بقلم د. مصطفى الغاشي
أستاذ التعليم العالي
جامعة عبد المالك السعدي بتطوان
تمهيد، لم تعد غزة مجرد جغرافيا صغيرة محاصرة على شاطئ المتوسط، ولا مجرد ملف جديد في أرشيف الصراع الفلسطيني– الإسرائيلي. فغزة أصبحت، منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، مرآة كبرى للنظام الدولي، مرآة تكشف كيف يفكر العالم عندما تصطدم القوة البطش والابادة بالقانون، وكيف يتصرف عندما يكون المدنيون في قلب حرب طويلة الأمد، وكيف تتسع المسافة بين ما تقوله العواصم وما تستطيع المؤسسات الدولية فعله.
فليس السؤال اليوم: ماذا يحدث في غزة؟ بل سؤال الأكثر عمقاً اليوم هو، كيف يتمثّل العالم ما يحدث في غزة؟ هل يراه حرباً بين طرفين؟ أم عدواناً على شعب يعيش تحت الاحتلال؟ أم عملية عسكرية إسرائيلية تقول إنها تستهدف حركة حماس فقط؟ أم كارثة إنسانية تجاوزت حدود الحرب التقليدية؟ أم اختباراً تاريخياً لجدية القانون الدولي وصدقية النظام الدولي الذي تأسس، نظرياً، لمنع تكرار المآسي الكبرى؟
وفي هذا الإطار، قد تكون المشكلة أن العالم لا يرى غزة بعين واحدة.!!
أولا، من السّابع من تشرين الأول/ أكتوبر إلى غزة التي تغيّرت، انه لا يمكن قراءة المشهد في غزة دون وضع هجوم حماس في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 في سياقه؛ فقد أدى الهجوم إلى مقتل إسرائيليين وأجانب واحتجاز رهائن، وهو ما تسابقت عدة دول ومؤسسات دولية الى ادانته !؟، كما القانون الدولي سارع الى المطالبة بالإفراج عن الرهائن وحمايتهم. الا ان الملاحظ ان “إدانة” هجوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر من قبل أطراف عربية ودولية، لم تجيب، في نفس الوقت، عن السؤال الأهم وهو: هل تصبح حماية إسرائيل من الهجمات تفويضاً مفتوحاً لاستخدام القوة ضد المدنيين الفلسطينيين؟ ويبدو من خلال هذا السؤال الانقسام الحاد في تمثّل الحرب. فإسرائيل قدّمت عملياتها باعتبارها حرباً دفاعية ضد حماس وضد تهديد أمني، وفي المقابل، ركز الفلسطينيون ومنظمات حقوقية وهيئات أممية على حجم الدمار والتقليل والابادة والتهجير والقيود المفروضة على دخول المساعدات واستمرار سقوط المدنيين…
ومع مرور الوقت، لم تعد غزة تُختزل في سؤال الأمن الإسرائيلي وحده؛ فقد أصبحت سؤالاً عن حماية المدنيين أيضا، وحق تقرير المصير، والاحتلال، والمسؤولية القانونية عن أفعال الحرب، ومستقبل الشعب الفلسطيني…
ومن هنا، بدأت صورة غزة تتجاوز حدود الرواية الإسرائيلية أو الفلسطينية لتصبح قضية دولية وعالمية.
ثانيا، العالم الرسمي: لغة مختلفة عن لغة الشارع، فعلى المستوى الرسمي، بدى ان العالم لم يتبنى موقفاً واحداً من غزة. فهناك دول ما تزال تمنح الأولوية لحق إسرائيل في الأمن والدفاع عن مواطنيها، وهناك دول جعلت وقف الحرب وحماية المدنيين وإدخال المساعدات أولوية، وهناك دول ربطت بين إنهاء الحرب وبين معالجة أصل المشكلة: الاحتلال وغياب الدولة الفلسطينية.
لقد واصلت الأمم المتحدة ومؤسساتها التحذير من الأوضاع الإنسانية الكارثية. ففي أحدث تقرير لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في أيلول/ شتنبر 2026، ظلت الاحتياجات الإنسانية في غزة “هائلة”، مع استمرار الضربات العسكرية، ونقص حاد في المستلزمات الطبية ومواد الإيواء والمعدات اللازمة لإصلاح البنية التحتية. ووفق نفس التقرير، فان 94 في المائة من السكان كانوا في حاجة عاجلة إلى المأوى والمساعدة المنزلية الأساسية، بينما ظل نحو 65 في المائة من الأسر يعيشون في خيام أو في ملاجئ مؤقتة.
