حزب البعث في عراق ما بعد 2003
التنظيم، الأجيال الجديدة، الدولة ومستقبل الحزب
د. فارس الخطاب

بعد أكثر من ثلاثة وعشرين عامًا على احتلال العراق وإقصاء حزب البعث العربي الاشتراكي من السلطة، وحظره دستوريًا وقانونيًا، ما زال اسم الحزب يظهر في البيانات الأمنية والقضايا القضائية والسجالات السياسية، كما تؤكد السلطات العراقية إنها رصدت في السنوات الأخيرة شبكات ومحاولات لإعادة التنظيم واستقطاب شباب عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
من هنا ثمة فرق كبير بين بقاء بعثيين من الجيل الذي عاش تجربة الحزب في الحكم، وبين قدرة تنظيم سقطت دولته قبل أكثر من عقدين على استقطاب أشخاص لم يعيشوا تلك الدولة أصلًا واغلبهم ولدوا بعدها. من هنا فإن السؤال الذي أحاول الإجابة عنه ليس سؤالاً تنبؤياً لا تسمح الأدلة المتاحة بإجابة علمية قاطعة عنه كأن يكون مثلا: هل سيعود حزب البعث إلى حكم العراق؟ بل سيكون هذا السؤال مصاغاً بإسلوب مباشر وواقعي وهو: ما الذي بقي من حزب البعث في عراق ما بعد 2003؟ وهل ما نشاهده مجرد بقايا تنظيم تاريخي، أم محاولات لإعادة إنتاجه اجتماعيًا وتنظيميًا داخل عراق مختلف تمامًا عن العراق الذي حكمه؟
وتقتضي الإجابة التمييز باستمرار بين أربع ظواهر كثيرًا ما تختلط في النقاش العراقي: العضوية التنظيمية، التعاطف السياسي، الترويج الإلكتروني، والحنين إلى بعض صور الدولة السابقة. فليست هذه الأشياء مترادفة، ولا يجوز جمعها في رقم واحد أو اعتبارها دليلًا واحدًا على قوة الحزب أو ضعفه. ومهما تكن الآراء المتعلقة بهذا الأمر، فإن هناك عناصر كثيرة تحتاج إلى وضعها في حسابات المنجز أو الذي يمكن أن ينجز في العراق مستقبلاً.
أولًا: سقوط الدولة وحظر الحزب
سقط نظام الرئيس الراحل صدام حسين في أبريل/نيسان 2003، ثم بدأت سلطة الائتلاف المؤقتة عملية اجتثاث البعث، قبل أن تنتقل القضية لاحقًا إلى “حظره” وفق النظام الدستوري والقانوني الذي تم إعداده في العراق بظروف غير طبيعية وتحت سلطة الاحتلال، وقد ثبّت الدستور العراقي لعام 2005 الحظر بصورة صريحة. فالمادة السابعة تحظر الكيانات والبرامج التي تتبنى أو تروج أو تمجد، من بين ما تسميه، «البعث الصدامي في العراق ورموزه وتحت أي مسمى كان». (الدستور العراقي، المادة 7). كما اشارت المادة 135، الخاصة بهيئة اجتثاث البعث، التي تنص في فقرتها الخامسة على أن مجرد العضوية في حزب البعث المنحل لا تُعد أساسًا كافيًا للإحالة إلى المحكمة، وأن العضو يتمتع بالمساواة أمام القانون وحمايته ما لم يكن مشمولًا بأحكام الاجتثاث. (الدستور العراقي، المادة 135) أي أن النظام الدستوري الذي حظر الحزب ميز بين الحزب المحظور وبين المسؤولية الفردية، وهذا التمييز سيصبح ضروريًا لاحقًا عند دراسة الاعتقالات والانتماء السابق والحالي.
وفوق هذا وذاك فإن تفاصيل التنظيمات الحزبية للبعث في العراق لم تتمكن قوات الإحتلال ولا الحكومات المتعاقبة من إذابتها بقرار فهي تتعلق بمصير شبكة بشرية كبيرة وفكر سياسي عقائدي راسخ وذاكرة اجتماعية امتدت عقودًا.

ثانيًا: من اجتثاث البعث إلى المساءلة والعدالة
لم يبق ملف البعث على الصورة التي بدأ بها عام 2003.
