فاروق الدباغ
في عام 1988 انتظر والدي قرابة عامين حتى حصل على الموافقة لشراء سيارة حمل «سكانيا 112» من الشركة العامة للسيارات. كان يحمل إجازة سوق لسيارات الحمل، وكان النظام يومها يتيح لحاملي هذه الإجازة التسجيل لشراء سيارة بسعر مدعوم. كان ثمنها عشرة آلاف دينار.
ذهبت معه إلى مصرف الرافدين وسحبنا المبلغ، ثم توجهنا إلى مصرف الرشيد لإيداعه في حساب الشركة.
وأثناء عدّ النقود اشتبه الموظف بورقة نقدية واحدة.
خلال دقائق تغير كل شيء. أُغلقت الأبواب، حضر المسؤولون، واتُّصل بالجهات الأمنية. كنت أقف إلى جوار والدي مذهولاً. نحن لم نأتِ بالنقود من سوق سوداء؛ سحبناها قبل قليل من مصرف حكومي وسلمناها إلى مصرف حكومي آخر.
بعد التدقيق اتضح أن الورقة لم تكن مزورة، وإنما من طبعة شخّص البنك المركزي في بعضها ازدواجية في ظل الطباعة. سُحبت الورقة، وعُوّضت بأخرى، وسُجّل الأمر رسمياً.
مضت الحادثة، لكن صورتها بقيت في رأسي: ورقة واحدة مشتبه بها كانت كافية لاستنفار مصرف كامل.
تذكرتها بعد عقود وأنا أستمع إلى عضو اللجنة المالية في مجلس النواب محمد نوري عزيز يتحدث في مقابلة تلفزيونية عن طباعة ملايين الدنانير العراقية في الأرجنتين، وتحويلها إلى دولارات قال إنها تُرسل إلى إيران بالشاحنات.
هذه اتهامات خطيرة وليست حقائق قضائية مثبتة، ومن الطبيعي أن تحتاج إلى تحقيق وأدلة. لكن ما صدمني لم يكن الاتهام وحده، بل أن كلاماً بهذا الحجم قيل علناً، ثم مضت الحياة من حوله بصورة تكاد تكون عادية.
فسألت نفسي:
ماذا حدث لنا بين ورقة واحدة كانت تستنفر الدولة، وأحاديث اليوم عن ملايين وتهريب للدولار لا تحدث الصدمة نفسها؟
لا أقول ذلك حنيناً إلى نظام سياسي مضى، ولا مقارنة بين نظامين. المسألة أعمق من السياسة.
إنها مسألة الحساسية تجاه الخطأ.
المجتمعات لا تنهار أخلاقياً عندما يظهر فيها الفاسدون؛ فكل المجتمعات تعرف الفساد. الانهيار يبدأ عندما يصبح الخطأ مألوفاً، ثم قابلاً للتفسير، ثم قابلاً للتبرير.
نرفض الواسطة عندما يستفيد منها غيرنا، ونبحث عنها عندما يحتاجها ابننا. نغضب من فساد خصومنا، ونخفف الحكم عندما يكون الفاسد قريباً منا حزباً أو طائفة أو عشيرة. نطالب بالقانون، ثم نبحث عمن يتجاوزه إذا وقف أمام مصلحتنا.
حتى لغتنا تغيرت.
الرشوة صارت عند البعض «تدبير حال»، والمحسوبية «وقفة مع الجماعة»، ومن يصل إلى موقع ولا يخرج منه بمال أو عقار قد يُسأل ساخراً: وماذا استفدت؟
وهنا تكمن الخطورة. ليس في أن المجتمع لم يعد يعرف الصواب من الخطأ، بل في أنه أصبح يملك لكل خطأ تقريباً عذراً جاهزاً.
ثم جاء تغيير سعر صرف الدينار في تشرين الأول/أكتوبر 2026 ليذكر العراقي بأن نتائج هذا الخلل لا تبقى داخل مكاتب الدولة. خُفضت قيمة الدينار، وارتفعت كلفة الدولار والاستيراد، وبدأ المواطن يحسب ما يستطيع راتبه شراءه.
هنا لم تعد المسألة صفقة نقرأ عنها، أو وظيفة أُعطيت بالمحسوبية لشخص لا نعرفه.
دخلت إلى المطبخ.
إلى الطعام والدواء وملابس الأطفال.
واكتشفنا متأخرين أن المال العام الذي كنا نسمع عن هدره لم يكن مالاً بلا صاحب.
كان مالنا نحن.
وهنا يطرح السؤال نفسه: لماذا يصبح الفساد أكثر قبحاً عندما يصل إلى جيبنا؟
التاريخ يقول إن المجتمعات تستطيع استعادة بوصلتها، لكن ليس بالمواعظ ولا بقرار يصدر صباحاً.
