دجوار أحمد آغا
كاتب كردي سوري
إن ما شهدته مدينة الحسكة منذ بداية شهر تشرين الأول 2026، من اعتداءات على الرموز الكردية، وإحراق العلم الكردي، وتمزيق لافتة ساحة السلام المكتوبة بالكردية والعربية والسريانية، وتشويه صور المقاتلات الكرديات، والاعتداء على مكتب حزب الاتحاد الديمقراطي في حي غويران، يتجاوز حدود الحوادث العابرة، ليطرح تساؤلات جدية حول طبيعة المرحلة التي تمر بها المنطقة، ومستقبل العلاقات بين مكوناتها. المسألة لا تتعلق بعلم يُحرق أو صورة تُشوَّه أو لافتة تُزال فحسب، بل تتصل باحترام الهوية القومية والثقافية، وبمدى قدرة سوريا على بناء دولة تتسع لجميع أبنائها، وتصون حقوقهم بعيداً عن الإقصاء والتمييز.
إن خطورة هذه الأحداث تكمن في توقيتها أيضاً، إذ تأتي في مرحلة انتقالية حساسة تشهد نقاشات حول مستقبل الدولة السورية، ودمج المؤسسات العسكرية والإدارية، وضمان حقوق المكونات، وتحديد طبيعة العلاقة بين دمشق والقوى الكردية. ولذلك، فإن فهم ما يجري يتطلب تجاوز الإدانة إلى تحليل الأسباب والرسائل المحتملة، والبحث في الجهات التي قد تستفيد من تصاعد التوتر، وتحديد الخطوات الضرورية لمنع تحوله إلى أزمة تهدد السلم الأهلي في الجزيرة السورية.
الاعتداء على الرموز هو مساس بالهوية والذاكرة الجماعية
لا يمكن التعامل مع العلم الكردي بوصفه مجرد قطعة قماش، أو مع صور المقاتلات الكرديات باعتبارها صوراً عادية. فالرموز القومية والثقافية تختزن ذاكرة جماعية وتجارب تاريخية وتضحيات إنسانية، وتعبر عن شعور الناس بانتمائهم وحقهم في الاعتراف بهويتهم. وبالنسبة إلى شريحة واسعة من الكرد، يرتبط العلم الكردي بتاريخ طويل من النضال من أجل الاعتراف باللغة والحقوق القومية، فيما ترتبط صور المقاتلين والمقاتلات الذين واجهوا تنظيم داعش بمرحلة قدمت فيها شعوب المنطقة تضحيات كبيرة دفاعاً عن مجتمعاتها وعن الآخرين.
من هنا، فإن إحراق العلم الكردي أو تشويه صور المقاتلات لا يمكن فصله عن دلالاته الاجتماعية والنفسية، خصوصاً عندما يترافق مع شعارات استفزازية أو ممارسات تحمل طابعاً إقصائياً. والأمر نفسه ينطبق على تمزيق لافتة ساحة السلام المكتوبة بالكردية والعربية والسريانية؛ إذ إن استهدافها يمس مظهراً من مظاهر التعدد اللغوي والثقافي الذي تتميز به الحسكة ومحيطها. إن وجود هذه اللغات على لافتة واحدة ليس تهديداً لوحدة سوريا، بل تعبير عن واقع اجتماعي وتاريخي. واحترام العربية لا يستلزم إقصاء الكردية أو السريانية، كما أن الاعتراف باللغات الأخرى لا ينتقص من مكانة العربية.
أما استهداف صور المقاتلات الكرديات، فيحمل دلالة إضافية تتصل بدور المرأة في مواجهة داعش والمشاركة في الحياة العامة. فالخلاف السياسي مع حزب أو قوة عسكرية لا يبرر إهانة الموتى أو تشويه صورهم، ولا يحوّل كرامة الإنسان إلى موضوع مباح للاستفزاز. فالاختلاف السياسي حق مشروع، أما الاعتداء على الهوية والتحريض القومي فليسَا من مستلزمات هذا الحق. وفي الوقت نفسه، تقتضي المسؤولية التمييز بين مرتكبي الاعتداءات وبين المجتمع الذي ينتمون إليه. فلا يجوز تحميل العرب جميعاً مسؤولية أفعال أفراد، كما لا يجوز تعميم المسؤولية على الكرد بسبب تصرفات بعضهم. إن رفض التعميم جزء أساسي من حماية التعددية ومنع اتساع دائرة العداء.
