جلال كندالي
كاتب من المغرب
بدون سابق إنذار، ولم تمض 24 ساعة على تعيينها من طرف الملك، أعفيت ماديحة خيير، الوزيرة الاستقلالية المنتدبة لدى وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل، المكلفة بالتكوين المهني والتأهيل. جاء الإعفاء، بطلب من رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، قبل يوم واحد من عرض البرنامج الحكومي على البرلمان لنيل الثقة والتنصيب.
وارتبط القرار، كما هو معلوم، بتسريب شهادة طبية تخص الوزيرة، وبقضية سابقة عرضت على القضاء نالت بعدها رد الاعتبار.
والسؤال الذي يفرض نفسه:
لماذا سربت هذه الوثيقة في هذا التوقيت بالذات؟ وهل سقطت رئيسة الحكومة في فخ حملة منسقة للذباب الإلكتروني؟ وهل كانت الحملة عفوية غايتها الإصلاح، أم أرادت إرباك الحكومة وجعل يدها مغلولة في الأيام المقبلة؟
وقبل أن يجف مداد الإعفاء، انتقل ناشطون إلى الهدف التالي. بينهم من لا يؤمن بالعملية الانتخابية، وربما لم يسجل نفسه في اللوائح ولم يصوت قط، لكنه منح نفسه حق “التنقيط” بالنقر والقلم، وتقمص دور حامي الأخلاق والقيم. وأثاروا اسم وزيرة أخرى قالوا إنها محكومة بشهر موقوف التنفيذ، وتبدو السلسلة مرشحة للاستمرار، من أجل استهداف أعضاء الحكومة واحدا واحدا، وبالضبط الذين ينحدرون من بيئتنا نحن أبناء الشعب.
وللمسار المهني للوزيرة وزنه هنا.
فبحسب السيرة الرسمية المنشورة لها، شغلت منصب الكاتبة العامة لأكاديمية محمد السادس الدولية للطيران المدني، وتولت مسؤوليات بالمكتب الوطني للمطارات، وهي عضو في اللجنة التنفيذية للاتحاد البرلماني الإفريقي وفي المجلس الدولي للمطارات – فرع إفريقيا.
وهذه مواقع حساسة تحكمها ضوابط صارمة، نفسية وعقلية، في اختيار المسؤولين عن الطيران على الصعيد الدولي، كما جاء في كثير من التعليقات.
وطوال سنوات تحملها تلك المسؤوليات لم يسجل ما يستدعي إعفاءها، وهو ما يعد قرينة على قدرتها على العمل، إلا أن يكون هناك دافع آخر أهم وأخطر.
ثم إن أي تعيين حكومي يمر، كما هو معلوم، عبر تدقيق وتحر تنجزه الأجهزة المختصة في ملفات المرشحين للوزارة. فهل كانت تلك الأجهزة غافلة عن ملف الوزيرة، وعن ملفات سائر الوزراء؟ لا أحد يظن ذلك. وإن كانت الشهادة الطبية والقضية السابقة معروفتين لدى من أعدوا التقارير، فلماذا لم تثر قبل التعيين؟ وما الذي تغير بعد ذلك؟
ولو كنت رئيسا للحكومة وكان القرار بيدي، لما سقطت في هذا الفخ ولا طلبت إعفاء وزيرة من حكومتي، لأن الأمور لا تتم تحت الضغط مهما كان، خاصة أن المعفاة ترشحت في الانتخابات التشريعية وفازت بمقعد. والرضوخ يجعل الحكومة رهينة لمن لا هم لهم إلا وضع الحصى في قاع الحذاء، أو بالعامية “يفشو الرويضة”.
والمفارقة أن تجارب دول عديدة تظهر أن الإدانة في قضايا الحق العام لم تغلق دائما باب المسؤولية أمام أصحابها. ففي فرنسا، أدانت محكمة نانتير سنة 2004 آلان جوپيه في قضية الوظائف الوهمية بباريس، بحكم موقوف التنفيذ وسنة من عدم الأهلية للترشح، ثم انتخب عمدة لبوردو سنة 2006، وتولى وزارتي الدفاع والخارجية في عهد ساركوزي بين 2010 و2012.
وفي إيطاليا، صدر في حق سيلفيو برلسكوني حكم نهائي سنة 2013 بالاحتيال الضريبي في قضية “ميدياسيت”، وسقطت عضويته في مجلس الشيوخ، ثم نال رد الاعتبار سنة 2018، وعاد إلى البرلمان الأوروبي سنة 2019 ثم إلى مجلس الشيوخ سنة 2022.
وفي الفلبين، أدين فرديناند ماركوس الابن سنة 1995 بعدم تقديم إقراراته الضريبية وأداء الضرائب، ثم انتخب سيناتورا سنة 2010 ورئيسا للبلاد سنة 2022. وفي الولايات المتحدة، أدين ماريون باري سنة 1990 بحيازة الكوكايين وقضى ستة أشهر في السجن، ثم انتخب عضوا بمجلس مدينة واشنطن سنة 1992 وعمدة للعاصمة سنة 1994.
