عبد النبي بزاز

كاتب من المغرب
إذا كانت رواية ” تحت جسر أمستردام ” للأديبة والروائية التونسية أمينة زريق تتميز بكثرة الشخصيات فإن جل أحداثها تمحورت في علاقة الشخصية المحورية ” عامر ” الطبيب والصحفي ومعلمه المتصوف العالم والعارف الذي كان نبراسه في كل خطواته التي يخطوها ، وأهدافه التي يتطلع إلى إطالتها عبر مسلكيات ذات نزعة صوفية ، بحيث لم ينزح ولم يزغ في كل تحركاته وتصرفاته عن استشارته ، والاهتداء بتعليماته وتوجيهاته . ومن ذلك علاقته بجماعة ” تحت الجسر ” ، والمشكلة من مهاجرين يقيمون تحت جسر بأمستردام ، وكذا علاقته بالتونسية ” إيناس ” التي اغتيل شقيقتها من قبل زوجها ، عن طريق اعتقاد خاطئ ، وما جمعه من علاقة ،بمن أسماها ملاك ، مجللة بغموض روحي ، والتي لم تعمر طويلا بعد مغادرتها ” ألب ” نحو الديار التركية ، واكتشافه لها بعد خمس وعشرين سنة كراقصة بملهى ليلي ، واعتقاده الغريب لابنته ” سالي ” كما سماها : ” وجه سالي ملائكي … صحيح أني رأيتها لأول مرة في ملهى الرقص لكن ذلك لم يغير من حبي لها ، فهي قطعة مني وأخطاؤها أخطائي . صحيح أني لم أربها في حجري وأني لم أتمتع بها ابنة … ماتت … لكنها بدأت الآن تولد بداخلي من جديد … ” ص466 .

وإن كانت بداية أولى فصول الرواية ب ” زاف ” كقبلة ومحج لكل راغب بتغيير وجهه في ظروف مريحة ،وتستجيب للشكل الذي يختاره الزبناء ، وخلال وقت وجيز :
” في ثوان قليلة ترتدي وجها جديدا تكون قد اخترته أنت … وجها من تصميم حديث ! ” ص13، وجوه تعيد نضارة الشباب ، وتضفي على مرتاديها ملامح خالية من أمارات الشيخوخة : ” الكل لم يتجاوز الثلاثين من العمر ، والكل في عنفوان شبابه ، وجوه بلا تجاعيد ولا بقع سوداء … ” ص15، ف “زاف ” اكتسح أكبر الشركات والبنوك ، وجنى عمالها أموالا طائلة فغدوا أكثر ثراء وغنى ، وهو ما حذا ب ” نفيسة ” أن تقترح على أختها شريفة الخياطة خياطة أجمل الأجزاء ، وتركيبها لصناعة وجوه جديدة ببصمة عربية أصيلة ، فرفضت شريفة الفكرة في البداية إلا أنها سرعان عادت لقبولها أملا في كسب ثروة عريضة . إلا أن ذلك سرعان ما انقلب إلى مأساة بعد اغتيال شريفة وتصفيتها على يد جنود ” زاف ” : ” شاع الخبر وانتشر على مسمع كل سكان المدينة ، شريفة ماتت مقتولة على أيادي جنود ” زاف ” … ” ص21،
حادث أربك الدكتور عامر الفللر المختص في جراحة التجميل كما أربكته الندوة التي حضرها في طوكيو حول أحدث عمليات جراحة التجميل ، وقد عبر عما قام به من تغيير شكل العديد من النساء من مختلف البلدان العربية بالخصوص : ” كل شفاه السيدات اللاتي عرفتهن غيرتها ووضعت الحشوات في صدور أكثر من أربعين امرأة بين نساء لبنان وتونس والخليج وقضيت هنا وهناك أجمل الفترات وأحلكها … ” ص24، وهو تعبير يضمر ضمنيا نوعا من الندم ، لم يعوضه سوى فرح انتابه حين عوض وجها لسيدة فرنسية جراء عضة من كلبها أتت على نصف وجهها : ” غير أن الفرح الوحيد الذي غمر قلبي كان حين شاركت صديقي الدكتور محمد صالح زراعة وجه للسيدة ” أشلي “الفرنسية بعد أن أكل كلبها نصف وجهها … ” ص24، الشيء الذي دفعه لمقت هذه المهمة وتركها ميمما نحو ضفة أخرى مختلفة ومغايرة .
