عبدالحميد جماهري
إعلامي ومحلل سياسي من المغرب
ما هي الآفاق المفتوحة للمغرب وحلفائه؟
ما هي أوراق خصومه والدول المترددة؟
ماذا عن الحكم الذاتي ومصيره؟
لم يعتبر بلاغ الديوان الملكي إنهاء مهام المينورسو، في حد ذاته، «طيا للملف»، بل اعتبره خطوة في الطريق إلى هذا الأفق.
وعليه، يجب أن نطرح السؤال: كيف يجب أن نحول نهاية المينورسو إلى أفق لنهاية الملف؟
وقبل تدقيق الجواب، لا بد لنا أولا، من قراءة أخرى غير القراءة الذاتية للملف، واحتفاليتها واكتفائها بذاتها، باعتبار أن المغرب يعتبر بأن هناك حياة بعد المينورسو، وأنه يمكن لبلادنا أن تؤمن صحراءها بدون المينورسو وأن الوضع الطبيعي والعادي في الصحراء هو صحراء بدون مينورسو.
ومع ذلك، لا بد إذن من قراءة عدم التمديد في موضوعيته:
30 تشرين الأول/ أكتوبر أنهى توافقا غير منتج في الملف، وأوضح أن هذا التوافق لم يعد قاعدة مقتسمة بين أعضاء مجلس الأمن، وأن مجلس الأمن وضع الخلافات بين أعضاء هذا المجلس، طوال 35 سنة، تحت غطاء سميك من التوافقات التي تظل شكلية ولا تطرح عمق الملف، أي الحل السياسي النهائي، وعليه، تمت التضحية بالمبنى على حساب المعنى، أو الشكل على حساب المضمون.
30 تشرين الأول/ أكتوبر أفرز لنا حقائق عن الطبيعة التي أصبحت عليها المينورسو، لقد تم إنشاؤها بعد أن صوت مجلس الأمن الدولي بالإجماع على «إنشاء بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية » بموجب القرار رقم 690 الصادر في 29 نيسان/ أبريل 1991، ودخلت حيز التنفيذ في 6 أيلول/ شتنبر. هذا التوافق الدولي حول قرار الإنشاء لم يحصل في إنهاء المهمة.
لا أمريكا حصلت على قرار يعلن حصرية الحكم الذاتي ولا روسيا حققت إجماعا على مقترح التمديد الآلي. هناك جدلية للفشل المزدوج مع ما يعنيه من فوارق (لا قياس مع وجود الفارق كما يقول الفقهاء).
– أولا: تبين أن 11 من أصل 15 كانوا مع مقترح الولايات المتحدة، وهو ما يعني أن ميزان القوة داخل المجلس كان لفائدة المقترح الأمريكي، لكن القوة واتساع التأييد لم يقابلهما تبني القرار بسبب الفيتو…
– ثانيا: كما أن القطيعة التي نحتفل بها لا تعني أنها حل، أو هي جوهر الحل.. بل إن الذي سيملأ ما بعد القطيعة هو الذي يملك القدرة على تنظيم ما بعدها…
الفيتو الروسي وما بعده:
الفيتو الروسي لم يحصل على الحد الأدنى من الأصوات، وهو ما يعني أن الإجماع الذي كان قد حصل في تأسيس المينورسو لم يعد قائما، وأن القرار الرسمي لم يستطع أن يحصل على الاحتضان المطلوب لقرار التمديد.
والخلاصة الأولى هي: إنهاء التوافق حول المينورسو، ونهاية نوع من التبني الميكانيكي لهذه الآلية الأممية.
وهو من جانب آخر قد فتح بابا أمام نوع من الترقب المشروع، الذي يصل أحيانا إلى الحيرة.
وكان السؤال على المستوى الدولي يفيد بأن الخروج من نوع «الاستقرار» الشكلي يجعل جدول التطور متوقعا بدرجة كبيرة، إذ كان يستتبعه نوع من الشعور بالاستقرار، بالرغم من كلفة جمود المسلسل.
المغرب خرج من ذلك كاسبا: مقترحه حجة سياسية كفيلة بأن تكون في ما يأتي من الأيام ورقة قوة في مرافعاته.
هناك ثلاثة أزمنة لقرار نهاية التمديد: التمديد، ثم بعد عدم التمديد، تحين لحظة التصفية الإدارية التي تم إعلانها رسميا من طرف الأمانة العامة للأمم المتحدة. وقد بدأ العمل المغربي الأممي المشترك في هذا الباب، بل كشف عمر هلال أن الاتصالات تمت ليلة الجمعة-السبت 30-31 تشرين الأول/ أكتوبر بين مركز الأمم المتحدة في نيويورك وبين المينورسو في العيون.
وتم التأكيد على إنهاء المهام في ظروف إنسانية ونظامية، بدون فوضى أو مخاوف كما تم في حالات أخرى.
