بقلم: الدكتور نزار محمود

بين الحين والآخر نلتقي نحن مجموعة من مواليد اربعينات وخمسينات القرن الماضي من العراق وسورية وفلسطين وتدور احاديث بيننا تتقدمها السياسية منها، ولا عجب في بلك.
نحن ابناء ذلك الجيل عشنا اطواراً سياسية تشيب منها الرؤوس، من انظمة وشخصيات سياسية وعسكرية ودينية، واحداث عاصفة ودموية ارتقى بعضها الى المصيرية.
عشنا مرثيات نكبة عام 1948 والفرحة بثورة يوليو في مصر وحماس صمود شعب ناصر ضد العدوان الثلاثي عام 1956 والانقلابات والثورات في سورية والعراق، وتجارب ومحاولات الوحدة العربية التي لا يختلف فيها اثنان كونها مفتاح قوة ونهضة العرب وكرامتهم.
والى جانب ذلك شهدنا وعشنا انفصام الوحدة بين مصر وسورية في سيبتمر من العام 1961، واستبشرنا خيراً بنهوض الوعي القومي حتى بأشكاله واحزابه المختلفة، ومنها حزب البعث العربي الاشتراكي الذي حمل شعار:
امة عربية واحدة ذات رسالة خالدة
وحدد اهدافه بوحدة العرب وحريتهم واشتراكيتهم.
ان المطلعين على احوال شعوب الامة العربية، بمعنى لغتها المشتركة وتاريخها الواحد وثقافتها المتجانسة وجغرافيتها المتداخلة والمتواصلة، يدركون في ذات الوقت صعوبات واقعها المجزأ وانظمتها حامية ذلك التجزء و المقاتلة من أجل بقائها!
لقد كانت وبقيت القوى التي رافقت تأسيس تلك الأنظمة ومكنتها ودعمتها واستمرت في حمايتها او رعايتها تسهر على استمرارها بما يخدم، الى جانب مشروعها الصهيوني اسرائيل، اهدافها ومصالحها الاستراتيجية ويشبع غليل ماضيها. وفي هذا الاطار عملت تلك القوى على اتقان لعبة فرق تسد بين هذه الانظمة وكذلك مع معارضيها من خلال الحرص على عدم تقارب الدول العربية المتجاورة والتي لا تخضع تماماً لاراداتها، من ناحية، وعلى تشجيع تشظي القوى السياسية الداخلية في الدول العربية من ناحية ثانية، فكانت الاحزاب والقوى السياسية من اقصى اليمين الى اقصى اليسار، وكل حزب بما لديهم فرحين، وكل يغني على ليلاه، لا بل وهو مستعد لتصفية الآخر من اجل استلام السلطة.
وبناء على ما تم عرضه نتناول علاقة العراق وسورية خلال سبعينات الفرن الماضي اللتين كان ذات الحزب يمتلك حكم سلطاتها.
وهكذا لم تكن العلاقة بين نظامي حزب البعث في كل من سورية والعراق بتلك العلاقة الرفاقية او الحميمية في سبعينات القرن الماضي الذي شهد فيها العراق خطوات على درب البناء والتنمية والاستعداد الامني والعسكري، بل كانت يطبعها عدم الثقة والتوجس وبالتالي عدم التعاون، حتى بدأت بوادر انفراج لتلك العلاقة عام 1978، وتفاجأ الجميع باخبار قيام الرئيس السوري حافظ الأسد بزيارة قريبة الى بغداد لتوقيع ما سمي بميثاق العمل القومي المشترك والذي تم بوم ٣٦ اكتوبر عام 1978 في بغداد. لقد كانت صورة لا تنسى حيث وقف الرئيس احمد حسن بكر الى جانب حافظ الاسد، ليعلنان عن ميلاد ذلك الميثاق!
كان الهدف المعلن للميثاق: تعزيز التعاون العسكري والاقتصادي والسياسي والاعلامي بين البلدين في عهد حزب البعث.
وفور توقيع الاتفاق فتحت الحدود بين العراق وسورية وتم رفع تأشيرات السفر.
لقد كانت سورية التي يقل عدد سكانها عن عدد سكان العراق والتي لا تمتلك من الثروات والإمكانات الاقتصادية مثل ما للعراق بعد نجاح تأميم النفط، قد خرجت من حرب 1973 ضد “جارتها” اسرائيل لتتوقف باحتلال جزء من اراضيها من قبل ذلك العدو وبالتالي تعيش حال استنزاف عسكري مكلف.