وبعد التوطئة التي دشنت بها الراوية الفصول الأولى للرواية ، وما نجم عنها من مقتل شريفة الخياطة على يد جنود ” زاف ” ، انتقلت إلى شخصية عامر الطبيب المختص في جراحة التجميل والصحفي ، وما عرفته حياته من تحول نابع عما خلفه اشتغاله ومساهمته في تغيير شفاه النساء ، وصدورهن من أسى وندم في نفسه ليعبر إلى الضفة الأخرى ويحط بأمستردام تحديدا مهتديا بتعليمات معلمه ، فبدأ في الاشتغال بتلميع الأحذية لأشخاص أجانب ؛ منهم متطرفين وعنصريين يكنون الحقد والكراهية للمهاجرين : ” ألمع حذاء قد يكون ركل به سيدة عربية أو طفلا هنديا مهاجرا … ” ص46 ، ثم متسولا بأمستردام ، وما صاحب ذلك من مشاكل وعراقيل ما فتئ يعمل على تحملها ، والتكيف مع وضعه الجديد كمتسول : ” انتهى يومي الثاني من التسول في بلاد الغربة بأحداث موجعة …أخذت قبعتي . كانت أوراق نقدية كثيرة بداخلها ، لملمتها على عجل ووضعتها في جيبي ،اعتمرت قبعتي ومشيت بضع خطوات … ” ص49،
نقود لا يستفيد منه ، ولا يحتفظ بها لنفسه بل يهبها للمتسولين : ” عند أول جسر كانت سيدة كردية تفترش أحزانها وتتسول العابرين سحبت كل ما كان في جيبي وألقيت به في الصندوق المعدني الذي كانت تمسك به ” ص50، وهو تقليد التزم به طيلة مشواره في مهمة التسول بأمستردام ، وتكرر في كثير من الحالات والمواقف مع متسولة روسية كما قال : ” بينما كنت ألملم بعض النقود القليلة ، وأستعد للعودة إذ بي أشاهد روسية تتسول المارة القليلين ، فأسرعت نحوها وسلمتها النقود التي كانت في حوزتي والمطرية التي وضعها أحدهم بجانبي … ” ص347. فشخصية عامر ، التي تتمحور حوله جل أحداث الرواية ومجرياتها ، جمعته علاقات متعددة مع شخوصها عبر تواصل دائم ومستمر مع معلمه ، بشكل فردي أو رفقة مجموعة من الطلبة المريدين ، من خلال نزعة صوفية تحدد له مقامات ومدارج الارتقاء إلى أسمى درجات الصفاء الروحي : ” قال معلمي ذات درس وكنت أجلس قبالته في مجموعة من طلاب الطريق : ” ـ اعلم أيها المريد أعزك الله أن طلب الوصول وصول … تذكر أيها المريد أنك إنسان وأن ذلك هو الأصعب والأبهى ، وأن أعلى درجات السّلّم ليس هي عناق لطينك الأول ولروحك البكر …السلم ليس صعودا إلى عليين فنحن بشر طيننا علو شاهق إذا لامسنا روحه … ” ص44، فصفاء الروح ، وتطهيرها من كل الشوائب والأدران تتطلب اكتساب الرؤيا حسب قول معلمه : ” رغم أن معلمي كان يقول لي إننا حين نعيش صفو الروح نغدو قادرين على الرؤيا … ” ص59، والذي يتيح له أحيانا الرجوع لقلبه قصد إدراك سر بعض الأمور كالدعاء : ” ـ والدعاء يا معلمي ماذا عنه ؟ / ـ سل قلبك أيها المريد ، وقل لي أنت ” ص60، فيظل متبعا لتوجيهات معلمه ، مخلصا لإرشاداته : ” كان علي أن أتبع بالحرف الواحد تعليمات معلمي . ” ص 95 ،