إن هذه الأرقام لا تصف حجم الأزمة الإنسانية فقط؛ بل إنها تصف مجتمعاً تعرضت بنيته المادية والاجتماعية إلى تمزق عميق. والأخطر من ذلك، أن الأزمة لم تنته حتى بعد اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في تشرين الأول/ أكتوبر 2025. فتقرير منسق الأمم المتحدة الخاص بعملية السلام في الشرق الأوسط، الصادر في أيلول/ شتنبر 2026، أكد أن وقف إطلاق النار ظل هشاً، وأن الضربات الإسرائيلية استمرت، كما ظلت أجزاء واسعة من غزة خاضعة لقيود شديدة، بينما لم تبدأ عملية التعافي وإعادة الإعمار بالشكل المطلوب.
إذن، فماذا يعني وقف إطلاق النار إذا كانت الحرب قد توقفت بصورتها الكبرى، لكن آثارها اليومية لم تتوقف؟
ثالثا، غزة ليست رقماً، ان المشكلة الكبرى في الحروب هي أن الإنسان لأنه يتحول تدريجياً إلى رقم: عدد القتلى. عدد الجرحى. عدد النازحين. عدد المنازل المدمرة. عدد المستشفيات المتوقفة. وكمية المساعدات التي دخلت…. لكن الحقيقة ان وراء كل رقم عائلة!؟
ففي غزة، تحول الموت الى جزء من الحياة اليومية، كما تحول النزوح الى حالة شبه دائمة. ففي أيلول/ شتنبر 2026، أفادت الأمم المتحدة بأن انهيار مبنى سكني متضرر في غزة أدى إلى مقتل 21 شخصاً، من بينهم أطفال، فيما لا تزال آلاف الأسر تعيش في مبانٍ غير آمنة أو في خيام تفتقر إلى أبسط شروط الحياة.
وفي هذا السياق، فان السؤال المطروح ليس إنسانياً فقط، بل أخلاقي أيضاً وهو: ما الحد الذي يستطيع عنده العالم أن يقول: كفى؟ ومن يملك تحديد هذا الحد؟
إن القانون الدولي: حاضر بقوة في الوثائق، ضعيف أمام القوة، وربما كان أبرز ما كشفته غزة هو المفارقة بين قوة القانون الدولي وضعف آليات إنفاذه. ففي كانون الأول/ يناير 2024، أصدرت محكمة العدل الدولية تدابير مؤقتة ملزمة في قضية جنوب أفريقيا ضد إسرائيل بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، وأمرت إسرائيل باتخاذ إجراءات لمنع الأفعال التي تدخل في نطاق الاتفاقية، وضمان وصول المساعدات الإنسانية بصورة عاجلة. وفي تشرين الثاني/ نوفمبر 2024 ايضا، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية أوامر توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، من بينها استخدام التجويع كأسلوب من أساليب الحرب وتوجيه هجمات ضد السكان المدنيين. وهذه أوامر قضائية واتهامات، وليست أحكام إدانة نهائية.
ومن خلال ذلك، تظهر إحدى أكثر مفارقات النظام الدولي إيلاماً، اذ فيمكن للقانون أن يصدر حكمه، لكنه لا يستطيع أن يفرض نفسه على أرض المعركة. وهذا لا يعني أن القانون الدولي عديم القيمة، بل يعني أن فعاليته تظل مرتبطة بإرادة الدول وقدرتها على إنفاذه.
فإذا كان القانون الدولي قوياً إذا تعلق الأمر بدول ضعيفة، ثم يتراجع اذا تعلق الأمر بدولة (اسرائيل) تتمتع بدعم سياسي وعسكري من قوى كبرى، فإن المواطن في الجنوب يطرح سؤالاً مشروعاً: هل القانون واحد للجميع، أم أن تطبيقه يتأثر بموازين القوة؟!