ففي يناير/كانون الثاني 2008 أقر مجلس النواب قانون المساءلة والعدالة الذي حل محل الإطار السابق لاجتثاث البعث، وأعاد تنظيم طريقة التعامل مع أعضاء الحزب السابقين ومواقعهم في الدولة. وقد أثار القانون منذ البداية خلافًا حول العلاقة بين العدالة الانتقالية والمصالحة السياسية؛ فمنظمة Human Rights Watch، على سبيل المثال، رحبت ببعض جوانب الإصلاح لكنها طالبت بضمانات أقوى للعدالة والتركيز على الأفعال الفردية بدل الانتماء الجماعي، محذرة من إمكانية الاستخدام السياسي للإجراءات. (Human Rights Watch، 20 فبراير 2008)
وهذه المسألة ليست هامشية في دراسة البعث المعاصر؛ فالعراق لم يكن يتعامل بعد 2003 مع حزب فقط، وإنما مع إرث دولة كان الحزب متداخلًا فيها مع الجيش والإدارة والتعليم والوظيفة العامة ومؤسسات المجتمع، ومن هنا أصبحت الحدود بين المحاسبة على جرائم النظام، واجتثاث الحزب، وإقصاء الأفراد، والمصالحة الوطنية موضوعًا سياسيًا مستمرًا.
ثالثًا: ماذا بقي من التنظيم؟
لا توجد إحصائية مستقلة موثوقة لعدد أعضاء حزب البعث داخل العراق اليوم، كما لا توجد قوائم عضوية علنية، ولا خريطة يمكن التحقق منها لفروع الحزب، ولا بيانات مستقلة تبين أعمار أعضائه أو محافظاتهم أو مستوياتهم التعليمية والاجتماعية، وهذا متوقع جزئيًا؛ فالحزب مبني في أساسه على العمل السري قبل أن يكون محظوراً ولا يستطيع ممارسة النشاط العلني بالطريقة التي تمارس بها الأحزاب القانونية نشاطها.
لذلك فإن معظم معلومات الباحثين والمهتمين عن وجوده الداخلي تتركب من ثلاثة أنواع من المصادر وهي: بيانات الأجهزة الأمنية والقضاء العراقي، مصادر إعلامية وبحثية مستقلة، ومصادر الحزب نفسه. ولا يمكن التعامل مع الأنواع الثلاثة بالطريقة نفسها؛ فرواية الحزب مصدر أولي لمعرفة ما يقوله الحزب عن نفسه، وليست دليلًا مستقلًا على قوته. وبالمثل، فإن بيان جهاز أمني ما داخل العراق يثبت أن الجهاز أعلن واقعة أو اتهامًا، لكنه لا يحول كل اتهام تلقائيًا إلى حقيقة قضائية نهائية. هذه القاعدة المنهجية ضرورية لفهم الأرقام التي ستأتي لاحقًا.
رابعًا: من الحالات المتفرقة إلى أربع عشرة محافظة
أحد أهم التطورات التي توفر لنا دليلًا ملموسًا على اتساع نطاق ملف البعث وقع في أكتوبر/تشرين الأول 2025؛ فقد أعلن جهاز الأمن الوطني العراقي عن عملية استخبارية استمرت ثلاثة أشهر وشملت 14 محافظة، وأسفرت، بحسب الجهاز، عن اعتقال 135 شخصًا مشتبهًا بانتمائهم إلى حزب البعث أو الترويج له بموجب مذكرات قضائية. وقال متحدث الأمن الوطني إن الشبكات كانت تحاول استقطاب الشباب وتأسيس مجموعات سرية واستخدام مواقع ومنصات التواصل الاجتماعي. (Rudaw، 17 أكتوبر 2025) كما ذكر بيان منسوب إلى الجهاز أن التحقيقات أظهرت، بحسب روايته، ارتباط الشبكات بجهات خارجية تحاول إعادة هيكلة التنظيم واستقطاب الشباب عبر حملات إلكترونية. (Shafaq News، 12 أكتوبر 2025)
هذه العملية مهمة؛ كونها تجمع ثلاث متغيرات في واقعة واحدة؛ امتداد جغرافي واسع، محاولات لإعادة التنظيم، واستقطاب الشباب. لكنها لا تثبت وجود تنظيم جماهيري متكامل في أربع عشرة محافظة فوجود شخص أو خلية أو نشاط إلكتروني في محافظة ما لا يساوي وجود فرع حزبي واسع فيها. لذلك فإن التعبير الأدق هو أن النشاط الذي قالت السلطات إنه مرتبط بالبعث ظهر في عملية أمنية امتدت إلى 14 محافظة، وليس أن الحزب يسيطر تنظيميًا على أربع عشرة محافظة.

