نقد ثقافي و تحليل سيكولوجي لرواية “كبرياء و هوى”
ـ إليزابيث و مستر دارسي نموذجا ـ
فاطمة الخراز

شاعرة وكاتبة من تطوان ـ المغرب
الملخص
تصنف رواية كبرياء وهوى، للكاتبة الإنجليزية جين أوستن Jin Austin من بين روائع الأدب العالمي؛ لما أبدته من تأثير عظيم على القارئ في كل أنحاء العالم، وذلك في مطلع القرن التاسع عشر، قرن الغليان الحضاري، وبوادر القطيعة مع كل ما كلاسيكي ومتخلف.
في الحقيقة كانت الرواية كنافذة شرعتها الكاتبة، ليطل عليها كل الناس، ويلقون نظرة فاحصة على عينة من المجتمع الفكتوري، كيف كان يعيش ووكيفكان يفكر، فرصة قلما تتاح للإنسان الفوز بها وخصوصا في الأوساط الحديثة الغربية. في هذا البحث، تم تسليط الضوء على بطلا القصة، وهما إليزابيث والسيد دارسي، لما يتميزان به تشابه في الطباع رغم اختلاف بيئتهما. إنها قصة عشق نمت في غفلة من كلا الشخصيتين، عشق ترعرع في كنف الكبرياء، وقمع الصمت، وصراع الثقافة التقليدية والقوانين الوهمية التي شرعتها المجتمعات القاسية على أبناء الشعب من كل الطبقات. هذه الآلام اللامرءية، تجعل الإنسان يعيش في أزمات نفسية، وعراك داخلي يتأرجح حسب “الميزان الفرويدي”، ما بين الأنا التي تسعى للحرية والانعتاق من كل ما يقيد سعادة الفرد، وبين الأنا العليا، أو السلطة العليا للمجتمع التي تمثل القيود وتغذي هذا الكبرياء. من ناحية أخرى كيف نظر النقد النسوي، من زاوية الفيلسوفة هيلين سكسوس إلى خطاب أوستن؟ وما هو المضمر بين طيات كتابها؟
الحياة الأسرية لإليزابيث:
سلطت جين المنظار على الحياة اليومية المعاشة في الطبقة المتوسطة ماديا، و التي كانت تنتمي إليها، كذلك على الطبقة البرجوازية الميسورة الحال.
كان مصير الفتيات بالغالب هو الزواج! لأنهن بكل بساطة لا يشتغلن، والعمل خارج المنزل يعد معيبا ويسيء لسمعة المرأة. بالتالي فهن يجدن الأعمال المنزلية وبعض الفنون، بما فيها الرسم و الغناء، والعزف، والرقص، وغيرها. أما الدراسة فكانت تلقن في البيوت، فيقضين حياتهن في انتظار شاب ثري يكون من نصيب إحداهن، وليكون منقذا لهن من تقلبات الدهر. إليزابيث، البطلة التي نحن في صدد تحليل شخصيتها، والتقرب إليها، كانت الثانية من بين أخواتها الخمسة، القريبة لأبيها، الوحيدة التي ورثت عنه شغف قراءة الكتب وحب المعرفة، كان عيبها، التسرع في استباق الأحكام على الآخرين، والاندفاع والتهور في ردود أفعالها. كانت عكس أخواتها بحيث تعاند أمها، ولا تجاربها في أفكارها التي لا تتمحور إلا على مشروع الزواج المربح، والهاجس المسيطر على الجو العام في الأسرة، أن من الضروري أن ترتبط البنات بشاب عازب وميسور الحال. لتدفع بهن في كل فرصة سانحة لذلك. ستلتقي إليزابيث بشاب ثري وستبدأ قصة عشق بينهما من نوع مختلف، عكس بنات جيلها، اللواتي يتقن للرومانسية والغزل، ستكون بطلتنا تخوض معارك من الظنون والشكوك، وعواصف من مشاعر تطفو على السطح تارة، و تارة أخرى تغرق في غياهب نفسها.