لماذا هذه الأحداث في المرحلة الراهنة؟
لا يمكن فصل ما يجري في الحسكة عن التحولات السياسية التي تشهدها سوريا، ولا عن الخلافات المتعلقة بشكل الدولة، وصلاحيات مؤسساتها، ومستقبل الإدارة المحلية، وموقع الحقوق القومية والثقافية للكرد وبقية مكونات الشعب السوري في الدستور. إن الخلاف حول هذه الملفات أمر يمكن معالجته سياسياً، لكن الخطورة تبدأ عندما يتحول إلى صراع على الهوية، أو عندما تُقدَّم المطالب المتعلقة بوحدة الدولة باعتبارها مبرراً لتقييد الحقوق القومية والثقافية. فالوحدة الوطنية لا تعني محو الهويات، والاعتراف بالحقوق الكردية لا يعني بالضرورة الانفصال عن الدولة. ويمكن للمواطن أن يكون كردياً وسورياً في الوقت نفسه، كما يمكن للعربي والسرياني والآشوري أن يعتز بهويته الخاصة وينتمي إلى وطن مشترك.
من المستفيد من إثارة التوترات في الحسكة؟
هناك ثلاث جهات أساسية هي المستفيد المباشر من استمرار اثارة هذه التوترات والإبقاء على الأوضاع غير مستقرة وهي:
التيارات القومية الإقصائية
تستفيد التيارات التي تنظر إلى سوريا باعتبارها مجتمعاً ينبغي أن يخضع لهوية قومية واحدة من تحويل الخلافات السياسية إلى صراع بين الهويات. فعندما تُصوَّر المطالب الكردية على أنها تهديد للعرب، أو تُقدَّم الرموز الكردية باعتبارها منافسة للرموز الوطنية السورية، يصبح الشارع أكثر قابلية للتعبئة على أساس الخوف والرفض المتبادل.
الأطراف التي تتضرر مصالحها من الاندماج بين الكرد والدولة
إن التوصل إلى تفاهمات بشأن الاندماج العسكري والإداري والحقوق الدستورية بين الكرد والدولة، يمكن أن يفتح الباب أمام الاستقرار وبناء مؤسسات مشتركة. وهذا الأمر لا يروق لبعض الأطراف التي ترى مصلحتها في استمرار عدم الاستقرار وهي بالأساس ترفض الوجود الكردي وتعتبره خارجي.
التيارات المتشددة ومروّجو التحريض
التيارات الرافضة للتعددية تسعى لتحويل الاختلاف إلى عداوة دائمة، فيما تسهم بعض الممارسات الإعلامية في توسيع دائرة الغضب، عبر نشر المقاطع خارج سياقها أو تقديم تصرفات فردية باعتبارها موقفاً لمجتمع كامل. وقد يكون منفذ الاعتداء فرداً مندفعاً، بينما يستثمر آخرون نتائجه لتحقيق أهداف سياسية أو إضعاف خصومهم. يجب محاسبة هؤلاء وفق القانون ومعاقبتهم.
ما هي مسؤولية السلطات والقوى الأمنية؟
إن تكرار الاعتداءات يطرح تساؤل مباشر ومشروع، حول مسؤولية الجهات المعنية في حماية المواطنين وممتلكاتهم، وضمان حرية التعبير، ومنع التحريض والعنف. لا يكفي الانتشار الأمني المؤقت إذا لم يترافق مع خطوات واضحة لمعالجة الأسباب ومنع التكرار. لا بد من خطوتين رئيسيتين وهما:
أولاً التحقيق والمحاسبة
ينبغي إجراء تحقيق مهني وشفاف في الاعتداءات التي طالت الأعلام واللافتات والصور والمكاتب الحزبية والممتلكات العامة والخاصة، وجمع الأدلة والشهادات والتسجيلات، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن الاعتداء أو التحريض على العنف، أياً كانت خلفيته القومية أو السياسية. فالمحاسبة العادلة لا تستهدف جماعة بعينها، بل تحمي الجميع من الإفلات من العقاب.
ثانياً حماية التظاهر السلمي
من حق المواطنين التعبير عن مطالبهم سلمياً، سواء تعلقت بالأمن أو الخدمات أو إدارة المؤسسات. لكن هذا الحق لا يبرر الاعتداء على الأشخاص والرموز والممتلكات، كما لا يجوز استخدام الاعتداءات ذريعة لمنع الاحتجاجات السلمية. والمطلوب هو تطبيق القانون على الجميع بصورة متساوية، مع اتخاذ تدابير وقائية لحماية المواقع العامة والمقار المدنية والحزبية، والتدخل المبكر عند ظهور مؤشرات على التصعيد.