رابعاً، غزة واختبار ازدواجية المعايير، ربما تشكل هذه القضية السياسية والأخلاقية النقطة الأعمق التي أنتجتها حرب غزة. ففي مناطق أخرى من العالم، تبنت دول غربية لغة صارمة تجاه استهداف المدنيين، واعتبرت احترام القانون الدولي الإنساني قاعدة غير قابلة للتفاوض. لكن عندما تعلق الأمر بغزة، بدا الخطاب أكثر تعقيداً. لماذا؟ لأن إسرائيل ليست دولة معزولة في النظام الدولي، بل ترتبط بشبكة واسعة من العلاقات السياسية والعسكرية والاقتصادية، وعلى رأسها الولايات المتحدة وكثير من الدول أوروبية.
ومن هنا لم تعد صورة غزة مرتبطة بإسرائيل وحدها، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بصورة الغرب كله… فالعالم العربي والإسلامي، وجزء واسع من دول آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، ينظر إلى غزة من زاوية مختلفة: ليس باعتبارها مجرد مواجهة أمنية بين إسرائيل وحماس، بل باعتبارها حلقة في تاريخ أطول من الاحتلال والاستيطان والتهجير والصراع على الأرض والهوية والحق في تقرير المصير. ولا يعني هذا أن جميع دول الجنوب العالمي تتبنى نفس الموقف، لكنها تشترك بدرجات متفاوتة في نقد ما تعتبره اختلالاً في تطبيق المعايير الدولية. ومن هنا تحديداً تحولت غزة إلى قضية عدالة دولية تتجاوز حدود فلسطين والشرق الاوسط.
خامسا، الغرب بدأ يتغير، لكن صورة العالم ليست ثابتة.
فالرأي العام في عدد من الدول الغربية شهد تحولات مهمة… ففي الولايات المتحدة، أظهرت دراسة لمركز بيو للأبحاث في جزيران/ يونيو 2026، أن نظرة الأمريكيين إلى الإسرائيليين أصبحت سلبية أكثر مقارنة بالسنوات السابقة، بينما ظلت النظرة إلى الفلسطينيين تميل إلى الاستقرار، بحيث أصبح التقييم العام للشعبين متقاربة مما كان عليه الأمر قبل الحرب. كما أظهرت الدراسة استمرار وجود فروق كبيرة بحسب العمر والانتماء السياسي والديني… والأكثر دلالة أن استطلاعاً آخر لمركز بيو، نُشر في أيلول/ شتنبر 2026، أظهر استمرار الانقسام العميق بين الإسرائيليين والفلسطينيين بشأن إمكانية التعايش السلمي بين إسرائيل ودولة فلسطينية مستقلة. وقد أُجري هذا الاستطلاع بين آذار/مارس وآيار/ ماي 2026، وشمل 1001 إسرائيلي و1038 فلسطينياً في الضفة الغربية والقدس الشرقية، (دون قطاع غزة بسبب الحصار والظروف الأمنية.) وهذا يعني أن غزة لم تغيّر فقط خطاب الحكومات؛ بل بدأت تغير الوعي العام الدولي.
إن الصور القادمة من غزة، وتقارير الصحفيين، وشهادات الأطباء، وانتشار المشاهد عبر شبكات التواصل الاجتماعي، جعلت الحرب حاضرة بقوة رغم البيانات الرسمية. فلقد أصبح المواطن العادي في أوروبا وأمريكا يشاهد ويتابع الحرب مباشرة على هاتفه. وهذا تطور استراتيجي في الاعلام والتواصل والمعلومة بالغ الأهمية.
سادسا، معركة الصورة: إسرائيل تخسر احتكار الرواية؟
لطالما امتلكت إسرائيل القدرة الكبيرة على تقديم روايتها للعالم: كدولة صغيرة مهددة، وشعب يبحث عن الأمن، وذاكرة تاريخية مثقلة بالاضطهاد… لكن غزة فرضت على العالم رواية أخرى، صورة الطفل تحت الأنقاض. والطبيب الذي يعمل وسط الركام، والأم التي تبحث عن أبنائها. والنازح الذي يحمل خيمته من مكان إلى آخر… والمدينة التي فقدت مدارسها ومستشفياتها وشوارعها… فهذه الصور جعلت من الصعب احتكار اسرلئيل للمشهد. وهو ما ساهم الى حد كبير في ظهور قوة جديدة في العلاقات الدولية وهي: قوة الصورة. فإذا كانت القوة العسكرية قادرة على تدمير مبنى خلال ثوان، فإن صورة ذلك المبنى المدمر قد تعيد تشكيل الرأي العام في بلد يبعد آلاف الكيلومترات. وهذا ما يجعل من حرب غزة حرباً على الوعي والذاكرة أيضا.
