عبدالنبي بزاز

كاتب من المغرب
ينفتح شعر ” معراج المعصية ” للشاعر السوري المثنى الشيخ عطية على آفاق تعج بموضوعات غنية ومتنوعة ، وتنفتح على أبعاد رمزية وجمالية ودلالية عبر أدوات وعناصر إبداعية بنمط شعري ذي خاصيات وميزات يهيمن عليها الطابع النثري ، والذي لا يخلو من اختراقات إيقاعية تكسر رتابته النثرية ؛ بين ما هو داخلي تردد في كثير من المقاطع والجمل ، بدءا من النص الأول ” لا فتحة لا كسرة في سرير الحب : ” بأسرار الأشجار وألوان الأزهار وصوت طنين النحل … ” ص7، حيث يتكرر حرف الراء ، وما يخلقه ذلك من نبرة إيقاعية داخلية ، وتكرار فعل ” أكُون ” المشتق من الكون في ارتباط بالكان : ” أكون الكون والكان وما سوف يكون في ميقاتي / أكون أن أعرف ولا أعرف من أكون ” ص16، واعتما دا على نفس حروف الكاف والواو والنون في استعمالات تضفي لونا موسيقيا على العبارة . والقافية المُشَكَّلة من الهمزة والياء : ” إن كنت أمامي لو كنت خلفي في سمائي ومائي ” ص29، والهمزة وحدها : ” أسأل الماء في بحيرات السماء عن الفناء ” ص41، وأخرى خارجية كما في قوله : ” رافعا يديه حاضنا سماها / متمتما روح قصيدة لا يعرف منتهاها ” ص61، في اختتام الجملتين بقافية الهاء والألف ، وبقافية الياء والدال في : ” الشمس نار الجليد / أنا القريب البعيد / نار الضياع والضياع من جديد ” ص62، وكلها نماذج لصيغة إيقاعية متنوعة أضفت على النصوص تنويعا وتبديلا غير رتابة الإيقاع ونمطيته .

وكان للجانب البلاغي حضورا في متن المجموعة الشعرية ، حيث تنوع بين جناس : ” وأشكرك على منحي مع غيري ودون غيري … ” ص8، وفي قوله كذلك : ” أوصل بخيطان حرير جسور المجرات بالمجرات … “ً ص15، وهو جناس تام في ( غيري ، والمجرات ) ، وطباق كما ورد في : ” أداخل جياد الموت بجياد الحياة ” ص15، في مقابلة الموت للحياة ، والتذكر للنسيان : ” عصيا على التذكر والنسيان … ” ص49، والعدم في مقابل الوجود : ” لا يعرف إن كان في عدم أو وجود ” ص51، وهو ما يخلق صورا شعرية كثيرة ، نذكر منها : ” ودع هذي الطيور الوسيمة تكمل رحلة عشقها فيك … ” ص39، في رسم علاقة عشق بين طيور جميلة عبر رحلة اتحاد وذوبان في ذات الشاعر : ” وعلى نار كستنائك تشوي رؤاك / وتتحسس النار التي تجري أنهارا / في شرايين قصيدتك ” ص75، بتصوير الرؤى ، وهي تحترق وتتلظى ، فوق نار الكستناء ، التي تتحول إلى أنهار تغمر مياهها مجاري القصيدة ، وتحيطها بأجواء من غبطة وحيوية . وموازاة مع هذه الصور تبرز الاستعارة كعنصر بلاغي يثري نصوص المجموعة بما يخلعه عليها من تصوير جمالي دال ومعبر ، كاستعارة الثياب للخوف ، واليد للشجاعة في قوله : ” نعمة رمي ثياب الخوف بيد الشجاعة ” ص8، والسيف للكلام ، الذي يستخدمه في كسر أقلام رصاص مرتبطة بمتلازمة الخضوع : ” أكسر بسيف الكلام أقلام رصاص متلازمة الخضوع ” ص15، وما ينتج عن ذلك من نسق متنوع الأطراف التي لا تتورع في اقتراف أفعال غير متوقعة . وهي أنماط من استعارة متعددة ومختلفة ؛ كاستعارة الخيوط للصوت : ” أمسك بخيوط الصوت ” ص16، والملابس للحيرة : ” أرتدي ثياب الحيرة ” ص16، والرحيق للزمن ويرتشف رحيق الزمن ” ص74، في استخدام بلاغي ينسج صورا تنأى عن أنماط التعبير الشعري ، وتشذ عن سياقاته واستعمالاته المجازية المعروفة .