كيف يمكن حل الأزمة؟
إن معالجة ما يجري في الحسكة لا تتحقق بالشعارات وحدها، بل تتطلب برنامجاً عملياً يجمع بين القانون والحوار السياسي والمجتمعي. أبرز خطوات هذا البرنامج فيما يلي:
- موقف رسمي واضح يرفض الإقصاء القومي
تحتاج المنطقة إلى موقف صريح من السلطات المركزية في دمشق تؤكد فيه بوضوح المساواة بين الكرد والعرب والسريان والآشوريين وسائر المكونات، وترفض الاعتداء على رموزهم ولغاتهم وهوياتهم. كما ينبغي التأكيد أن الاعتزاز بالهوية القومية والثقافية لا يتعارض مع الانتماء إلى سوريا الجديدة التي تتسع للجميع وتحتاج لجهود الجميع في المشاركة بإعادة بناءها وتعافيها من اثار الحرب المدمرة على مدى 14 عاماً.
- لجنة مشتركة للحقيقة وتهدئة التوتر
يمكن تشكيل لجنة تضم شخصيات اجتماعية وثقافية ودينية من مختلف المكونات، إلى جانب ممثلين عن الجهات القانونية والحقوقية والإدارة المحلية، لتوثيق الاعتداءات، والتحقق من ملابساتها، والتواصل مع الأحياء المتضررة، وتقديم توصيات تمنع تكرارها. وينبغي ألا تكون هذه اللجنة بديلاً عن القضاء أو وسيلة لتجاوز المسؤولية القانونية، بل إطاراً مدنياً مكملاً يساعد على استعادة الثقة.
- اتفاق مجتمعي على حماية الرموز واللغات
يمكن لممثلي المكونات الاتفاق على ميثاق يرفض التحريض القومي، ويحترم العلم السوري والرموز القومية والثقافية، ويضمن حماية اللافتات المكتوبة بلغات المنطقة. ويقوم هذا الميثاق على مبدأ واضح يتضمن بأنه لا يحق لأي طرف فرض رموزه على الآخرين بالقوة، كما لا يحق له إهانة رموزهم أو منعهم من التعبير عن هويتهم.
- فصل الحقوق عن التجاذبات السياسية والعسكرية
اللغة الكردية ليست ملكاً لحزب، والهوية الكردية لا تختزل في تنظيم سياسي، كما أن حقوق العرب والسريان والآشوريين لا تتوقف على انتماءاتهم السياسية. لذلك، ينبغي أن يتضمن أي تفاهم بين دمشق والقوى الكردية ضمانات واضحة للحقوق اللغوية والثقافية والسياسية، والاعتراف الدستوري بالهوية الكردية، وضمان حق التعلم باللغة الأم، وتكريس المشاركة العادلة في إدارة المناطق المتعددة المكونات. فالحقوق ليست امتيازات قابلة للسحب عند تغير موازين القوى، بل أساس لبناء دولة مستقرة.
- إشراك المثقفين ورجال الدين والإعلاميين
تستطيع الشخصيات الاجتماعية والثقافية والدينية والإعلامية أن تؤدي دوراً مهماً في تهدئة التوتر، من خلال لقاءات مشتركة ورسائل واضحة ترفض التحريض والتعميم. كما يقع على عاتق الإعلام سواء الرسمي أو الخاص، مسؤولية التحقق من الأخبار، والتمييز بين الوقائع والاتهامات، وتجنب نشر المواد التي تؤجج الكراهية أو تحوّل الحوادث الفردية إلى اتهامات جماعية.
- معالجة المخاوف العربية والكردية معاً
من حق المواطنين العرب المطالبة بالأمن وتحسين الخدمات والمشاركة في مؤسسات الدولة، ومن حق المواطنين الكرد المطالبة بالاعتراف بهويتهم وضمان حقوقهم القومية والثقافية والسياسية. ولا يوجد تناقض حتمي بين هذه المطالب. المشكلة تبدأ عندما تُقدَّم حقوق طرف باعتبارها تهديد لحقوق الطرف الآخر. ولذلك، ينبغي أن يناقش الحوار المخاوف الفعلية لكل مكوّن، بعيداً عن الاتهامات المتبادلة والشعارات العامة.
- ربط التهدئة بمسار سياسي واضح
لن يكون الهدوء مستدام إن بقيت الخلافات المتعلقة بالإدارة والأمن والتمثيل السياسي والحقوق اللغوية معلقة. المطلوب وضع جدول زمني لمناقشتها، وتحديد المسؤوليات، وإطلاع المواطنين على نتائج التفاهمات. كما ينبغي إدراج عودة النازحين إلى مناطقهم، وفي مقدمتها سري كانيه/رأس العين، ضمن مسار الاستقرار، مع ضمان العودة الطوعية والآمنة والكريمة.