مستر دارسي:
شاب عشريني من عائلة ميسورة أرستقراطية، توفيا والداه وتركاه يدير شؤون أملاكه التي ورثها، لديه أخت وحيدة يرعاها، ويحاول تعويضها حنان الأب قدر المستطاع. في حفلة ساهرة التقى بفتاته العنيدة، أعجب بها من أول وهلة؛ لكن تركيبة شخصيته العنيدة أيضا، لم تتنازل عن الاعتراف المباشر بهذا الانجذاب، كان وقتها برفقة صديقه السيد بينكلي، سيصبح لاحقا زوج أختها الكبرى جين، كان في بادئ الأمر، قد منعه من الزواج بها، كان شائعا وقتها النصيحة بين الأهل
والأصدقاء، وكان المبرر في ذلك، أن جين لا تبادله أي مشاعر، وهذا سببا كافيا لأن ينشب صراع خفي، بين السيد دارسي وإليزابيث وعائلتها.
موقع الرواية في سياق عصرها:
الرواية بالنسبة لجين أوستن، كانت بمثابة انتصار كبير للكتابة النسائية في عصرها، نصرا بامتياز، وخصوصا في هذه المرحلة التي كانت تعج بالكتابة الذكورية، أمثال (تشارلز ديكنز وشكسبير وفولتير وغيرهم من عظماء قرن الأنوار) تظل أوستن بين هؤلاء، أيقونة رموز الكتابات النسائية، الأكثر شهرة في عالم الرواية الأدبية الرومانسية. كونها تسللت إلى كل بيت إنجليزي وأوروبي و عالمي. وأخذت بلب المجتمع البريطاني بصفة خاصة.
لقد جاءت الكاتبة، بعينة صغيرة من محيطها، وبدأت تحيك خيوط العلاقات واحدة تلو الأخرى، لتتحول في الفصل الأخير، تلك الأسرة الصغيرة، إلى عائلة كبيرة، تضم أشخاصا جدد، تداخلت حياتهم ببعض برابط الحب والزواج والصداقة، وربما البغض والأنانية، والتحمت الطبقة المتوسطة بالطبقة الثرية. هذا الحبك السردي، لا يتقن تطريز تفاصيل إلا روح الأنثى العارفة بمجاهل الحروف وفواصل الكلمات. مجتمع أوستن الصغير، تزاحمت فيه المشاعر الإنسانية، مع بزوغ العالم الحضاري الاجتماعي، الذي ينص على الالتزام، وإبراز مهمة العقل، على حساب قهر القلب وقمع المشاعر.
ـ عنوان الرواية Pride and Prejudice : النص المحكم، الذي صاغته الكاتبة، وتفاعل الجمهور العالمي من القراء معه، جعل من العنوان يجذب القارئ إليه، من الراجح أن تكون من الكتاب، الذين تجذب أعمالهم من خلال عناوينها، والعنوان مكون من كلمتين تبدوان متناقضتين ومثيرتان للاهتمام.
ـ كبرياء: يتصف بها كل إنسان يشعر بالاعتزاز في معاملته مع الآخرين، والكبرياء جاء في هذه الرواية، يسلك مسلمين مختلفتين، وهو مسلك الفتاة التي ترعرعت وشبت في طبقة متوسطة، القليلة التجارب، والمنتقدة لأمها و إخوتها على ضعف بصيرتهن. مسلك الشاب الذي تربى في كنف المسؤولية و الأنانية، و الزهو بالنفس، بالإضافة إلى قيمة السلطة و المال، ناهيك على الأخلاق الراقية في وسط بيئته.
ـ هوى: الهوى هنا جاء في سياق الكلام عن العشق و الهيام، أي استعباد في التعلق و العشق، و هو أسمى مشاعر الإنسان، مغروس في الكينونة البشرية، كالطفل المشاغب الذي يأبى أن يكبر، و لا يعترف بأي ضوابط مجتمعية، لأنه يكره الضغط و الإذلال و القمع و القيود النفسية، تجده يطفو للسطح كلما انهارت النفس، و تصعدت الأحداث، ليدافع عن وجوده، و يفرض سلطته العاطفية النابعة من القلب الروح بين الطرفين؛ فالعقل مهما قاوم إحساس القلب، ولا بد أن يعترف بالهزيمة أمام المشاعر و طوفان الهوى.