ولكن أين حماس في الصورة؟ إن القراءة الجادة لما يحدث في غزة لا يمكن أن تتجاهل حماس. فهجوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر، يمثلان جزءاً أساسياً من السياق الذي أدى إلى الحرب، كما أن القانون الدولي بصيغته الحالية لا يمنح “المقاومة” حصانة من قواعد حماية المدنيين. لكن الاعتراف بهذه الحقيقة لا يعني أن كل ما يحدث بعد ذلك يصبح مشروعاً. فالقاعدة الأساسية في القانون الدولي الإنساني هي أن المدني لا يفقد حمايته لأنه يعيش في منطقة تسيطر عليها “المقاومة”… وهذا هو الفارق بين محاربة جماعة مقاومة وبين تحويل مجتمع بأكمله إلى ساحة حرب. كما أن تحميل حماس المسؤولية لا يلغي مسؤولية الدولة التي تمتلك جيشاً منظماً وقدرات عسكرية هائلة من احترام قواعد التمييز والاحتياطات وحماية المدنيين. فالقانون الدولي يعمل بمنطق: كل طرف مسؤول عن أفعاله، لكن على مستوى الواقع فشيء آخر.
سابعا، غزة وضمير العالم، ان المشكلة الكبرى أن العالم اعتاد على الحروب. وحين تستمر الصور المأساوية لفترات طويلة، يعتاد الإنسان عليها. ففي البداية، تكون صورة طفل مقتول خبراً عالمياً. ثم تصبح عشرات الصور خبراً. ثم تصبح آلاف الصور إحصائية. ثم يتحول الموت إلى خلفية ثابتة في نشرات الأخبار. وهنا يفقد العالم القدرة على الصدمة الأخلاقية. فغزة تضع هذا الضمير أمام امتحان صعب: هل يمكن للإنسانية أن تتعايش مع فكرة أن أطفالاً يموتون، وأن عائلات تعيش في خيام، وأن مستشفيات تكافح من أجل الاستمرار، ثم تستمر السياسة الدولية في إنتاج البيانات واللقاءات واللجان دون قدرة حقيقية على إنهاء المأساة؟
ثامنا، غزة وأزمة النظام الدولي، ان غزة تعاني في صمت، وبسببها يواجه النظام الدولي أزمة مصداقية كبرى. فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، قامت المنظومة الدولية على مبادئ واضحة: تحريم العدوان، حماية المدنيين، احترام السيادة، تسوية النزاعات بالقانون، ومنع الجرائم الجماعية. لكن غزة كشفت أن المشكلة ليست دائماً في غياب القواعد، وإنما في غياب المساواة في القدرة على تطبيقها. لأن القانون الدولي إذا فقد ثقة الشعوب، فلن تكون الخسارة فلسطينية فقط. بل ستكون خسارة للنظام الدولي كله. وسيصبح السؤال في مناطق كثيرة من العالم: إذا لم تحمِ القواعد الدولية المدنيين في غزة، فكيف ستقنع الشعوب بأن هذه القواعد قادرة على حمايتها في أزمات أخرى؟ فغزة ليست مجرد قضية فلسطينية، انها قضية عالمية وقضية القانون الدولي.
وقضية حقوق الإنسان. وقضية علاقة القوة بالقانون.
وقضية الإعلام. وقضية الرأي العام. وقضية مستقبل النظام الدولي. وقضية قدرة الأمم المتحدة على حماية المدنيين. وقضية مصداقية الديمقراطيات التي تتحدث عن حقوق الإنسان. وقضية العالم العربي الذي يرى أن القضية الفلسطينية ما تزال مفتوحة رغم مرور عقود.
وقضية الأجيال الجديدة التي لم تعد تستقبل الأخبار من الصحف وحدها، بل تشاهد الحرب لحظة بلحظة عبر هواتفها. ولهذا فإن غزة لا يمكن أن تعود ببساطة إلى ما كانت عليه قبل 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023. فحتى لو توقفت الحرب، فإن آثارها السياسية والأخلاقية والقانونية ستبقى إلى أمد طويل.