هل تستطيع الأخوّة العربية الكردية تجاوز هذه الأزمة؟
نعم، يمكن للعلاقات العربية الكردية تجاوز الأزمة، لكن ذلك لا يتحقق بمجرد استحضار تاريخ التعايش، ولا بمطالبة المتضررين بنسيان ما حدث. فالأخوّة الحقيقية لا تعني إنكار الخلافات أو الصمت عن الاعتداءات، بل الاعتراف بالأخطاء ومحاسبة المسؤولين عنها وضمان عدم تكرارها، مع رفض تحميل المجتمعات بأكملها مسؤولية أفعال أفراد. لقد عاش الكرد والعرب والسريان والآشوريون في الجزيرة السورية ضمن علاقات اجتماعية واقتصادية وثقافية متداخلة، وتقاسموا أعباء الحرب والنزوح والخسارة.
لا يجوز اختزال هذه التجربة الحياتية المشتركة والممتدة على مدار مئات السنين، في أحداث متوترة، كما لا يجوز تجاهل الاعتداءات بحجة الحفاظ على العلاقات التاريخية. فليس مطلوباً من العربي أن يتخلى عن هويته العربية كي يحترم الكردي، ولا من الكردي أن يتنازل عن كرديته وحقوقه المشروعة كي يثبت حرصه على وحدة سوريا. المطلوب أن يشعر الجميع بأن كرامتهم وحقوقهم مصانة، وأن مواطنتهم لا تتعارض مع هوياتهم القومية والثقافية.
ماذا سنواجه إذا تصاعدت التوترات؟
يمكن تصور ثلاثة فرضيات محتملة للأزمة ألا وهي:
- احتواء الأزمة. وذلك من خلال التحقيق والمحاسبة، وضبط التحريض، وفتح قنوات الحوار بين ممثلي المكونات، بما يسمح بإعادة بناء الثقة.
- استمرار الاحتقان. في حال اقتصار المعالجة على البيانات والإدانات، من دون محاسبة واضحة أو حلول للقضايا السياسية والاجتماعية العالقة.
- اتساع المواجهة. إذا استمرت الاعتداءات وقوبلت بردود فعل انتقامية، وتحول الخلاف السياسي إلى خطاب يصور العرب والكرد كتلتين متعاديتين، فسوف تتسع المواجهة لتتحول -لا سمح الله- الى حرب أهلية.
ولتجنب هذه الفرضية يجب حصول تدخّل مبكر ومسؤول، لأن معالجة التحريض قبل تحوله إلى عنف أقل كلفة من محاولة احتواء مواجهة بعد وقوعها.
حماية الحسكة تبدأ بحماية كرامة جميع أبنائها
إن ما يجري في الحسكة ليس قضية كردية منفصلة عن مستقبل سوريا، ولا خلافاً عربياً كردياً ينبغي التعامل معه باعتباره صراعاً حتمياً. إنه اختبار لقدرة السوريين على بناء دولة تتسع لاختلافاتهم، وتحمي حقوقهم، وتمنع تحويل السياسة إلى أداة للإقصاء القومي. إن الاعتداء على العلم الكردي، وتمزيق لافتة متعددة اللغات، وتشويه صور المقاتلات الكرديات، واستهداف المقرات والرموز، أفعال تستوجب التحقيق والمحاسبة، لا التبرير أو التجاهل. لكن مواجهتها لا تكون باتهام العرب جماعياً، ولا بإنتاج خطاب مضاد يعمق الانقسام، بل بالتمسك بالقانون والعدالة والمواطنة المتساوية. إن الطريق إلى الحل يبدأ بكشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين، ومعالجة جذور الأزمة سياسياً واجتماعياً، وضمان الحقوق القومية والثقافية لجميع المكونات.
ختاماً يمكننا القول بأن
مستقبل الحسكة لا يُبنى بإزالة رموز مكوناتها، بل بإزالة الخوف والكراهية من العلاقات بينها. ولا تُصان وحدة سوريا بإجبار أبنائها على التشابه، بل بضمان حقهم في الاختلاف ضمن دولة عادلة ومتساوية. وهذه هي المعادلة التي ينبغي أن تجمع الكرد والعرب والسريان والآشوريين وسائر السوريين: لا إقصاء، ولا تحريض، ولا إفلات من العقاب؛ بل حقوق مصانة، وعدالة للجميع، وشراكة حقيقية في بناء المستقبل.
……………………………………………………………………………………..




















































في كلامك بعض الواقعية لكنك يجب ان تكون موضوعيا ، فالتنظيمات الحزبية الكردية هي التي كرست الكراهية والعداوة ، اعرف انك لا تستطيع التعرض لهم لانهم لايزالون في موقع القوة . لكن المقال لا يقول الحقيقة كلها .