ألمانيا بعد عام 1945 لم تتحول إلى مجتمع ديمقراطي بمجرد سقوط النظام النازي. احتاج الأمر سنوات من إعادة بناء القانون والتعليم والمؤسسات والثقافة السياسية. وفي عام 1952 أُنشئت مؤسسة اتحادية للتثقيف السياسي بهدف ترسيخ الفكر الديمقراطي ومنع عودة الشمولية.
احتاج المجتمع إلى جيل وأكثر كي يبدأ مواجهة واسعة مع ماضيه.
ولا تعني المقارنة تشبيه العراق بألمانيا النازية؛ إنها تطرح سؤالاً واحداً فقط: كيف يستعيد مجتمعٌ معيارَه الأخلاقي بعد أن يعتاد الخطأ؟
العراق لا يعاني نقصاً في الخطب عن الشرف والأمانة والوطن والدين.
ما يحتاجه أصعب من ذلك: معيار واحد.
أن تبقى السرقة سرقة حتى إذا ارتكبها من ينتمي إليّ. وأن تبقى الرشوة فساداً حتى إذا حلت مشكلتي. وأن يبقى تزوير الشهادة جريمة حتى إذا كان صاحبها قريبي. وأن يكون المال العام مالي ومالك، لا غنيمة لمن يصل إليه.
عندها فقط يمكن أن يبدأ التعافي.
ويبقى السؤال:
متى يبدأ تعافي الوعي المجتمعي العراقي؟
ربما يوم نستعيد قدرتنا على القول: هذا خطأ، من دون أن نضيف بعدها «لكن».
فالمجتمعات لا تسقط فقط عندما يكثر فيها الفاسدون، بل عندما تتوقف عن الشعور بالصدمة من الفساد.
المصادر:
وكالة بغداد اليوم – تصريحات عضو اللجنة المالية محمد نوري عزيز بشأن الدينار والدولار وإيران.
“فتح المصدر” (https://emea01.safelinks.protection.outlook.com/?url=https%3A%2F%2Freference-url-citation.invalid%2F1&data=05%7C02%7C%7C6e6e917c18ee45316f6908df26501cce%7C84df9e7fe9f640afb435aaaaaaaaaaaa%7C1%7C0%7C639271797642533008%7CUnknown%7CTWFpbGZsb3d8eyJFbXB0eU1hcGkiOnRydWUsIlYiOiIwLjAuMDAwMCIsIlAiOiJXaW4zMiIsIkFOIjoiTWFpbCIsIldUIjoyfQ%3D%3D%7C0%7C%7C%7C&sdata=6HpCRL42Upu5lTN152qzqqp%2BcFVf2PosfbtFi%2Fc7PqM%3D&reserved=0)
Reuters – قرار خفض قيمة الدينار العراقي، 7 تشرين الأول/أكتوبر 2026.
“فتح المصدر” (https://emea01.safelinks.protection.outlook.com/?url=https%3A%2F%2Freference-url-citation.invalid%2F2&data=05%7C02%7C%7C6e6e917c18ee45316f6908df26501cce%7C84df9e7fe9f640afb435aaaaaaaaaaaa%7C1%7C0%7C639271797642551410%7CUnknown%7CTWFpbGZsb3d8eyJFbXB0eU1hcGkiOnRydWUsIlYiOiIwLjAuMDAwMCIsIlAiOiJXaW4zMiIsIkFOIjoiTWFpbCIsIldUIjoyfQ%3D%3D%7C0%7C%7C%7C&sdata=XEgMTGJN3H%2FVJ%2BTMb5des0L%2B7lVfHYSyWV8duRxyvgs%3D&reserved=0)
الوكالة الاتحادية الألمانية للتثقيف السياسي – تأسيس وتطور التثقيف السياسي في ألمانيا بعد الحرب.
“فتح المصدر” (https://emea01.safelinks.protection.outlook.com/?url=https%3A%2F%2Freference-url-citation.invalid%2F3&data=05%7C02%7C%7C6e6e917c18ee45316f6908df26501cce%7C84df9e7fe9f640afb435aaaaaaaaaaaa%7C1%7C0%7C639271797642564291%7CUnknown%7CTWFpbGZsb3d8eyJFbXB0eU1hcGkiOnRydWUsIlYiOiIwLjAuMDAwMCIsIlAiOiJXaW4zMiIsIkFOIjoiTWFpbCIsIldUIjoyfQ%3D%3D%7C0%7C%7C%7C&sdata=x%2Bcb0TOPsBXG59ugvClXS0dzG5O2ZqLyJSjpRC4202s%3D&reserved=0)



















