خامسًا: الجيل الذي لم يحكمه البعث
هنا نصل إلى أكثر جوانب الظاهرة أهمية من منظور مستقبل الحزب، فبقاء بعثي قديم بعثيًا ليس لغزًا سياسيًا، فالشخص الذي انتمى إلى الحزب قبل عقود، وبنى داخله جزءًا من هويته السياسية والاجتماعية، قد يحتفظ بقناعته به بعد رحيل النظام، لكن ماذا عن شخص يبلغ الثانية والعشرين أو الخامسة والعشرين في عام 2026؟ هذا الشخص لم يعش حكم حزب البعث، ولم يكن عضوًا في منظماته، ولم يحصل على وظيفة في دولته، ولم يخدم في مؤسساته، ولم يخسر موقعًا سياسيًا بعد سقوط النظام، بل إن بعض هؤلاء لم يكونوا قد وُلدوا عندما رحل الرئيس العراقي وقائد البعث صدام حسين، بمعنى آخر إذا انجذب شخص من هذا الجيل إلى الحزب، فإن تفسيره بوصفه من “بقايا النظام السابق” يصبح غير منطقي.
وهنا يفرض السؤال المركزي نفسه: هل يستطيع البعث إنتاج بعثي ما بعد 2003؟ هذا السؤال أهم من معرفة عدد أعضاء الجيل القديم؛ لأن قدرة أي تنظيم سياسي على البقاء طويلًا ترتبط بقدرته على تجديد قاعدته البشرية، فإذا بقي الحزب محصورًا في جيله التاريخي، فإن الزمن يعمل ضده، لكن إذا نجح في إنتاج عضوية من أجيال جديدة، فنكون أمام ظاهرة سياسية مختلفة تستحق تفسيرًا مستقلًا.
سادسًا: هل توجد أدلة فعلية على استقطاب الشباب؟
المتاح حتى الآن يسمح بإثبات محاولة الاستقطاب أكثر مما يسمح بقياس نجاحها، فالأمن الوطني تحدث صراحة في عملية 2025 عن محاولات لجذب الشباب إلى مجموعات سرية عبر وسائل التواصل. (Rudow، 17 أكتوبر 2025)، كما أكدت تغطيات أخرى للعملية أن الجهاز ربط النشاط الإلكتروني بمحاولات تجنيد شباب وإعادة تنظيم شبكات الحزب. (Shafaq News، 12 أكتوبر 2025)
لكننا لم نتمكن من الحصول على قاعدة بيانات مستقلة تقول لنا كم شخصًا استُهدف، وكم استجاب، وكم أصبح عضوًا تنظيميًا فعليًا، كما لم يعلن عن التوزيع العمري للـ135 شخصًا الذين تم اعتقالهم عام 2025. لكن ما يمكننا قوله أن هناك محاولات موثقة رسميًا لاستقطاب الشباب وإن السلطات تعاملت معها باعتبارها ملفًا أمنيًا ذا امتداد جغرافي واسع فهو استنتاج يمكن الدفاع عنه بالمصادر.
سابعًا: بعثيون لأسباب واقع ما بعد الإحتلال؟
إذا ثبت وجود أعضاء جدد ولدوا أو نشأوا سياسيًا بعد 2003، فقد يكون من المفيد التفكير في أسباب انتمائهم للحزب، أي أن انتماءهم لم ينشأ من تجربة حكم البعث أو امتدادا لها، وإنما من تجربتهم مع العراق الذي جاء بعده. لكن هذه فرضية ينبغي اختبارها، لا نتيجة ينبغي افتراضها.
فقد يكون بعضهم مؤمنًا بالعقيدة البعثية فعلًا؛ كالقومية العربية، وأهداف البعث، وخطاب السيادة الذي كان العراق يتميز به قبل الاحتلال، وقد يبحث آخر عن الدولة المركزية، لكن الأكثر رجاحةً؛ استخدام البعث كرمز للاحتجاج على النظام السياسي القائم، كما قد تلعب الأسرة والبيئة الاجتماعية والذاكرة المحلية دورًا. من هنا كانت الضبابية الجبرية هي من تحيط أفكار وأعمال هؤلاء الشباب؛ فقد نعرف شيئًا عما تفعله الأجهزة الأمنية تجاه المنتمين المشتبه بهم، لكننا نعرف القليل عما يدور في أذهان الشاب الذي ينتمي إلى الحزب ولم تعلم به الأجهزة الأمنية في العراق.