كي لا يزيغ عن الطريق السوي ، ويرتمي في أحضان التوجس والحيرة . فتتوالى تجليات تواصله معه ، والاقتداء بنصائحه وحِكمه التي تتعدد أشكالها ، ومراميها في صِيَغ متنوعة كاختزالها في قوله : ” فقد كان عهدي بيني وبين معلمي أن أعيش الحالات الثلاث ما بين تخلّ وتحلّ وتجلّ. ” ص175 ، أو في تحديد علاقة المتصوف بباقي العلوم ، وما يتوجب عليه من طلب الحكمة ونشدانها من الثبات على اليقين والتمسك بمخرجاته : ” الصوفي الحقيقي لا يخشى العلوم الأخرى ولا مصدرها يقينه ثابت يا عامر والحكمة حالته يطلبها من أقصى الأرض، ويطلبها أكثر من قيعان روحه. ” ص372. ولم يفته توجيهه للاطلاع على مراجع ذات قيمة صوفية ومعرفية لكبار المتصوفة وأساطينها مثل الشيرازي : ” يا عامر لقد آن الأوان لتقرأ الأسفار الأربعة لصدر المتألهين الشيرازي … ” ص387، والسهروردي والحلاج وابن عربي ، بل دعاه أيضا إلى الاطلاع على نظريات علم النفس التحليلي : ” ـ لا يا عامر، عد ليونغ وتتبّعْ مسار حياته ، إنه أيضا من داخل المدرسة النفسية … ” ص376، ثم ما فتئ يقارن بينه وبين ابن عربي في موضوع القلب : ” ـ هذا القلب الذي تحدث عنه ابن عربي هو نفسه اللاوعي الذي ذكره يونغ ” ص376، مما يعكس سعة اطلاعه على علماء الغرب في شتى أنواع العلوم والمعارف ، ولم تكن معرفته مقتصرة على متصوفة العرب فقط .
ومن أهم علاقات عامر تلك التي جمعته في ” إدلب ” بسيدة سماها في البداية ” لفافة بيضاء ” ، أثناء إقامته في بيت خرب خصص للصحفيين : ” ولم يكن من أحد ، فإذا بها تتحرك من سجود إلى إعادة سجود إلى قيام … كانت كومة بيضاء تصلي . ولم أكن قد رأيت في حياتي قط كيف تصلي لفافة قماش ابتهالا لربها . ” ص80، وسرعان ما انقاد نحوها ، فوحدهما الإحساس بالغربة ، وطفق يمعن النظر في وجهها فأثاره حسنه وبهاؤه إلى أنه سرعان ما وقعا في قبضة جنود داعش الذين تعرفوا عليه : ” صاح احدهم : ـ هذا هو الطبيب الصحفي تونسي الأصل عامر ، يبدو أن برفقته زوجته … تلعثمت وهممت بأن أجيبهم بأنها ليست زوجتي وبأني لا أعرف حتى اسمها أو موطنها … ” ص84، فمنحهما شقة يقيمان فيها حتى تنتهي مهمته . فطلبت منه أن يداوي جرحا ينزف في جنبها إثر إصابتها بشظايا قذيفة . وقد أعجب بها عندما نزعت اللحاف الذي كان يلف جسدها كما عبر عن ذلك : ” كانت امرأة مكتملة في أنوثتها وبساطتها وقوتها وضعفها وقلقها وسكينتها . وأجمل ما شدني إليها أنها بقيت تلتحف حياءها … ” ص87 ،