موقف النقد النسوي من الرواية من زاوية الفيلسوفة هيلين سيكسوس Hélène Sexous:
تعد الفيلسوفة و الكاتبة الفرنسية الجزائرية 1937، صاحبة مقالة (ضحكة ميدوسا1) الشهيرةThe Lauth of the Meduse، ومن أبرز المؤثرين على كتاباتها (جاك دريدا، وسيغموند فرويد، وجاك لاكان، و آرثر رامبو)، تدعو في طرحها المرأة إلى التحررعبر الكتابة، والتعبير عن مكنونات ذاتها. في مفهوم الكتابة النسوية، وتحرير “اللغة” التي تعيد الاعتبار للجسد، و سيكسوس تنتمي إلى التيار النسوي المادي الفرنسي، فاللغة المحملة بالإديولوجية الذكورية والمثقلة بالمظاهرالدونية اتجاه المرأة، من وجهة نظر هذا الاتجاه النفسي، الذي تمثله سيكسوس، جعلت من هذه الإيديولوجية وسيلة للدفاع و التحرر من الهيمنة الذكورية. من هذا المنطلق، جائت دعوتها إلى تحقيق؛ ما سمته بالكتابة النسوية l’écriture féminine التي تعيد الاعتبار لجسد المرأة بوصفه رمزا للحرية، و مصدرا للحياة، و ليس كما تعتبره الثنائيات الذكورية التي تحتقر المرأة، في سياق الرواية و الرجوع إليها، كانت أوستن من زاوية أو أخرى، كانت لغة الجسد في سردها، لا يتجاوز قياس الفساتين، أو المرض، عندما مرضت أختها، و مرض ابنة عمة مستر دارسي، وهي لم تعر أي اهتمام لوصف دقيق لوجوه الأشخاص بالرواية، و تحاشت الخوض في هذا الشأن، لربما كانت هذه الحقبة، تعتبر وصف الجسد شيئا معابا و مبتذلا، لكن من خلال التدقيق في الصور و الأزياء في الرواية، نجد أن سيدات المجتمع الراقي يبرزن صدورهن في الحفلات الراقصة، و هي رموز تدلل بها المرأة على البشرة الشابة، و بذخ العيش، و رفاهية الحياة التي تتمتع بها صاحبة الفستان. يظل السؤال المطروح : لماذا قيدت الكاتبة قلمها، و لم تصف أجساد النساء، و اكتفت فقط بكلمة “جميلة” و “جميلة جدا” ؟
هل تكون قد خالفت شروط السرد، بجعل الشخصيات مجهولي الأوصاف الفيزيزلزجية؟ أم كانت متعمدة هذا الغموض؟ كي تتلاعب بمخيلة القارئ وتترك له رسم الأجساد بمفرده، وبذوق ملكة عقله؟ لتمثل الشخصية الواحدة في الرواية، ملايين الأشخاص في الذاكرة! هكذا تتدفق سيل من الأسئلة، وتترك الكاتبة هذا اللغز لكل من يتصفح فصول الرواية الواحدة والستون كاملة. بهذا الأسلوب تكون الكاتبة قد تنازلت عن بند مهم، من البنود المهمة في قوانين سيكسوس في شروط الكتابة النسائية، في مذهب النقد النسوي.
مفهوم النقد النسوي:
هذا المذهب خرج من رحم المعاناة الفئة المهشمة، و الإحساس بالسيطرة الذكورية على الساحة الثقافية، خصوصا في ما يخص الكتابات التي تسعى لتهميش الأعمال الأدبية النسائية. و ترفض إفصاحهن عما يخالج نفوسهن من الرافضة لهذه الفوارق بين الجنسين.