ثامنًا: العقيدة أم الاحتجاج؟
مما تقدم آنفاً يجب التمييز بين مشهدين مختلفين. الأول هو التنظيم العقائدي؛ أي أن يكون الحزب قادرًا على إقناع جيل جديد بأيديولوجيته ومشروعه السياسي. والثاني هو الانتماء الاحتجاجي؛ أي أن يصبح الحزب لدى بعض الأفراد رمزًا للاعتراض على النظام الفاسد ما بعد 2003. في الحالة الأولى تكون قوة الجذب في الحزب نفسه، وفي الثانية يكون جانب من قوة الجذب نابعًا من رفض الحاضر. وهذا فارق جوهري بالنسبة إلى مستقبل التنظيم؛ فالتنظيم الذي يستطيع إعادة إنتاج عقيدته أقوى من تنظيم لا يجذب إلا الساخطين مؤقتًا.
تاسعًا: الإنترنت بدل المقر الحزبي
بعد إحتلال العراق عام 2003 تغيرت بيئة العمل السياسي جذريًا، فقد كان حزب البعث الحاكم تنظيمًا هرميًا يمتلك دولة كاملة تقريبًا لتوفير بنيته السياسية والإعلامية والتنظيمية. أما البعث “المحظور” اليوم فيعمل في ظروف مختلفة، وقد وضع الأمن الوطني نفسه وسائل التواصل الاجتماعي في قلب حديثه عن محاولات الاستقطاب عام 2025. (Rudaw، 17 أكتوبر 2025)، وهذا تحول استراتيجي؛ فالشاب لا يحتاج إلى وجود مقر حزبي في مدينته حتى يتعرض إلى خطاب سياسي، كما ان الهاتف أصبح قادرًا على تجاوز الحدود والمحافظات. لكن ومع انتشار هذه الأدوات يبقى الحضور التنظيمي اقوى وابلغ تأثيرا من الحضور الرقمي فالمتابع ليس عضوًا، والمعجب بمنشور ليس بعثيًا بالضرورة، ومن يشاهد محتوى تاريخيًا عن دولة البعث وإنجازاتها لا يصبح جزءًا من التنظيم. ولهذا أيضاً فإن عدد الحسابات أو المشاهدات أو المشاركات على وسائل التواصل الاجتماعي لا يمكن استخدامه بمفرده لقياس حجم الحزب.
عاشرًا: معركة الذاكرة
ثمة حزب بعث تنظيمي مستمر بطريقة وأخرى، لكن ثمة أيضًا “بعث” في الذاكرة العراقية عامةً. وهما ليسا الشيء نفسه. فالذاكرة العراقية عن مرحلة ما قبل 2003 منقسمة بشدة. هناك من يستحضر الدولة المركزية والجيش والمؤسسات والتعليم ومراحل من الاستقرار الاجتماعي. وهناك من يربط ذلك كله بشخص القائد التاريخي للحزب والدولة، صدام حسين وما كانت يمتلكه من مقدرات قيادية وشخصية منحت العراق هيبة دولية وإقليمية وسيادة مطلقة على أرض وسماء ومياه كل العراق. لكن جيل ما بعد 2003 يمتلك علاقة مختلفة بالتاريخ؛ فهو لا “يتذكر” حكم البعث بالمعنى الشخصي، بل إنه يتلقاه عبر ذاكرة الآخرين منالأسرة، المدرسة، الإعلام. ومن وسائل التواصل، وهذا يجعل الماضي قابلًا لإعادة التركيب ويمنح الشباب مساحات للتأمل والمقارنة بين إنجازات البعث خلال حكمه للعراق، وبين حالات الخراب والفساد والتخلف وانعدام الخدمات والتجاوزات على حقوق الانسان والتغييب القسري وغيرها خلال حكومات الاحتلال وما بعده. هذا التنافس التاريخي يوجد ما يمكن تسميته بالصراع السياسي بين مسارين مختلفين تماماً.
الحادي عشر: ربط الحزب في أذهان الشباب
إستكمالاً للفقرة السابقة يبرز سؤال منطقي آخر: هل بعض الشباب الذين يبدون إعجابًا بمرحلة سابقة معجبون بالبعث أم بصورة معينة عن الدولة؟ تشمل، الدولة القوية، السيادة، المركزية، القانون، الهوية الوطنية أو القومية الجامعة والجيش.