واسترسل في وصف الظروف التي أحاطت بهما : ” ولدنا ليلتها معا … في كومة من الخراب والفوضى تحت قصف دولي لأرض عربية لا يعرف سكانها ، ما ذنبهم وما الذي جرهم لمثل هذه الحروب ، وفي رقعة من الأرض يحكمها دين الدواعش . ” ص88، وافترقا بعد أن أوصله إلى إدلب لتستقل حافلة باتجاه تركي التي تعرف الأوضاع فيها استقرارا فاتحة صفحة من علاقته معها عبر إشارات خفية لحياة قادمة تم إعادة واستكمال فصولها بعد خمس وعشرين سنة ، حيث عادت ليعاينها كراقصة في ملهى ليلي : ” حين كنت أهم بالانصراف كانت الراقصة السمراء قد صعدت إلى الركح لتشرع في تحريك السواكن … شبه كبير بينها وبيني … ” ص391، فينبش في ركام ماض قبل خمس وعشرين سنة : ” خمس وعشرون سنة مضت منذ أن ودعتها في صباح شامي بارد … لا اسم لها في ذاكرتي … ” ص 400 ، إلى أن شب حريق في الملهى الليلي الذي يؤوي ما اعتقد أنها زوجته ، وابنته فهب لإنقاذهما : ” نزعت البطانية من على كتفي وألقيتها عليهما كانت الصبية تصرخ … بينما كانت الأم عاجزة عن الوقوف ، حملتها بين ذراعي … تخطيت كل الحواجز ووضعت قدماي في لهيب الخشب … ” ص408، أصيب إثرها بحروق بليغة نُقِل على إثرها إلى المستشفى حيث قضى أسبوعين ، ونوه الصحفيون بشجاعته ومغامرته لإخماد الحريق الذي شب بالملهى الليلي وإنقاذ حياة بعض من كان بداخله .والغريب اعتقاده أن له زوجة اسمها ملاك ، وابنة تدعى سالي قضتا نحبهما في الحريق : ” أنت من أسميتها ملاكا ، وأنت الذي تخليت عن ملاك بعدما ضاجعتها تحت القنابل وودعتها وسط لهيب الحرائق !” ص 427، أما ابنته المفترضة سالي فقد كانت تشتغل راقصة في ملهى ليلي ، ولا يعلم بمعرفتها عن وجود أبيها أم لا : ” لي ابنة اسمها سالي ، كانت تشتغل راقصة في ملهى ليلي ، لا أعرف إن كانت قبل أن تفارق الحياة قد علمت بوجودي على هذه الأرض أم كانت تظن أنها جاءت للحياة بلا أب …؟ ” ص429.
فإذا كانت أقوى العلاقات وأوسعها على امتداد صفحات الرواية وفصولها هي علاقة عامر بمعلمه وشيخه ، ثم علاقته بزوجته التي اعتقد أن لها منه بنت ؛ والتي انطلقت منذ رحيلها من إدلب نحو تركيا ، بعد أن جمعتهما أوقاتا منفلتة من إهاب الزمن ومحدداته ، ليصل عهده بها في الملهى الليلي بأمستردام الذي اشتعلت به الحرائق فضحى بنفسه لإخمادها ، وإنقاذ المكتوين بلهيبها ، وفي مقدمتهم من اعتقد أنها زوجه وابنته منها ، ليحاط بهالات من التقدير من لدن الصحافة بعد مغادرته المستشفى . تبرز علاقة أخرى جمعته بجماعة ما تحت الجسر ، الذين تقاسم معهم لحظات فرح وحزن ، وتضحية تجسدت في إنقاذه ل ” أوكبي ” أحد أفراد الجماعة بعد أن تعرض للطعن من قبل عنصريين رموه من منحدر الجسر بمساعدة كلبه ” فكرة ” ، إلا أنه لم يفلح في إنقاذه لأن الطعنة التي تعرض لها كانت بليغة فأودت بحياته مما خلف حزنا عميقا في نفسه وباقي أصدقائه من جماعة ما تحت الجسر لما كان يتميز به من حسن الخلق والسلوك : ” كان يسهر على راحة الجميع وكان الأب الحقيقي لبقية أصدقاء ما تحت الجسر . أحيانا يبيت في العراء ويمنح أغطيته لبقية المشردين الذين كانوا يمرون من ذلك المكان . “ص477.