إلا أن تعابير وصِيَغ هذه الصور لا تخلو أيضا من غرابة ، كما نقرا في : ” وتقطع رأسي / ترتديه وتضع مكانه رأسها ” ص32، وهو فعل لا يمكن تصوره أو تخيله متمثلا في فصل الرأس عن الجسد ، وتعويضه برأس الفاعلة ، وان يتحول المَلِك إلى مُهَرِّج يُضْحِك ، ويُسَلِّي مُهَرِّجه بتبديل وتبادل للأدوار في مشهد غير مألوف . وهناك جوانب أخرى تناولها الشاعر في نصوص مجموعته ، كالجانب الديني كما في قوله : ” وتكونين / بشرية ناجية من نفسها الأمّارة بالسوء …” ص45، استيحاء من سورة ” يوسف” ، وتلاوة لسورة المُلْك : ” وأتلو سورة الملك بمرآتي … ” ص54، والانتقال إلى المسيحية باستحضار أماكن العبادة كالكنيسة ، ورموزها المعروفة من مريم العذراء ، والمسيح : ” على باب كنيسة العذراء حاضرة مسيحا ” ص59، ومرجعيات أخرى في مجال التصوف في ذكر لقواعد العشق الأربعين لجلال الدين الرومي : ” يتقاطر/ عطرا عاصيا قواعد العشق الأربعين … ” ص 49، وورد ت أيضا كذلك في ثنايا نصوص المجموعة أسماء العديد من الأعلام من متصوفة مثل الحلاج : ” أستعين بجنون خطى الحلاج على درب الألم ” ص16 ،ومحيي الدين بن عربي : ” في ركن الدين حيث يركن محيي الدين بن عربي / دراجته على طرف الرصيف … ” ص60، الذي يصوره في مشهد حديث وهو يوقف دراجته على طرف الرصيف ، وشعراء مثل عمرو بن كلثوم : ” ويأسر الأمير القادم بسيف صخب عمْر بن كلثوم ” ص59، وتشكيليين كأمثال دافنتشي ولوحته الخالدة موناليزا : ” ابتسامة موناليزا بشارب دافنتشي في تَحوّلاتها … ” ص78، ومن الأساطير القديمة كعشتار من آلهة حضارة الرافدين : ” في أعراق الكائنات بأنفاس عشتار ” ص78، ومن الحضارة السومرية بالعراق أسطورة جلجامش : ” بعد أن تخلى جلجامش عن قتل ثور عشتار السماوي ” ص35، وهي القصة الأسطورية التي نسجت حول ما دار بين عشتار وجلجامش حين رفض الزواج منها ، وما كان من قتل جلجامش وانكيدو لثور عشتار .