هذه الأفكار ليست ملكًا فكريًا لحزب البعث، ويمكن أن تتبناها تيارات وطنية وقومية ومدنية لا علاقة تنظيمية لها بالحزب؛ لذلك فإن انتشار خطاب يطالب بالدولة المركزية أو رفض المحاصصة لا يجوز استخدامه دليلًا على انتشار البعث. لكن إذا استطاع الحزب أن يربط نفسه في أذهان الشباب العراقي بهذه المفاهيم، فقد يحقق حضورًا يتجاوز حجمه التنظيمي الحالي. (وهذه نقطة تستحق دراسة مستقلة.)
الثاني عشر: الحملات الأمنية والقضائية
الحزب معارضة قانونية في العراق كونه عارض الإحتلال الأمريكي ثم السيطرة الإيرانية على مقدراته، لكنه في ذات الوقت تنظيم محظور حسب ما أقره الجانبان الأمريكي – الإيراني عند كتابة الدستور أو خلال حكم البلاد طيلة 23 عاما، ولإنه حزب معارض سياسياً فاعل لنظام متربص به طيلة عقود من الزمن فإن القوى الأمنية وقادة الكتل والأحزاب النافذة في العراق يتم التعامل مع نشاطه من خلال الأمن والقضاء.
العمليات المعلنة في 2025 تظهر حجمًا غير قليل من النشاط الأمني ضد الشباب المتهم بالعضوية في الحزب أو الترويج له. (Rudaw، 17 أكتوبر 2025) كما أن المجال الإلكتروني أصبح جزءًا من الملاحقات القضائية. فقد وثق تقرير Freedom House عن حرية الإنترنت في العراق أحكامًا بالسجن مرتبطة بالترويج لأفكار حزب البعث عبر وسائل التواصل؛ وأشار إلى حكم بالسجن ست سنوات في يونيو/حزيران 2024، وحكم آخر بالسجن عشر سنوات في واسط في أغسطس/آب 2025. (Freedom House، Freedom on the Net 2025). هذه الأحكام والاعتقالات لم تفرّق بين المشتبه بهم بالانتماء، الترويج، التمجيد، أو النشاط التنظيمي.
الثالث عشر: هل تكفي المقاربة الأمنية؟
الدولة ملزمة بتطبيق قوانينها، والحزب محظور في النظام القانوني العراقي. لكن التحليل الاستراتيجي لا ينتهي عند السؤال الأمني. فالأمن يستطيع كشف شبكة أو اعتقال مشتبه به أو إحالة قضية إلى القضاء. لكنه لا يجيب وحده عن أسباب اعتناق الشباب لعقيدة البعث؟ فإذا كان السبب عقائديًا، فهناك سؤال فكري. وإذا كان اجتماعيًا، فهناك سؤال اجتماعي. وإذا كان سياسيًا احتجاجيًا، فهناك سؤال متعلق بالنظام السياسي. وإذا كانت الدوافع مختلطة، فلا تستطيع مقاربة واحدة تفسير الظاهرة كلها. وهذا كله لا يعني إصدار حكم على الإجراءات الأمنية، وإنما يعني أن قياس التنظيم شيء وتفسير إنتاج العضوية شيء آخر.

الرابع عشر: البعث ليس مرادفًا لمكوّن عراقي
أحد أكثر الاختزالات إشكالية بعد 2003 هو الخلط أحيانًا بين تنظيم حزب البعث والبيئة العربية السنية. وهذا غير دقيق تاريخيًا واجتماعيًا؛ فالحزب كان وما زال يضم كل خلفيات وطوائف ومناطق العراق المتنوعة، وإن اختلفت مواقع الجماعات والأفراد داخل النظام. وبالمقابل لا يمكن اختزال العرب السنة في العراق في الحزب، وهذه النقطة ضرورية خصوصًا عند دراسة اجتثاث البعث والتمثيل السياسي بعد 2003؛ فالتحليل الذي يحول الانتماء الطائفي إلى دليل على الانتماء الحزبي لا يفسر العراق؛ بل يعيد إنتاج جزء من مشكلتها لتي أوجدتها العملية السياسية في النظام العراقي الجديد.
