شرائع القتل اللذيذة .. قصة قصيرة من مصر

17 أكتوبر 2026
شرائع القتل اللذيذة .. قصة قصيرة من مصر


عبداللطيف مبارك

قاص من مصر

استيقظتُ فوجدتُ اسمي مكتوباً في الجريدة… وتحت العنوان الرئيسي مباشرة، بخط عريض وبارد، كانت تفاصيل جريمة قتل لم تقع بعد، أو ربما وقعت في عالمٍ آخر وأنا الغائب عنها.
​كان الصمت في الشقة يطبق على صدري كبطانية صوفية مبللة في ليلة شتوية عابسة. ضوء خافت ينزلق من شقوق الستائر، ليعانق غبار الغرفة المتطاير كأنه أرواح هائمة تبحث عن أجساد. فركتُ عينيّ مراراً، كمن يرجو أن يتبدد الكابوس، لكن الورقة كانت حقيقية، حبرها الرطب ما زال يلطخ أطراف أصابعي المتجمدة. اسمي… “سليم العِزّي”… مقروناً بتهمة بشعة: “القاتل المجهول الذي سلب روح الكاتب الشهير رأفت العطار في تمام منتصف الليل”.
​تأملت الساعة الحائطية المعلقة أمامي؛ عقاربها كانت تتحرك ببطء مرعب، تشير إلى الحادية عشرة والنصف ليلاً. نصف ساعة تفصلني عن الموعد المحدد في الجريدة. هل أنا أمام نبوءة صحفية مجنونة؟ أم أنني بطل رواية رديئة كتبها عقل مريض وألقى بها على عتبة بابي؟
​رفعت الجريدة بيدي المرتجفتين، وبدأت أقرأ التفاصيل الدقيقة التي جعلت شعر رأسي يقشعر. لم تكن مجرد إخبارية عادية، بل كانت وصفة طهي جريمة، أو ما أسماه الكاتب الراحل في مقاله الأخير “شرائع القتل اللذيذة”. تذكرت فجأة ذلك المقال المثير للجدل الذي نشره رأفت قبل أسابيع، والذي تحدث فيه عن ارتقاء الجريمة إلى مصاف الفنون الرفيعة؛ حيث لا يكون القتل مجرد إزهاق للروح، بل هو تذوقٌ فاخر لتناغم الأعصاب وسكون الأنفاس الأخيرة، تماماً كما يستمتع الذواقة بطبق فاخر أُعد بعناية فائقة.
​”القتل اللذيذ لا يعترف بالعشوائية، بل يقوم على طقوس مقدسة”، هكذا كانت إحدى مقولات رأفت الشهيرة تتردد في أذني صدىً مزعجاً.
​وجدت نفسي منجذباً نحو الخزانة، حيث تحتفظ الذاكرة بمفاتيح شقة رأفت. إنه صديقي القديم، أو بالأحرى أستاذي الذي علمني فنون السرد والغموض. كيف أكون قاتله؟ وأنا الذي لم أقتل نملة قط!
​خرجتُ إلى الشارع كمن يسير في حلم لزج. الهواء اللليلي كان يحمل رائحة الندى البارد وأنفاس المدينة الناعسة. عمارات الإسمنت الرمادية بدت كقبور شامخة. لم تكن السيارات تحس بالحركة، ولا المارة بالزمن. خطواتي وحدها كانت تخرق سكون الشارع، كل خطوة تقربني من شقة رأفت في الحي الراقي.
​وصلتُ الباب الخشبي الثقيل. كان مغلقاً بإحكام، لكن المفتاح الذي في جيب كمعطفي فتح القفل بسلاسة غريبة، كأن الباب كان ينتظرني بشوق مدمر. دخلتُ، وكانت الظلمة حالكة تبتلع تفاصيل الصالة الواسعة. أضاءت الشاشة الصغيرة لهاتفي المحمول لتكشف لي عن مشهد غريب ومروّع.
​كان رأفت جالساً على كرسيه الجلدي الوثير، وأمامه طاولة خشبية عليها كأس من النبيذ الأحمر الداكن، ودفتر ملاحظات مفتوح وقلم فواره. لكن ما أوقف أنفاسِي هو سكين المطبخ الحاد المغروس بمهارة فائقة في منتصف صدره، تماماً كما وصفته الجريدة. ولم يكن هناك دم كثير، بل كان المشهد أشبه بلوحة فنية سوريالية.
​تقدمتُ بخطوات مترددة، وكأنني أخشى أن أكسر هواء المكان. وقفتُ أمامه، ونظرتُ إلى عينيه المفتوحتين المليئتين بنظرة غريبة؛ لم تكن نظرة رعب، بل كانت نظرة رضا وتحدٍ غامض.
​صوت خافت قادم من ركن الغرفة جعلني انتفض مذعوراً:
— لقد أبطأتَ يا سليم، كنتُ أعتقد أنك ستصل قبل منتصف الليل بخمس دقائق تماماً.
​التفت فزِعاً، فرأيت شخصاً يقف في العتمة بجانب خزانة الكتب. مع تققدمه نحو ضوء الشاشة، تبيّنت ملامحه. لقد كان… أنا!
نعم، نسخة ثانية مني، تبتسم ببرود، وتعبث بأزرار قميصها.
​— من… من أنت؟ وكيف…؟ —تمتمت بصوت خحيف يكاد يختفي.
​أجابني النسخ الآخر بصوت هادئ، هدوء الموت نفسه:
— أنا لستُ سوى الجانب الذي لطالما أنكرته يا سليم. الجانب الذي يؤمن أن الكتابة وحدها لا تكفي لصناعة الخلود. رأفت أراد أن يكتب أعظم جريمة في تاريخ الأدب، لكنه لم يكن يمتلك الشجاعة لتنفيذها بنفسه. لقد اتفقنا منذ أسابيع… هو يكتب الشريعة، وأنا أنفذ الذبيحة. الجريدة لم تكن نبوءة، بل كانت عقد الموت الذي وقّعناه معاً بمداد من شغف أعمى.
​وقفتُ مشدوداً كأنني حجر في تمثال. ذكريات مبهمة بدأت تتسلل إلى عقلي، صور لليالٍ طويلة قضيناها معاً في مناقشة تفاصيل هذه اللحظة، كيف سنختار السكين، وكيف سنكتب الجريمة في الصحف قبل حدوثها لكي نترك للعالم لغزاً أزلياً لا يحل. لقد نسيتُ! نعم، لقد محا عقلي الواعي هذه التفاصيل هرباً من ثقلها الحقيقي.
​نظرت إلى يديّ، فوجدت عليهما آثاراً خفيفة من الدماء. التفتُّ مجدداً إلى الكرسي، فوجدت قلم رأفت الفوّارة ما زال ينبض بالحبر على الورق المفتوح.
​اقترب مني النسخ الآخر، ووضع يده الباردة على كتفي، وهمس في أذني كمن يلقي تعويذة سرية:
— الآن، وقد تذوقت الشريعة بحذافيرها، لم يعد ممكناً أن تعود سليم القديم. عليك أن تكتب الفصل الأخير من الجريدة… الفصل الذي يُخبر العالم كيف يهرب القاتل إلى داخل النصوص الأبدية.
​انطفأت شاشة الهاتف المفاجئة، وتركني الظلام وحيداً في الغرفة مع صدى صوتي وصوت رأفت، بينما كانت عقارب الساعة تدق معلنة بداية منتصف الليل، وبداية فصل جديد من شرائع القتل اللذيذة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com