تعريف غربي:
يعرف الإعلامي الأمريكي آرثر إيزا برجر: Arthur Isa Berger النقد النسوي، أنه نقد ظهر في ثمانينيات القرن الماضي، و هو شكل من أشكال النقد2، يركز على المسائل النسوية، منهج يتناول التحليل الثقافي للنصوص بصفة عامة، يشتغل على الجندر Gender و تعني الجنوسة، أي التذكير\التأنيث، قامت دراسات نقدية في شكل في تشكل المرأة و المقارنة بين أعداد النساء و الرجال فيما يخص عدد النصوص الدرامية المعروضة في وسائل الإعلام، و النظرة الذكورية لهذه النصوص، و كيف قدمت المرأة في القيم و المعتقدات الموجهة لها في الروايات و المسلسلات، في النصوص الأدبية منها:
■ دور المرأة في الحياة اليومية من خلال النصوص.
■ استغلالها جنسيا.
■ سيطرة الرجل في العمل و الجنس.
■ وعي النساء بحياتهن.
تعريف عربي:
ظهر المذهب النسوي من صلب الحداثة، حيث شكلت قيمها ودعامتها3، وأن جميع الحركات التاريخانية لهذا المذهب، و تاريخ المرأة الذي كان يتعلق بالحركة النسائية، يتناول أفكارا ونظريات تشملها ، و نقاد النقد النسوي يقومون ببحث مداخل وموضوعات تخص المعرفة النسوية ( نسوية الثقافة، و الآداب، و الفنون النسوية، العلم، الأيكولوجية و البيئة، نسوية ما بعد الحداثة، نسوية ما بعد الاستعمار، النسوية النفسية، النسوية الاشتراكية، و الزنجية..).
النقد\ الخطابي النسوي اليوم، هو الرؤية الرئيسية4 في المجتمع الغربي المعاصر، يلاحظ أن هذه الفلسفات المختلفة و الإيديولوجيات الكثيرة في النسويات، و الجماعات تشترك في نقدها، و معارضتها للتعصب الديني، و اللغوي والعرقي، ومناهضتها للاستعمار و الحرب و السلاح، و محاربتها للفقر والمرض والأمية، ومناصرتها شؤون الأسرة و الطفل و الحفاظ على البيئة. كثيرا ما ينظر إلى تاريخ المرأة باحتقار و تعالي؛ فإن العلاقة بين تاريخ المرأة و تاريخ الحركة النسائية، منذ الثلث الأخير من القرن العشرين، لغاية يومنا هذا، يتسم بالقوة.
المهم في النسوية الجديدة هو التيار الجديد(الراديكالي) الثقافي و الحضاري، الذي يتسم بطابع أكاديمي رزين، بأن فرضت نفسها على برامج الدراسة، في إطار أعمق و أشمل، من مجرد المطالبة بالمساواة مع الرجال.
ماذا يقول التحليل النفسي على شخصية كلا بطلي الرواية :
1 ـ الكلمة :
كانت الكلمة في أصلها تعد من مكونات السحر5، و لا زالت ليومنا هذا تحتفظ بسمات قوتها الغامضة القديمة. فالكلمة يستطيع المرء أن يسعد نظيره أو يشقيه. وعندما قال مستر دارسي لإليزابيث، أنتي لست من مستواي الاجتماعي وجمالك متواضع، كان قد أشقاها بهذا الكلام الجارح.
2 ـ الأحكام المسبقة:
لقد استبقت الحكم إليزابيث على مستر دارسي، حين اتهمته بالعجرفة و التكبر و نستحضر كلام فرويد، أن هناك حكمان يثيران سخط الناس6، حكم مسبق فكري، و حكم مسبق أخلاقي أو جمالي. لنحاذر للاستهانة بهذه الأحكام! فهي على جانب من القوة و يخلق عنها تطور البشرية؛ لانها ترتكز على قوى وجدانية و الوقوف ضدها صعب و شاق.