وأما المرحلة التالية والثالثة، فتتعلق بمعالجة الملف ومواصلتها عبر المؤسسات الدولية.
ومنها الإبقاء على التواصل مع الأمم المتحدة، وتقدير المعلومات بخصوص الوضع في الصحراء، والحماية من وقوع حوادث ما…
محاذير لابد
من استحضارها..
التنبيه الأول: اللحظة المنتظرة، بعد نهاية التوافق حول الجمود، تطرح سؤالا إجباريا: ما الذي يجب عمله للحفاظ عليه أو تغييره؟ والانتقال من النقاش حول الجانب الإجرائي إلى مناقشة المضمون، وهو ما يزيد من مسؤوليتنا ومسؤولية أنصارنا في تجاوز الوضع السابق. كيف سيعمل المغرب من أجل تحويل ميزان القوة الذي مال لصالحه إلى نتيجة مؤسساتية ودبلوماسية؟ ومضمونها إعادة نظر عميقة وجدية في معالجة الملف، ودون السقوط في الشعور بأن كل الشروط المؤسساتية داخل الأمم المتحدة صارت مضمونة ومكتسبة مسبقا!
التنبيه الثاني: لا بد من الحفاظ على الزخم الدولي الداعم لنا، وميزان القوة الذي ظهر سواء في التصويت أو خارج التصويت؛ وهو ما اعتبره بلاغ الديوان الملكي محسوما من حيث ما مضى، أي ثلثا الدول معنا.
ولا بد، إلى جانب ذلك، أن يظل الدعم المتناغم والمنسجم للدول التي معنا قائما، والحفاظ عليه.
وهو ما يقتضي مواصلة نفس المجهود الدبلوماسي من قبل ومن بعد، ويقتضي كذلك مواصلة العمل مع الدول ثنائيا وإقليميا، تماما كما فعلنا بعد ترصيد المساندة الدولية للقرار 2797 (الاتحاد الأوروبي، كندا، دول إسكندنافيا، ودول من أمريكا اللاتينية).
وعلينا أن نستحضر في أذهاننا أن المغرب مطالب بتحويل دعم العالم لتوجهات عامة إلى دعم لما يلتزم به في كل مرحلة من مراحل ما بعد المينورسو في طريق الحكم الذاتي.
وهنا يبرز عامل الزمن وخطورته، بحيث يمكن للحلفاء أن يظلوا متجانسين في المبدأ العام، ويتفكك التناغم عند الإجراءات…
تدقيق مستويات الدعم: مَن يدعم مفاوضات الحكم الذاتي؟ ومَن يدعم مرحلة انتقال البعثة الأممية؟ ومن يقف في الضمانات التي قدمها المغرب أو مع المغرب؟ وتقديم المبادرات الثنائية، والدعم للمضمون الاقتصادي للسيادة.
بالنسبة لحلفائنا، بعضهم لا يمكنه أن يتخلى عن دور له في ما بعد، وعليه لا يمكن فهم الدعم قبل انسحاب المينورسو كما هو بعده، وبالتالي الانخراط اللامشروط في ما تريده بلادنا.
التنبيه الأهم: استمرار الدعم الأمريكي على نفس الدرجة، وتغذيته والمحافظة عليه، وأن تبقى الصحراء أولوية الخارجية الأمريكية…
ولعل التدبير المباشر للتصويت في 30 تشرين الأول/ أكتوبر يعطي معنى إيجابيا عن هذا الالتزام الأمريكي إزاء المغرب.
ماذا عن الحكم الذاتي ؟
يستسهل الكثيرون، بل يدعو البعض إلى ضرورة إعلان التخلص من الحكم الذاتي، وهذا خطأ كبير.
الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هو الذي ساعد على كسر «التمديد الآلي للمينورسو»، وتحويلها إلى وصاية دولية.
والمطلوب الجواب على السؤال السياسي: أي حل يمكن أن يحظى بأوسع دعم دولي؟
والحكم الذاتي هو الذي كان موضوع الدعم الدولي، وليس السيادة المغربية لوحدها وفي ذاتها.
ولعل المضامين الاقتصادية والإنسانية فيه إجبارية للتقدم على الجبهة السياسية للحل…
والحكم الذاتي هو الذي كان التنصيص عليه حصريا موضوع خلاف، وموضوع الفيتو الروسي (تحليل الفيتو وأدوار روسيا من بعد تستحق قراءة خاصة)..
لعل الذي يُطلب منا في المرحلة القادمة يقوم أيضا على الحكم الذاتي، كجزء من الهندسة السياسية البديلة التي سيقدمها المغرب في تدبير المرحلة الانتقالية والتحرك في كل تفاصيلها.
