا ينفصل عن بناء بنية تحتية رقمية محصّنة، قادرة على مقاومة التهديدات المحتملة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على التوازن بين متطلبات الأمن وحقوق الأفراد. ولذا اختراق كاميرات المراقبة ممكن، ويعتمد ذلك بشكل كبير على مستوى الحماية والتجهيز التقني. والكاميرات ليست آمنة بطبيعتها ولكنها أيضًا ليست سهلة الاختراق دائمًا ولذا يكون الاختراق “سهلًا” نسبيًا؟ وتكمن خطورة كاميرات المراقبة ليس في وجودها بحد ذاته، بل في مستوى تأمينها؛ إذ يمكن أن تتحول من أداة لحفظ الأمن إلى نقطة ضعف رقمية في حال غياب معايير الحماية الصارمة.
وهنا سوف نورد امثلة حية ما تزال في الذاكرة ولم تمضي عليها بضعة اسابيع وعلى سبيل المثال وليس الحصر فإن قدرات الوحدة 8200 وهي أكبر وحدة في مديرية الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان)، وتُعد الذراع الأساسي لجمع المعلومات الاستخباراتية الإلكترونية (SIGINT)، فك الشفرات، والحرب السيبرانية في العالم، ومتخصصة في: ” التنصت الإلكتروني و اختراق الأنظمة و تحليل البيانات الضخمة
استخدام الذكاء الاصطناعي في الاستخبارات ” وكما يُنسب إليها عمليات سيبرانية كبيرة مثل هجوم Stuxnet ضد البرنامج النووي الإيراني وكذلك اختراق معظم كاميرات الضاحية الجنوبية في بيروت والاهم ما فعلته الوحدة باختراق كاميرات المراقبة في العاصمة الايرانية “طهران” والتي سهلت لهم استهداف قادة الإيرانيين في اجتماعهم مع الولي الفقيه وعن اختراق واسع النطاق لشبكة كاميرات المراقبة المرورية في العاصمة طهران، والذي لعب دوراً محورياً في العملية التي أدت إلى اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي في حوالي التاسعة والنصف من صبيحة يوم 28 شباط 2026 وبالتالي تمكنت الاستخبارات الإسرائيلية و جهاز (الموساد) من اختراق معظم كاميرات المرور في طهران لسنوات، وتشفير صورها وإرسالها إلى خوادم في “تل أبيب ” من حيث تم رصد “نمط الحياة” واستُخدمت هذه الكاميرات لبناء “نمط حياة” (Pattern of Life) دقيق الولي الفقيه الخامنئي ودائرته الأمنية المقربة ، بما في ذلك تحركات الحراس الشخصيين، ومواعيد نوبات عملهم، ومسارات تنقلهم، وحتى أماكن ركن سياراتهم الخاصة وتحديد الموقع بدقة مما وفرت إحدى الكاميرات القريبة من شارع “باستور” زاوية رؤية حيوية سمحت بمراقبة الدخول والخروج من مجمع المرشد ، مما ساعد في التأكد من وجوده والمسؤولين الآخرين في موقع الاجتماع المستهدف يوم الهجوم. وبعد تحليل النتائج باستخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي أدت الضربة الجوية الإسرائيلية التي استهدفت مجمع “بيت رهبري” (مكتب القيادة) في قلب طهران إلى مقتل السيد “خامنئي” إلى جانب عدد من القادة العسكريين البارزين.
أما بالنسبة الى العراق وهذا هو المهم لدينا وفي محاولة لكشف الأبعاد الخفية لاختراق كاميرات المراقبة في العاصمة بغداد وبقية المحافظات من قبل الأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية والأمريكية وبالأخص بعدما أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية عبر برنامج “مكافآت من أجل العدالة” (Rewards for Justice) التابع لوزارة الخارجية، عن رصد مكافآت مالية ضخمة تصل إلى 10 ملايين دولار لكل منهم، مقابل معلومات تؤدي إلى تحديد مكان أو اعتقال عدد من أبرز قادة الفصائل العراقية المسلحة الموالية لإيران، بتهمة تورطهم في هجمات استهدفت مصالح أمريكية ودبلوماسيين في العراق وسوريا ومن اهمهم وأبرز هؤلاء القادة على سبيل المثال وليس الحصر وفقاً لأحدث التصريحات الأمريكية في نيسان 2026 كل من:
(*) أحمد الحميداوي (أحمد محسن فرج الحميداوي): الأمين العام لـ كتائب حزب الله العراقي. تتهمه واشنطن بالضلوع في أنشطة “إرهابية”، واختطاف مواطنين أمريكيين، وتنفيذ هجمات ضد قوات التحالف.
(*) حيدر الغراوي (حيدر مزهر ملك السعيدي): قائد حركة أنصار الله الأوفياء. تصفه واشنطن بـ”الشبح” وتتهمه بقيادة هجمات ضد منشآت دبلوماسية وعسكرية أمريكية، تورط فيها في قتل عراقيين وجنود أمريكيين.