3 ـ التضحية و الغريزة الجنسية:
كانت بطلتنا من بين الفتيات المثقفات، الأكثر ذكاءًا و الأكثر جرأة في اتخاذ القرارات، و الدفاع عن كبرياءها و تحدي كل من يحاول إهانة كرامتها، و يشين بوضعية أهلها، حسب التحليل الفرويدي، يؤكد أن الميول الجنسية عينها تساهم في نوع من الإبداع البشري في ميادين الثقافة، و الفن و الحياة الاجتماعية، من المعتقد أن الثقافة قد أبدعت تحت الضرورات الحيوية، و على حساب بنية الغرائز7، فكل فرد يرى النور في المجتمع البشري، الذي يكرر تضحياته بغرائز لصالح الكل، أي أن هذه الغرائز الجنسية، تتحول من هدفها إلى الأصلي، لتوجهه نحو أهداف اجتماعية مخالفة لطبيعتها، و الكل يروضها لأجل البناء الثقافي يكون هدفا لتمرد غرائزه على هذا الكبت، و هذا ما رأيناه أيضا لدى مستر دارسي الشاب الناجح، و الرجل المرموق اللامع، الذي حافظ على ثروة أبيه من الضياع، و حقق أملاكا أخرى و سعى لمساعدة الآخرين، لكنه في لحظة ثار على هذا التمثال الذي حرمه البوح بعشقه لحبيبته، و انهار في لحظة ليطلبها للزواج معترفا بحبه و هواه إياها، رغم صدها له و رفضها طلبه.
4 ـ تربية المجتمع :
لا يرى المجتمع أخطر على “تهديد8 لحضارته، من انعتاق الغرائز الجنسية وعودتها إلى أهدافها الأولية، لذلك لا يطيب للمجتمع أن يذكره أحد بهذا الجانب الحساس من الأسس التي يقوم عليها وجوده؛ لذلك فهو يرى أن لا مصلحة له بالاعتراف بهذه الغرائز، و يعكس ذلك في التربية، و صرف الانتباه عنها، هذا ما جعل المجتمع لا يطيق التحليل النفسي.
بالرجوع إلى تلك الضوابط التي كانت تحكم تربية إليزابيث، و جعلتها متفردة عن الأخريات من بنات عمرها، في ملاحقة الشبان و الضباط في المراقص و المناسبات. و كيف كانت تعارض أمها و تنتقد أخواتها، و كيف منعت اختها الصغرى ليديا، من السفر مع رجل غريب، و تخلق التوتر كلما اختلت بمستر دارسي، فهل كانت تنزع إلى المثالية من خلال ثقافتها التي شربتها التربية التي قدمتها لها الكتب، و في الأوساط الراقية من المجتمع؟ جعلتها تنكر ذاتها و إنكار رغباتها، مختفية بالعقل و الفكر؟ !
5 ـ سرعة البديهة :
تعمدت الكاتبة تظليل القارئ مرة أخرى، و تشويقه في متابعة الرواية فصلا فصلا، والإطالة في قصر “الإدراك” من قبل البطل، بعبارة أخرى جعلته (بليدا)، و هو سيد المجتمع و يعرف خبايا النساء، كيف له ألا يدرك نظرات و سلوكات إليزابيث من خلال نبرات صوتها، وأنها تبادله العشق والإعجاب؛ لولا كبرياء الأنثى بداخلها؟ في هذا الباب، نجد التحليل النفسي ينبه الشباب و يقول :” أيها الشباب9، وهل تنتظرون تصريحا سافرا، من جانب فتاة، بمبادرة منها؟ ألا تكتفون بنظرة خاطفة، أو بإيماءة عابرة؟
هنا نجيب على هذا القول، بأن كبرياء الرجل الثري الارستقراطي، كان حاجزا، يمنع دارسي من التقرب إلى إليزابيث، و الإقرار بعشق فتاة ليست من مستوى طبقته، فقام بتجاهل تام و بارد، لمشاعرها؛ ما جعل احتدام الخصومة يزداد، و يزيد معها عمق الهوة بينهما، بسبب الصمت و الإلغاز في الكلام، و عدم الوضوح، ما شق عليها فهمه و تفسيره، تصرفاته التي قالت عنها، أنها غير إنسانية، و غير لائقة برجل يبدو مهذبا و محترما.