في المقابل كان العراق يعيش فترة نشوة سياسية واقتصادية وتنمية انفجارية وبناء صلد للمؤسسات التعليمية والصحية والعسكرية والأمنية، ويتمتع بعلاقات جيدة مع كثير من دول العالم ومنها دول المنظومة الاشتراكية، واستقرار وسبي بعد ان كان وقع معاهدة عدم تدخل بالشؤون الداخلية مع شاه ايران في الجزائر عام 1975 وباشر بتطبيق قانون الحكم الذاتي للاكراد بعد قضائه على التمرد المعارض.
ما الذي حدث بين يناير 1979 ويوليو 1979؟!
١- في يناير من العام 1979 تم الاتفاق على مشروع اتحاد بين البلدين
٢- في شباط من ذات العام، اي بعد شهر تقريباً، تندلع الثورة في ايران، يسقط شاه ويحمل خميني من باريس الى طهران، ويبدأ بتحريض شيعة العراق للثورة والانقلاب على الطغاة في بغداد ويعلن عن مبدأ تصدير الثورة.
٣- في يوليو من ذات العام 1979 يتسلم صدام حسين السلطة في العراق اثر تنحي البكر عن الحكم، ومعه انهار وتوقف حلم الاتحاد!!
ملاحظات واستنتاجات:
١- في بلدان لا ترقى فيها درجات التحضر السياسي ورصانة مؤسساتها والولاء الوطني المستعد للتضحية من اجل المصلحة العامة على حساب المصالح الشخصية، تلعب العوامل الشخصية لاصحاب السلطة والقرار دورها الأساسي في تحديد مسارات الحياة العامة فيها.
٢- ان ميثاق العمل القومي المشترك لحزب قومي يسعى الى ومدة عربية ويعتبر تحرير فلسطين قضية مركزية بجعل من ولادته وعيشه ونموه أمراً أقرب الى الخيال من الواقع في تحقيقه بالعلاقة مع امن ووجود اسرائيل.
٣- ان من يعرف كلاً من حافظ الأسد وصدام حسين في سجاياهما المختلفة والمرتبطة كذلك بظروف بلديهما يدرك ان هذين الشخصين يخبئان لبعضهما مفاجآت غير محسوبة، ناهيك عن حقيقة خصوصيات الاهداف في ميثاقهما الذي يمكن التذرع بالتلكؤ في تحقيق العسكري وحتى السياسي منها.
٤- لا يمكن الاعتقاد بأن حافظ الأسد كان مستعداً لخسارة ممكنة وسقوط محتمل لنظامه وبالتالي تضحية بحياته حين بتطلب الأمر التصادم مع اسرائيل الذي يندفع على تحريرها صدام حسين بكل احلامه وعنفوانه وشجاعته وتهوره.
٥- ان من يقرأ احداث التواريخ الثلاثة في العام 1979 ذات العلاقة بميثاق العمل القومي المشترك بين سورية والعراق بتأمل يقف على استنتاجات لا تقبل كثيراً من الشك، بأن هناك اصابع خفية تشارك في صنع الاحداث والمواقف وتصنع التاريخ!
٦- عندما بدأ تطبيق فكرة الميثاق كان يحكم العراق احمد حسن البكر، وكان صدام حسين هو رجل الحكم الاقوى! وحول الرجلين كانت هناك مجموعتان من القيادات الحزبية والحكومية والادارية ممن يمكن تسميتهما بمجموعة حمائم البكر، ومجموعة صقور صدام.
٧- لقد كانت الفترة من فبراير 1979 الى ان تسلم صدام السلطة في العراق في يوليو من ذات العام فترة حساسة وعصيبة ليس لقيادة العراق البعثية، وانما كذلك في حسابات حافظ الاسد، وبالعلاقة مع ميثاق العمل القومي المشترك على وجه الخصوص.
٨- لا اعتقد ان اتحاداً بين العراق وسورية بحكمها جناحا حزب واحد معروفة شعاراته واهدافه، ليرضي ليس فقط اسرائيل وانما الدول التي تحميها وحتى بعضاً من الدول العربية ذات الخصوصيات السياسية غير المتفقة مع دول حزب البعث العربي الاشتراكي.
٩- كثير قيل في امر تنفيذ حكم الاعدام بمجموعة قيادية لحزب البعث في العراق، وفي غالبيتهم من مجموعة حمائم البكر، في الاول من آب عام 1979، أي بعد تولي صدام الرئاسة باسبوعين، ومنها ما نضح في اسباب عن تعاونهم مع حافظ الاسد ضد رئاسة صدام حسين.
١٠- لقد كان الميثاق فكرة حلم مات قبل ان يولد لأسباب شخصية تتعلق باصحاب القرار في كل من سورية والعراق، وموضوعية تتعلق بمصالح الدول الاقليمية والدولية.
برلين، 08.10.2026


















