ومن ضمن أهم علاقات عامر علاقته مع قطه ” أتشي ” ، وكلبه ” فكرة ” ، واللذين لازماه كثيرا ، وتوطدت بينهما أواصر علاقة ملؤها الحب والإخلاص والوفاء : ” ها أنا أتسول الآن مرفوقا ب ” أتشي ” و” فكر ” الكلب أجل إنه ” فكرة ” أقصد أني أسميته فكرة ولا أعرف كم سيلازمني ؟ وهل سيصبر معي حتى أنهي أيامي الثلاثين ؟ … ” ص 175، وقد رافقاه في رحلة تسوله وغمراه بكل مشاعر الود والإخلاص . كما أن هناك علاقات كثيرة ،يمكن اعتبارها عابرة، لا تقاس أو تقارن بقوة علاقته بمعلمه ، وبشكل أقل بجماعة ما تحت الجسر ؛ كالتي ربطته ب ” إيناس ” ابنة بلاده : ” وجدت نفسي أمام بيت إيناس بنت بلادي ! استقبلتني بحفاوة أحسست أنه مبالغ فيها فما أنا في نظرها سوى ذلك المتسول الذي نزل بسمعة وطنها إلى أسفل الأسفلين … ” ص344، ولعل ما كان يشوش باله ، ويقلقه هو موت أختها الوحيدة على يد زوجها الذي قتلها خطأ اعتقادا منه أنها زوجته الأولى ( طليقته ) ، وما خلفته وفاتها من عميق حزن وأسى في نفس شقيقتها إيناس : ” ـ اهدئي ، بالله اهدئي سيدة إيناس / ـ كيف أهدأ والنار لم تخمد في صدري ؟… كنت أعرف أن نيرانها لن تنطفئ لعدة سنوات . إنه الفقد بل إنه القتل عمدا … ” ص 356، وتحدث عن علاقته بميم قائلا : ” شيء ما ذكرني بالسيدة ميم ، علاقتي بها كانت أعلى من سماء الدنيا ، فنحن لم نجرب النزول إلى الأرض … ” ص500، متسائلا عن سر ارتباطه بها : ” لا أعرف ما الذي كان يربطني بها ؟ لكنها كانت تعطي لكل شيء في حياتي طعما ولونا وتبث حياة في أنحائي …” ص501.
وقد زخرت الرواية بالعديد من الموضوعات و” التيمات ” مثل ما هو غيبي كتناسخ الأرواح حين سأل أحد المريدين شيخه : ” ـ أتؤمن بتناسخ الأرواح يا معلمي ؟ / ـ لا لكني أراها تأتي من قدامة ما ، ألا يحدث معكم ذلك ؟ تأملوا جيدا واستغرقوا استغراق درويش منقطع عن العالم . كونوا متخففين منكم ودعوها تشف تلك الروح أمامكم …” ص30، فكان رده صوفيا روحيا في دعوة لمجاهدة النفس من أجل بلوغ أعلى مراتب التخلص من المادة ، والتخفيف من أوزارها ، وهو موضوع أُثير، إلى جانب موضوعات أخرى في نقاش دار بين أفراد جماعة ما تحت الجسر : ” بدأ الحديث عن الجنة وعن العدم … وعن انتقال الروح إلى جسد آخر وغيرها … ” ص483.
وموضوع الموت الذي حدده المعلم في قوله : ” رحلة غيب ورحلة شوق أيضا ” ص521، وقد كانت العديد من التجليات ارتبطت بمآسي فظيعة كموت شقيقة إيناس بالخطأ على يد زوجها الذي اعتقد أنها زوجتها الأولى ، ووفاة الحاجة حليمة في مشهد مرعب ومؤلم وهي تمسك وتتمسك بحفيدها : ” يوم أن دفنا ” الحاجة حليمة ” وهي ملتفة حول حفيدها الذي لم يتجاوز الخمس سنوات ، ولم نستطع أن نفتح ذراعيها لننتزع حفيدها من حضنها…” ص 208، إلى غيرها من المواقف المجسدة للموت والتي ارتبطت بالعديد من رجال التصوف الذين كانت لهم مزارات . وموضوع الهجرة التي انساق إليها عامر وإلى أمريكا بداية : ” حين هاجرت إلى أمريكا لأول مرة لم أكن أملك سوى حقيبة جلدية أحملها على ظهري أهدتنيها حبيبتي . ” ص40، مستطردا في تصوير معاناته هناك في بلد رأسمالي متوحش بماض مثقل بالأعطاب والاختلالات التاريخية : ” كانت المدينة تقسو علي كما قست على سكانها الأصليين وتنكرت لهم من قبل ، بل كانت تركلني كلما أويت إلى ركن في شوارعها رغم أني كنت أحمل شهادة جامعية واختصاصا نادرا في ذلك الوقت لم تكن مدينة(North Carolina) تعرف الشهائد ،العلمية ، بل كانت تطلب رصيدا بنكيا محترما … ” ص40، وهي ظاهرة تضاعفت وتضاعف معها الراكبين لغمارها بشتى الطرق ، ولو الغير شرعية منها : ” عدد المهاجرين غير الشرعيين يكبر وتكبر معه آلامهم خلف جدران متآكلة . ” ص177، وما عرفته ، أي الهجرة ، وما تولد عنها من سلوكات عنصرية : ” ألمع حذاء قد يكون ركل به سيدة عربية أو طفلا هنديا مهاجرا !… ” ص46، قد تصل إلى حد التصفية والقتل كما حصل ل ” أوكبي ” الشاعر النرويجي : ” عرفنا أن ” أوكبي ” تعرض للطعن من قبل مستهترين رموه من منحدر الجسر … ” ص473.