وفي إسرائيل، أدين أرييه درعي سنة 1999 بالرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة وقضى نحو 22 شهرا في السجن، ثم عاد إلى زعامة حزب “شاس” وتولى حقائب وزارية في حكومات لاحقة، إلى أن أبطلت المحكمة العليا الإسرائيلية تعيينه سنة 2023.
فإذا كان القضاء في هذه البلدان لم يجعل الإدانة وصمة أبدية، فكيف بوزيرة رد إليها اعتبارها وفازت بمقعد نيابي بأصوات الناخبين؟
وهناك سؤال قانوني، هل يمس الإعفاء بالاعتبار القضائي الذي حصلت عليه الوزيرة؟ من حيث المبدأ، يمحو رد الاعتبار آثار العقوبة والحرمان الناتج عنها، أما الإعفاء فقرار سياسي وإداري لا يلغي حكم رد الاعتبار ولا يعيد فتح الملف. لكنه يفرغه عمليا من مضمونه الاجتماعي، يرد الاعتبار قانونا، ثم يسحب منه وزنه الرمزي أمام الرأي العام.
وإذا كان الغرض هو محاربة الفساد، أليس الأولى المطالبة بمحاسبة من راكموا الملايير دون أن يسألوا إلى اليوم؟ فدستور 2011 ينص على ربط المسؤولية بالمحاسبة، وهو مبدأ يبدو أنه يطبق بحزم على الصغار، فيما يغض الطرف عن الكبار. أم هي عادتنا نحن المغاربة، الشدة على أبناء جلدتنا والتلذذ بذلك، في حين يعفى الكبار جدا، بل منا من يرى فيهم المثل الأعلى لطموحاته؟
وبهذا الإعفاء، فتحت رئيسة الحكومة الباب مشرعا أمام مدمني العالم الأزرق، حيث المحتوى المغري المدر للدخل، وهنا لا أنتقص من دور هؤلاء إن كانت النيات حسنة،بل أعني من يخدمون أجندات سياسية معينة.
وفي العمق، ليست القضية قضية وزيرة أعفيت، بل قضية سؤال أكبر، من يملك سلطة تحديد من يصلح للشأن العام؟ إن الدولة التي تستمد شرعيتها من صناديق الاقتراع، ثم تترك لمن لم يصوتوا قط أن يمنحوا النقط ويوزعوا صكوك الأهلية، تفتح الباب لشرعية موازية، شرعية الضجيج التي لا تنتخب ولا تحاسب ولا تتحمل وزر ما تقرره.
وحين تنصاع الحكومة لهذه الشرعية، فإنها تقر ضمنيا بأن مصدر سلطتها ليس إرادة الناخبين وحدها، بل مزاج المنصات أيضا.
وتلك مفارقة قاتلة لكل فكرة سياسية جادة. فالسياسة، في جوهرها، تقوم على القاعدة والاستثناء، وعلى ضمانات تحمي الفرد من تقلب الجماعة، ولهذا وجد القضاء ووجد رد الاعتبار، ليقول المجتمع إن الخطأ، متى أديت كلفته، لا يتحول إلى قدر. أما محاكمة الناس بما مضى بعد أن طويت صفحته قانونيا، فهي نكوص من منطق الحق إلى منطق الانتقام، ومن دولة المؤسسات إلى ساحة الاستعراض.
ثم إن أخطر ما في الأمر انتقائية الغضب. فالجماعة التي تشتد على الصغار وتنسى الكبار لا تمارس الأخلاق، بل تمارس ما سماه الفلاسفة نفاق الفضيلة،تجرد الفضيلة من كلفتها، ثم لا تطلب إلا من الضعفاء العاجزين عن الدفاع عن أنفسهم.
وإذا لم يسائل المواطنون من راكموا الثروات دون حساب، وسألوا وزيرة نالت اعتبارها، فإنهم يؤكدون، دون أن يدروا، أن ميزان العدالة عندنا يميل بحسب ثقل الجالس في كفته.
ليس المطلوب أن نحمي الوزراء أو أي مسؤول من النقد، بل أن نحمي النقد من أن يصير سلاحا انتقائيا. فالمحاسبة التي تبدأ من الأسفل ولا تصعد أبدا ليست محاسبة، بل تصفية.
والدولة التي تبحث عن نزاهتها في ملفات الأفراد الصغار، وتغفل عن الأسئلة الكبرى حول الثروة والمسؤولية والإفلات من العقاب، تحرس واجهة النزاهة وتترك بنيانها يتصدع من الداخل. وأما السؤال الذي سيبقى معلقا بعد أن يهدأ الضجيج، فهو، هل نريد عدالة تحاسب الجميع، أم مشهدا يسلي الجميع ويعفي الأقوياء؟
مقال خاص لصحيفة قريش – لندن



















