6 ـ الهفوات :
في كتاب (علم نفس أمراض الحياة اليومية) الذي طبع بالألمانية سنة 1901 ضرب فيه فرويد أمثلة درسها فيما يخص الهفوات10، لما لها من معان، تصل إلى درجة الوضوح و الجلاء بحيث لا يغيب عن أشد العقول بلادة. كما تتبعنا في الرواية، كانت هفوات إليزابيث كثيرة تنم عن ميولها نحو السيد دارسي، عندما رفضت الزواج من ابن عمها، و عندما ذهبت لبيته (المتحف) مع عائلتها، كذلك في ربط صداقة مع أخته جورجينا، هفوات صغيرة لكنها كانت بدافع الاهتمام و التحامل على نفسها.
من ناحية أخرى، كيف كان دارسي يأتي لسماع عزفها على البيانو، و يتحجج بزيارة عمته حين يعرف أن إليزابيث في ضيافتها.
البطلان في الميزان الفرويدي :
1 ـ ميزان الأنا العليا :
لقد نزلت كفة الأنا العليا؛ لكلا البطلين في الرواية، من ناحية كبرياء الأنثى، فقد جعلت الكاتبة أوستن من البطلة “مثالا” للفتاة المثقفة، العقلانية، التي لا تنساق وراء إغراء الشبان الأثرياء، مهما بلغت نسبة جاذبيتهم و ثرائهم، فهي فتاة أبيها منذ صغرها، و كانت محط اهتمامه و استشاراته في كل شيء، و يثق بقدرات ذكاءها و حذقها في حل مشاكل الأسرة، و هذا يتضح في تقرير مصير أخواتها.
من هذه الناحية، يقول فرويد أن مهما بلغت قدرة الإنسان خلق على مقاومة آثار التفاعلات الأولى التي تكون في أيام الطفولة، هي التي ستطبع في خصاله بصفة عامة، و ستبقى ملازمة له في كبره.
هذا يعود بنا إلى نشأة الأنا المثالي11. إذ أن وراءه يكمن أول و أهم التقمصات جميعها. ألا و هو تقمص دور الأب12 بالمقابل نجد السيد دارسي كيف تشبه بشخصية أبيه الذي أوكل إليه تسيير ممتلكاته و العناية بكل أهله و معارفه، فما أن كان سوى ذاك الشاب الوقور و الكتوم، يسدي النصائح، و يرفض الرذيلة، و تجلى ذلك في موقفه من جورج ويكهام، حين كان على وشك أن يتحايل على أخته الصغيرة، كي يستحوذ على مالها لأجل تبذيره في القمار. وهذا كان القاسم المشترك البطلين، و كان خيطا ناضما يصل بينهما. رغم الفوارق الطبقية.
ميزان الأنا :
يتكون الأنا بالغالب، على مجموعة من التقمصات13 التي تحل محل الشحنات النفسية، التي تصدر من (الهو)، و فكرة أن الأنا الأعلى، قد تسيطر على الشعور، و نعلم أن الأنا يقوم بالعادة بتنفيذ14 عمليات الكبت في خدمة الأنا العليا و بأمره، و أحيانا يقوم الأنا بتوجيه السلاح ضد رئيسه القاس15، و هذا ما جعل في الرواية، البطل يقوم بقلب الميزان لكفة الأنا، و قلب الطاولة على ضوابط المجتمع حين قرر الزواج من إليزابيث، و مخالفة الأعراف المتفق عليها ثقافيا، لأن المشاعر النفسية لا تعترف بالقيود، و هذا الكبرياء ما هو إلا صنيعة التربية، التي يفرضها الأنا العليا على الأنا. كذلك فعلت إليزابيث حين وقفت في وجه عمة دارسي، السيدة كاثرين دي بروغ، عندما رفضت زواجهما، طمعا في تزويجه لابنتها المريضة، و كارولين بينجلي أخت صديقه دارسي، التي أهانتها و كانت تريده زوجا لها.
تحدث الجميع و دافعت عن نفسها، حينها ذابت كل مقاومتها لمشاعرها حين طلب مستر دارسي منها الزواج للمرة الثانية، وافقت بكل اقتناع و بعيدا عن كل تأثير خارجي، إلا من تاثير عواطفها و تلبية لنداء حقها في الحياة.