ثم الانتقال لذكر عالِم النفس النمساوي / اليهودي فرويد ، وبروميثيوس من آلهة الميثولوجيا الإغريقية : ” ينهي بها سلوك سيغموند فرويد في وجوده بصحراء سيناء / بعد أن كف النسر عن أكل قلب بروميثيوس” ص 35، وأورفيوس وهو أعظم شاعر وموسيقي في ميثولوجيا الإغريق ، والذي عُرِف بحبه الشديد ليوريديس التي تزوجها فتوفيت : ” وعاد أورفيوس العاشق بحبيبته سعيدا من الجحيم ” ص35، ومن الفكر اليوناني الفيلسوف أفلاطون : ” بعد أن منح أفلاطون مدينته الفاضلة للسوريين … ” ص36، وما يطرحه، منح أفلاطون مدينته الفاضلة ، للسوريين المُهَجَّرِين والمُرَحَّلين من وطنهم من أسئلة حول علاقتهم بالسِّلم والاستقرار المنشوديْن ، ومدى ما تمثله جمهورية أفلاطون بنظامها العادل من توق وشوق لشعب مضطهد كالشعب السوري لملاذ كجمهورية أفلاطون . والمسيح : ” بعد أن نزل المسيح عن صليبه ” ص36،ومحمد (ص) :
” بعد أن ترجل النبي محمد عن براقه ” ص36، في علاقة المسيح بالصليب ، ورحلة محمد ( ص) عبر البراق ، و قصة نبي الله إبراهيم مع زوجته : ” بعد أن جبر إبراهيم خاطر زوجته بإنجاب بنات / بدل إسماعيل وإسحاق ” ص36، في اختراع قصة من نسج الخيال تجسد رغبة زوج إبراهيم الخليل في إنجاب بنات عوض إسماعيل وإسحاق ، وربط العدوان الإسرائيلي على أطفال فلسطين بحائط المبكى : ” بعد أن وجدت إسرائيل جدار مبكاها في داخلها / على من قتلت من أطفال الفلسطينيين ” ص36، وما يرتبط به من تساؤلات ذات خلفية عقدية دينية في تجريم سفك دماء الأبرياء. وفي الجانب التاريخي برز حضور الأندلس بثقلها الحضاري ، وإشعاعها الأدبي ، متمثلا في قصر الحمراء : ” في واجهة قصر الحمراء ” ص104، وشعراء من قبيل المعتمد بن عباد ، وابن زيدون : ” عش قيد شاعر أندلسك المعتمد بن عباد … / في تنائي وتداني ابن زيدون بعشيقاته وعشاقه ” ص104، والمورسكيين ، والشاعر الإسباني لوركا : ” جامعا دموع الموريسكيين في غرناطة / قتيلهم لوركا… ” ص 105، وما يعانيه الشعب الفلسطيني من ظلم وجور ، مجسدا في شتى أشكال التقتيل ، والتهجير ، والإبادة التي لم تفلح في إرغامه على التراجع والاستسلام بل تمسك بخيار النضال والمقاومة والصمود من أجل انتزاع حريته المسلوبة ، والحصول على استقلاله : ” أهمز خاصرة براقي لألاقي / طوفان أعلامي في تنامي المظاهرات / سوداء بيضاء خضراء حمراء صادحة بأغنياتي / حرية فلسطين ” ص122 .
وكثيرة هي الأسماء التي ورد ذكرها في شتى المجالات ؛ كالشيعة ، والمهدي المنتظر ، والصليبيين ، والدواعش ، ومدارس فنية من انطباعية ، وتكعيبية ، وفنانين تشكيليين مثل فان غوخ ، وكُتاب وفلاسفة كفولتير ، وروائيين مثل إبراهيم الكوني … وهو ما شَكَّل استيحاء من مرجعيات عقدية ، وفنية ، وأدبية ، وانفتاحا على موضوعات متنوعة أغنت نسيج المجموعة الإبداعي فغدا أكثر تنوعا وعمقا ورحابة .
فشعر ” معراج المعصية ” غني بموضوعاته المتنوعة ، ومرجعياته المتعددة ، وأدواته وعناصره الإيقاعية والبلاغية ، وما تنتجه من صور ذات معاني مختلفة ، ودلالات مغايرة تمنحه قيمة إبداعية موسومة بروح التجديد التي أسهمت في التأسيس لتجربة شعرية تمتلك خاصيات وميزات الفرادة والابتكار.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــ معراج المعصية ( شعر) المثنى الشيخ عطية / المؤسسة العربية للدراسات والنشر ـ بيروت لبنان2025 .


















