والموضوع التاريخي في العديد من الإشارات والإحالات كإحراق مكتبة بغداد على يد المغول بقيادة هولاكو ، ومحارق القيروان التونسية : ” الدخان الذي تصاعد من محارق القيروان وبغداد واحتبسته أجيال قادمة في أعماقها خان مر خانق وعقيم ! “ص267. والعديد من ” تيمات ” وموضوعات أخرى لا يمكن الإحاطة بها في هذه العجالة . وقد تمت الإشارة كذلك ،في الكثير من السياقات ، إلى أعلام وأساطين في مجالات التصوف والعلم والثقافة والفن . ولابد أيضا من التذكير باللغة والأسلوب الذي صيغت به الرواية ، وما عرفه من تنوع بين المجاز كما جاء في قول الروائية : ” يصهل البدر صهيلا موجعا … ” ص91، وما هو مختلف عن المألوف والشائع من صيغ التعبير ك ” سأكتفي بعناق العناق !” ص97، إذ كيف يتم عناق العناق ؟! أو أن يكون لون بلا لون ! ” وربما تميل إلى لون بلا لون . ” ص100. وما له علاقة بعنوان الرواية من عبارات وردت في متنها مثل : ” وأمستردام لا تعبأ بغريب مثلي ، بل لا تعبأ بالمغتربين ، هكذا يقول أصدقائي القاطنين تحت جسرها . ” ص102، وتحديد المفارقة بين القاطنين تحت الجسر ، والمقيمين فوقه : ” وكنت أحس أحيانا أن لا أحد من القاطنين فوق الجسر سيفهم الحياة ما دام لم يجرب الإقامة تحته ” ص105 ، وما تعانيه فئة المهاجرين المقيمين تحت الجسر من قساوة عيش ، وإحساس ممض باغتراب متفاقم مرير : ” في الطريق المقابل أصدقائي تحت الجسر … الأفارقة والهنود والمهاجرون من أقاصي أنحاء الأرض من مغاربها ومشارقها . ” ص146.
وأثيرت كذلك ضمن ثنايا الرواية علاقة الراوي بالكاتبة بأسلوب نقدي يكشف جهلها بأمور تكتب عنها كموضوع التصوف : ” والأغرب من ذلك كله أنها تكتب تفاصيل عوالم التصوف والروحانية ، هي التي لاعلاقة لها بهذا الشطح …” ص435، وتنكرها لراويتها رغم ما أسدته لها من خدمات إبداعية وسردية بالخصوص : ” استغنت عني ، أنا راويتها التي رافقتها في كل ما كتبت من قبل ، وكنت طوع أمرها في كل ما حبّرت وما خطّت !” ص324. في تأكيد وتذكير بقيمة الراوي في العمل الروائي بالخصوص .
وكما أشرنا سابقا فرواية ” تحت جسر أمستردام ” غنية بتعدد سياقاتها ، ووفرة شخوصها وموضوعاتها المتضمنة لتفاصيل لا تخلو من إحالات ، ورموز تستدعي عُدّة من أدوات معرفية وتحليلية لمقاربتها وتفكيك عناصرها و مكوناتها ، وما تنفتح عليه من آفاق موسومة بالغنى والسعة انطلاقا من العنوان بدلالاته التعبيرية والرمزية ، إلى العلاقة القائمة بين ” عامر ” ومعلمه ، وما تحبل به من معاني وأبعاد صوفية بحيث شكّلت ثابتا علائقيا هيمن على مسار الرواية ومجرياتها التي احتوت على علاقات أخرى تقاطعت وتصالبت مع العلاقة المحورية بين عامر ومعلمه .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تحت جسر أمستردام (رواية ) أمينة زريق .
ــ الأمينة للنشر والتوزيع القيروان ـ تونس 2025.




















































عذراً التعليقات مغلقة