الخلاصة:
هذه الرواية الذائعة الصيت، لا زالت تحصد الجوائز ليومنا هذا، فهي مليئة بالمشاعر الإنسانية التي بدأت تتلاشى و تختفي، سافرت بنا جين أوستن عبر الزمان، و أخذت بخيالنا إلى عصر كانت فيه الأولوية للحياة الأسرية، والعناية بالصداقة، و الحفاظ على الروابط العائلية بما فيها السمعة والنسب، هذه العلاقات كانت تقتضي التضحيات، والاهتمام الكبير من قبل أفرادها.
يتأرجح هذا الرابط بين الكبرياء، الذي يجذب الإنسان إلى الترفع وإعلاء قيمة الوجود، كأشخاص نعيش في أوساط طبقية، كانت ولا زالت تتصارع تتلاطم أمواج بحرها في كل العصور، إن الفرق بين (مجتمع الماضي) لأوستن الكاتبة الإنجليزية، التي لم تتوقع هذا النجاح الساحق في روايتها، و بين مجتمعاتنا، هو هذا التماسك في فن الرواية، والركائز الصلبة التي شيدت عليها بناء سردها من أوله لآخره. كأنها أبت النسيان والاندثار، و الموت الأدبي، رغم إلغازها في سرد التفاصيل الخاصة بالحياة الحميمية بين أبطال الرواية، إلى أنها احترمت ذكاء القارئ بأسلوبها الممتع الماتع، لتحظى بالمكانة العالمية بين الرواد الذكور، في كل مرة يتصفح فيها الكتاب، تقفز الشخصيات والأبطال إلى ذهن القراء، محدثة زوبعة من التشويق و الرغبة في متابعة الفضول لبلوغ النهاية.
هذا الانتشاء الروحي والنفسي يذكرنا أن الكبرياء والتحامل صفتان تتصارعان، لكن أوستن روضتها، و أسقطت قناع الكبرياء المزيف أمام سطوة الهوى الحقيقي …أدعوك عزيزي عزيزتي لقراءة هده الرواية التي تعكس صورة لمجتمع لن تصدق أنه غربي و علماني….
المصادر و المراجع
1 ـ مقتبسات من رواية كبرياء و هوى للكاتبة جين أوستن، تاريخ الإصدار1813
2 ـ ضحكة ميدوسا، نظرية صاغتها هيلين سيكسوس، وقدمت فيها ميدوسا، فتاة شهيدة الاعتداء والاغتصاب من أحد آلهة اليونان وسط المعبد في فلورانسا مقالة: ” الوحش المظلوم” من الميتولوجيا الإغريقية موقع vice ترجمة : حسين فاروق.
3 ـ النقد الثقافي، آرثر أيزابرجر، ترجمة وفاء إبراهيم و رمضان بسطاويسي، المشروع القومي للترجمة، طبعة 2003 ، ص : 66
4 ـ حفناوي بعلي، مدخل في نظرية النقد النسوي و ما بعد النسوية، دار النشر: الدار العربية للعلوم ناشرون الطبعة الأولى، 2009 ص:9
5 ـ نفسه، ص: 10
6 ـ فرويد سيغموند مدخل إلى التحليل النفسي، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة للطباعة و النشر، بيروت، لبنان، الطبعة الثالثة ، 1995 ص: 10
7 ـ نفسه، ص: 16
8ـ نفسه، ص: 17
9ـ نفسه، ص: 18
10 ـ نفسه، ص: 23
11 ـ نفسه، ص،ص: 57 ـ 58
12 ـ فرويد سيغموند الأنا و الهو، ترجمة الدكتور محمد عثمان نجاتي، مطبعة: دار الشروق، بيروت، لبنان، الطبعة الرابعة 1982 ، ص: 52
13 ـ نفسه، ص: 53
14 ـ نفسه، ص:78
15 ـ نفسه، ص: 83
16 ـ نفسه ، ص:84



















