الخامس عشر: الشباب والفراغ السياسي
كشفت احتجاجات ثورة تشرين منذ 2019 عن وجود جيل عراقي يريد تغييرًا واسعًا، ولم يكن مشروعه إعادة نظام البعث بشكل مباشر، بل إن جميع شعاراتها كانت تدور حول الدولة، المواطنة، الفساد، السيادة، والإصلاح. ومع ما أحدثته تجربة تشرين من تأثير على واقع العملية السياسية في العراق واستقطابها للأضواء الدولية والإقليمية حول احتياجات الشعب العراقي ورفضه تسليم بلاده إلى “إيران”، لكن مع كل ما جرى وما قدمت من تضحيات لم يستطع الفاعلون فيها إنتاج بديل سياسي مؤسسي كحزب البعث قادر على الاستمرار؟
لكن الشباب الذي يرفض النظام ولا يجد بديلًا قد ينسحب من السياسة، أو ينخرط في المجتمع المدني، أو يبحث عن حركة جديدة، أو يتجه نحو خطاب قومي أو ديني أو احتجاجي، وهو ما يمّكن حزب أصيل وقديم من الاستفادة من هذا الفراغ وتعبئته تنظيميا وعقائدياً.
السادس عشر: البعد الإيراني في مراقبة النشاط البعثي
لا تكتمل قراءة البيئة الأمنية المحيطة بحزب البعث من دون الإشارة إلى العامل الإيراني. فإيران راكمت منذ ما قبل 2003 معرفة استخباراتية وسياسية واسعة بالساحة العراقية، ثم توسع نفوذها بعد سقوط نظام صدام حسين من خلال علاقاتها بأحزاب وقوى وفصائل عراقية موالية لها، كما تشير دراسات متخصصة إلى نشاط طويل الأمد لفيلق “القدس” وأجهزة الاستخبارات الإيرانية داخل العراق وقيامها بجمع المعلومات وبناء شبكات المصادر والعمل عبر حلفاء محليين. كما ارتبطت المصلحة الاستراتيجية الإيرانية تاريخيًا بمنع عودة العراق إلى موقع الخصم العسكري الذي مثله خلال عهد البعث، ودعمت طهران حلفاءها في العراق طيلة الـ 23 عاماً في تشديد قبضتها على البعثين من بوابة اجتثاث البعث.
السابع عشر: ثلاث مسارات للمستقبل
يمكن وضع ثلاث مسارات ومراقبة المؤشرات التي تدعم كلًا منها.
المسار الأول: التآكل
يبقى الحزب مرتبطًا في الأساس بجيله القديم، وهنا يبرز عامل الزمن كعنصر ضاغط، وفيه تكون محاولات استقطاب الشباب محدودة النجاح، ويتحول الحزب تدريجيًا من تنظيم فاعل إلى ذاكرة.
المسار الثاني: البقاء السري المحدود
يستطيع الحزب المحافظة على شبكات صغيرة وحضور إلكتروني واتصالات داخلية وخارجية، لكنه يعجز عن التحول إلى قاعدة اجتماعية واسعة. هنا يبقى ملفًا أمنيًا وسياسيًا، دون أن يصبح منافسًا جماهيريًا.
المسار الثالث: التجدد الجيلي
ينجح التنظيم في استقطاب أعداد مستمرة من الأشخاص الذين لم يعيشوا حكمه. عندها سنكون أمام ظاهرة مختلفة جذريًا؛ لأن الحزب يكون قد نجح في عبور الفاصل التاريخي لعام 2003 وإعادة إنتاج نفسه في جيل جديد. وهناك مؤشرات مستقلة كافية لإثبات تحقق هذا المسار. الشاب العراقي في عام 2026 يعيش عالمًا مختلفًا عما كان فيه الجيل الذي سبقهم؛ اقتصاد رقمي، هجرة، بطالة، شبكات اجتماعية، صراعات إقليمية مختلفة، وعلاقات جديدة منشودة مع الخليج وتركيا والولايات المتحدة. فإذا كان الحزب يريد استقطاب هذا الجيل، فعليه ألا يعرض عليه أدبيات البعث القديم نفسه أو بطريقة الكسب ذاتها، بل يحتاج إلى تحليل منظم لخطاب حزبي معاصر يجمع بأدبياته التاريخية وطموحات الشباب العراقي وتطلعاته.
إن مستقبل حزب البعث في العراق لن تحدده ذاكرة صدام حسين كقائد نموذجي للعراق وحدها، ولا إجراءات الدولة وحدها، ولا قيادة الحزب وحدها؛ سيحدده نجاح أو إخفاق العراق الجديد في إقناع الجيل الذي وُلد بعد 2003 بأن مستقبله موجود أمامه، لا خلفه.

















