(*) أبو علاء الولائي (هاشم فنيان الرحيم السراجي): قائد كتائب سيد الشهداء. أُدرج ضمن قائمة المكافآت لاتهامه بهجمات ضد أفراد ومنشآت أمريكية ؟.
بالاضافة الى الاحزاب والفصائل الولائية العقائدية العابرة للحدود ومن أبرزها : كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق وحركة النجباء وكتائب سيد الشهداء وكتائب الإمام علي وغيرها .
في العراق مؤخرآ تم إدخال تقنيات التعرف على الوجوه في بعض السياقات داخل العراق، لكن ليس بشكل شامل وعلني ضمن منظومة وطنية موحدة لوزارة الداخلية حتى الآن. وعلى سبيل المثال : ففي انتخابات 2025، استخدمت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات تقنيات التعرف على الوجه كخيار بديل للتحقق من هوية الناخبين وهذا يعني أن التقنية موجودة ومستخدمة رسميًا في مؤسسات الدولة، ولكن ضمن نطاق محدد (انتخابي/بيومتري) وليس أمنيًا شاملاً. وفي محافظة كربلاء، تم نشر أكثر من 600 كاميرا ذكية قادرة على التعرف على الوجوه ولوحات المركبات ضمن مشروع أمني محلي. فهل هذه الكاميرات مخترقة من قبل اجهزة الاستخبارات الغربية أم أنها ما تزال في أمان من الاحتراق ؟ وهل يتم مراجعة الفنيين والمختصين لفحصها دوريآ أذا وجدوا شبهة الاختراق ؟ ام أنها مجرد مراقبين فقط خلف الشاشات ؟ ويمكن لنا صياغة هذا المشهد الأمني للمراقبة وبشكل مهني كالتالي : ” العراق دخل فعليًا عصر التعرف على الوجوه لكن عبر بوابات انتخابية مشاريع محلية (مثل كربلاء) أنظمة بيومترية للهوية؟ وفي سياق التحول نحو أنظمة المراقبة الذكية، تشير المعطيات المتاحة إلى أن العراق بدأ بالفعل إدخال تقنيات التعرف على الوجوه ضمن نطاقات محددة، سواء في التطبيقات البيومترية المرتبطة بالهوية، أو في مشاريع أمنية محلية على مستوى بعض المحافظات. هذا الاستخدام الجزئي يعكس توجهًا تدريجيًا نحو تبني أدوات الذكاء الاصطناعي في إدارة الأمن، دون أن يصل—حتى الآن—إلى مستوى منظومة وطنية موحدة ومعلنة تُفعّل هذه التقنية بشكل شامل عبر جميع شبكات المراقبة. غير أن أهمية هذا التحول لا تكمن فقط في نطاقه الحالي، بل في ما يتيحه مستقبلاً من إمكانيات واسعة لربط البيانات البصرية بقواعد معلومات مركزية، بما يسمح بتتبع الأفراد وتحليل أنماط تحركاتهم بدقة عالية. وهنا تحديدًا تتقاطع الأبعاد التقنية مع الاعتبارات السيادية والأمنية، إذ إن أي توسع غير محكوم في استخدام هذه الأنظمة، أو أي ضعف في تأمينها، قد يفتح المجال—نظريًا—أمام محاولات اختراق أو استغلال من قبل جهات تمتلك قدرات سيبرانية متقدمة. وعليه، فإن إدخال تقنيات التعرف على الوجوه في العراق يمثل نقطة تحول استراتيجية، ليس فقط على صعيد تعزيز الأمن، بل أيضًا من حيث الحاجة الملحّة إلى بناء أطر تنظيمية وتقنية تضمن حماية البيانات، وتحدد بوضوح حدود الاستخدام، وتمنع الانزلاق نحو أنماط مراقبة غير خاضعة للرقابة أو المساءلة. وفي هذا الإطار، تكتسب بغداد خصوصية استثنائية، كونها تقع عند تقاطع معقّد بين تحديات أمن داخلي مستمر، وتنافس إقليمي ودولي تتداخل فيه الأدوات التقليدية مع أدوات سيبرانية أكثر خفاءً وتعقيدًا. ومع توسّع الاعتماد على تقنيات المراقبة الذكية، يبرز سؤال استراتيجي يتجاوز البعد التقني: من يملك فعليًا القدرة على رؤية المدينة في الزمن الحقيقي، ومن يملك القدرة على تفسير ما تُنتجه هذه الرؤية من بيانات؟ ولان الأمر لا يتعلق فقط بعدد الكاميرات أو مدى انتشارها، بل بطبيعة البنية التحتية الرقمية التي تربطها، ومستوى الحوكمة الذي ينظم تدفق بياناتها، وحدود السيادة الامن القومي على المعلومات التي تُنتجها يوميًا. فكل منظومة مراقبة متصلة بالشبكة الانترنيت هي في الوقت ذاته منظومة بيانات، وكل منظومة بيانات هي—نظريًا—هدف محتمل في بيئة تتداخل فيها مصالح أمنية داخلية وخارجية متنافسة وقدرات سيبرانية متقدمة. ومن هنا، يصبح تحليل واقع المراقبة في بغداد مدخلًا لفهم أوسع: كيف تتحول المدن في العصر الرقمي من فضاءات جغرافية إلى فضاءات بيانات، وكيف يمكن لهذا التحول أن يعيد تشكيل مفهوم الأمن ذاته، بين الحماية من الداخل، واحتمالات الاستهداف من الخارج، في مشهد تتقاطع فيه التقنية مع الجغرافيا السياسية بشكل غير مسبوق. حيث ما يزال يشهد الشرق الأوسط تداخلًا متزايدًا بين الأمن التقليدي والقدرات السيبرانية المتقدمة. وهذا التداخل يجعل البنية التحتية الرقمية في المدن ذات أهمية استراتيجية، ليس فقط لأغراض محلية، بل أيضًا في سياق أوسع من جمع المعلومات وتحليل البيئة الأمنية.