تاسعا، من وقف الحرب إلى معالجة أصل القضية، ان الخطأ الأكبر هو الاعتقاد بأن إنهاء القتال يعني انتهاء قضية غزة. فوقف الحرب ضرورة عاجلة، لكنه ليس حلاً نهائياً. فغزة تحتاج إلى إعادة إعمار هائلة، وإلى نظام سياسي قادر على إدارة القطاع، وإلى ضمانات أمنية، وإلى استعادة المؤسسات والخدمات، وإلى عودة النازحين، وإلى معالجة مسألة الرهائن والمعتقلين، وإلى أفق سياسي للفلسطينيين. والأهم من ذلك كله: لا يمكن إعادة بناء غزة من دون إعادة بناء أفق سياسي للقضية الفلسطينية برمتها.
لقد أكدت الأمم المتحدة في تقرير أيلول/ سبتمبر 2026، أن إعادة إعمار غزة والمسار السياسي الأوسع مترابطان، وأن التعافي الاقتصادي والاجتماعي لا يمكن أن يستدام بمعزل عن حل سياسي قابل للحياة. فهل يمكن أن يستمر العالم في إدارة الصراع الفلسطيني، أم أن الوقت حان لمعالجة جذوره؟
عاشراً، غزة بين الذاكرة والمستقبل، قد تنتهي الحرب.
وقد تُرفع الأنقاض. وقد تعود المدارس. وقد تُبنى المستشفيات. وقد تعود الكهرباء والماء إلى البيوت.
لكن سيكون من الصعوبة بما كان إعادة بناء الثقة. نقصد ثقة الفلسطينيين في العالم. وثقة الشعوب في القانون الدولي. وثقة الأجيال الجديدة في المؤسسات الدولية.
وثقة العالم العربي في أن القضية الفلسطينية يمكن أن تجد طريقاً عادلاً إلى الحل. ولهذا فإن غزة ليست مأساة إنسانية فقط. بل إنها أيضاً امتحان تاريخي للنظام الدولي. فإما أن يتحول ما حدث إلى لحظة مراجعة حقيقية لقواعد العلاقات الدولية، وإما أن يبقى مجرد فصل آخر في كتاب طويل من الحروب التي تبدأ بالبيانات وتنتهي بالأنقاض.
في الختام، ماذا يرى العالم عندما يرى غزة؟ قد يرى البعض في غزة حرباً على الإرهاب. ويرى آخرون حرباً دفاعية إسرائيلية. ويرى الفلسطينيون مأساة شعب تحت الاحتلال. ويرى القانونيون ملفاً مفتوحاً أمام القضاء الدولي. وترى المنظمات الإنسانية كارثة لم تنته آثارها.
ويرى جزء متزايد من الرأي العام العالمي مأساة إنسانية وسياسية لا يمكن اختزالها في معادلة “إسرائيل مقابل حماس”. لكن الصورة الأوسع ربما تكون أكثر قسوة:
فالعالم يرى غزة، لكنه لم يتفق بعد على ماذا يرى. لأن اختلاف العالم في تفسير الحرب شيء، واختلافه في قيمة حياة المدني شيء آخر.
إنه بإمكان الدول أن تختلف حول السياسة. ويمكن أن تختلف حول التاريخ. ويمكن أن تختلف حول المسؤولية.
لكن لا ينبغي أن تختلف حول المبدأ الأساسي: فحياة المدني ليست ورقة تفاوض، والطفل ليس هدفاً سياسياً، والمساعدات الإنسانية ليست امتيازاً تمنحه القوة لمن تشاء. إن مستقبل غزة لن يتحدد فقط بما يحدث داخل القطاع، وإنما أيضاً بما يقرره العالم بشأن السؤال الذي فرضته هذه الحرب على الجميع: هل يريد العالم نظاماً دولياً تحكمه القواعد، أم نظاماً تحكمه موازين القوة ثم تأتي القواعد لتشرح ما حدث؟ فغزة، في النهاية، ليست وحدها التي تنتظر الجواب. بل العالم كله ينتظره.
مقال خاص لصحيفة قريش – لندن



















