ولعل جزءا من المحددات (Paramètres) التي تكلم عنها ناصر بوريطة في برنامج «دوزيم»، يكمن بالفعل في مواصلة الهجوم الدبلوماسي على قاعدة مقترحات قوية ذات مقروئية:
منها، صلاحيات المؤسسات النابعة من الحكم الذاتي، والتمثيلية الخاصة بالمواطنين الصحراويين الوحدويين، وحقوق الساكنة في الصحراء، والضمانات المؤسساتية للمسلسل برمته، مع توضيح طبيعة المصاحبة الدولية. مادام الملف ما زال تحت مظلة الأمم المتحدة، وهو نقطة ركز عليها بوريطة في نفس اللقاء.
كيف يشتغل
المغرب من بعد؟
هناك أسئلة تتجاوز إيماننا العميق بمغربية الصحراء، وهي أسئلة ذات ارتباط بماذا بعد: أيُّ قرارات يجب أن ننتظر؟ وما هي الهيئات الدولية أو الإطار الدولي الذي ستُتخذ فيه هذه القرارات؟ وما هي الطريق والسبل والإجراءات والمقتضيات العملية لذلك؟
وكيف يشتغل المغرب على المرحلة الانتقالية: من وضع القطيعة إلى وضع الحل السياسي؟ ومن ذهاب المينورسو إلى نقاش جديد؟ ومن الوضع الحالي إلى مغرب الحكم الذاتي؟
القضية تنتقل من موعد دولي سنوي إلى مسؤولية في إنجاح الانتقال: ما هو جدول الأعمال؟ وما هي الأجندة الزمنية؟ وما هي الضمانات في تفعيل الهامش الذي أصبح عندنا مع ضمان النتيجة الإيجابية؟
وله في ذلك أوراق متكاملة: ثبات مواقفه ومقترحه، والالتزام الكبير الداعم له، والمضامين الاقتصادية والتنموية التي يحققها للحكم الذاتي ميدانيا… مع الاستحضار القبلي بأن «المرحلة الانتقالية المُحكَمة التنظيم، في حال غياب أفقٍ للتسوية، قد تفضي إلى خلق حالةٍ جديدة من الانتظار».
سيناريوهان:
-الوساطة، وتحديد قنوات هذه الوساطة ومسؤولية أصحابها…
– المعالجة الدولية، وتحديد قرارات كل كيان أممي (اللجنة الرابعة، ماذا سنقدم لها؟)…
ماذا يمكن أن تفعل الجزائر والبوليساريو؟
لم نطرح ماذا يمكن لروسيا والجزائر والبوليساريو القيام به، فكما فُتحت للمغرب نافذة، فقد يُفتح ثقب للآخرين، حتى وإن كان الفشل في الحفاظ على المينورسو قد أضعفهم قليلا.
سينتقل مركز الثقل في الملف من إطار إلى إطار، تسعى من ورائه الجزائر إلى التعطيل من داخل الإطار الجديد. أي العمل من أجل أن يتمطط الفارق الزمني بين نهاية المينورسو وبروز بديل سياسي له مصداقية، وتطول المدة..
هذا الاحتمال يسمح بدوره بأن تنقل الأطراف الملف إلى هيئات وكيانات دولية أخرى، أو التشكيك في ظروف القرار وظروف الانسحاب الأممي، وتحويل هذا الشك إلى نقطة دائمة في النقاش الأممي. ولعل اجتماع 10 تشرين الثاني/ نونبر القادم سيعطينا نظرة عما يمكن فعله، وسيشكل توجهات روسيا بخصوص تفسير الفيتو، ويكشف بالمقابل مرافعات الآخرين…
لا شك كذلك أن الجزائر التي انغمست وجوديا في هذا الملف لن تظل مكتوفة الأيدي، وعليه فإن أحد المخاطر المجهولة حاليا هو المبادرات الجزائرية الممكنة، والتي تقدمها رسميا، وما يمكن أن تحصل عليه من دعم ومساندة… ويمكن ان ننتظر منها كل شيء.. حسب موازين القوة الجديدة، بناء على قدرتها في بناء تحالفات لصالح أطروحتها، واقتراح مسار بديل!
الواقعية الوطنية تفرض وضع كل السيناريوهات:
ما يملكه الخصوم لا يمكن الاستهانة به:
– عدم تبني القرار يطرح ظلالا مشروعة، لأن قرار الأغلبية السياسية داخل مجلس الأمن ليست له نفس الحمولة القانونية لقرار مجلس الأمن..
– هناك كذلك التوجس من فراغ تفاوضي قد يعطل حركية الوصول إلى الحل. وكما قلنا أعلاه، يمكن أن يفتح غياب الإطار الواحد بابا لتعدد المبادرات في الكيانات الأممية والإقليمية والجهوية والقارية.. إلخ.
مقال خاص لصحيفة قريش – لندن



















