في سياق النقاش الذي طرحناه أعلاه حول القدرات السيبرانية المتقدمة، كثيرًا ما تُتداول روايات تشير إلى إمكانية توظيف اختراق أنظمة المراقبة في عمليات استخبارية عالية الدقة، تصل إلى مستوى تتبع تحركات شخصيات سياسية وقيادية رفيعة المستوى ومسؤولين في الدولة او موظفين في أماكن امنية واستخبارية أو رصد اجتماعات حساسة. حيث ما زلنا نعتبر بان مثل تلك سيناريوهات وبهذا الحجم، قد وقعت فعلا , ولذا فإن التطور المتسارع في تقنيات الاختراق وتحليل البيانات يجعل من هذا النوع من العمليات أمرًا ممكنًا جدا من الناحية النظرية والعملية ، خاصة لدى الجهات التي تمتلك قدرات تقنية متطورة واستخبارية متقدمة مثل الأجهزة الأمنية والاستخبارية الإسرائيلية والأمريكية وغيرها من الدول الغربية والشرقية والاسيوية ” الصين وكوريا الشمالية ” فإن هذا الطرح الذي نحن ذكرنا بعض أبرز جوانبه المهمة لا يهدف سوى التأكيد بأن سيناريو العاصمة طهران والضاحية الجنوبية في بيروت قد تم تطبيقه فعلا في العاصمة بغداد وبقية المدن العراقية وبقدر ما يسلط الضوء على خطورة التحول في طبيعة العمل الاستخباري، حيث لم تعد المعلومات تُجمع فقط عبر المصادر التقليدية، بل باتت البنى التحتية الرقمية—بما فيها أنظمة كاميرات المراقبة الرقمية —جزءًا محتملًا من بيئة جمع المعلومات وتحليلها في سياقات معقدة.
وفي الختام نتمنى ، أن تكون رسالتنا قد وصلت إلى من يهمه الامر ابوضوحٍ وعمق، لا باعتبارها كلماتٍ عابرة تُقرأ ثم تُنسى، بل كفكرةٍ تستقر في الوعي الجمعي و تترسخ في العقل الباطن قبل الذاكرة. فما نسعى إليه ليس إثارة الجدل أو ملاحقة العناوين الرنانة، وإنما محاولة إيقاظ حسّ القراءة النقدية والتحليل الواعي لدى المتلقي واصحاب الشأن والاختصاص في كل من وزارتي الداخلية والدفاع وبقية الاجهزة الامنية ، في زمنٍ أصبحت فيه الحقائق تختلط بالضجيج الإعلامي، وتُدار فيه كثيرٌ من الصراعات خلف الستار. وإن إدراك طبيعة التحولات التي يشهدها العالم اليوم، خصوصًا في ميادين الحرب السيبرانية والذكاء الاصطناعي وصناعة التأثير الإعلامي، لم يعد ترفًا فكريًا، بل ضرورةً لفهم ما يدور حولنا واستيعاب ما قد يُحاك في الخفاء. ولذلك، فإن غايتنا الحقيقية كانت أن نضع أمام القارئ نافذةً مختلفة للنظر إلى الأحداث، بعيدًا عن القراءة السطحية أو التلقّي السلبي للمعلومة. فإذا نجحت هذه الرسالة في أن تترك أثرًا في العقل الجمعي، وأن تدفع القارئ إلى إعادة التفكير والتأمل فيما يُعرض أمامه يوميًا من أخبارٍ وتقارير، فإننا نكون قد حققنا الهدف الأسمى من هذا الطرح ولذا فإن حماية الفضاء الرقمي الأمني لا تقل أهمية عن حماية الحدود الجغرافية، لأن معارك النفوذ في المرحلة الحالية تُدار أيضًا عبر الكاميرات والشبكات والبيانات، وليس فقط عبر الوسائل التقليدية المعروفة.




















































عذراً التعليقات مغلقة