إيمان الرازي
فاعلة سياسية ونقابية وأكاديمية من المغرب
لا يمكن المرور مرور الكرام على خرجة بنكيران الأخيرة، بخصوص عرض موضوع طلبه من جلالة الملك تفسير أحداث سبتة وانتظاره للرد الملكي، والتي تعتبر خرجة غير مسؤولة ولا تليق برجل كان إلى وقت قريب الرجل الثاني في سلم هرمية الدولة، في خرجة أقل ما يقال عنها أنها تجاوز فيها رئيس الحكومة السابق، كل الأعراف الدستورية والسياسية وخرق لمبدأ السرية، لأنه من المعيب على بنكيران كشف كواليس المراسلات أو الطلبات الموجهة إلى المؤسسة الملكية للعلن، وهو ما يتنافى تماما مع الأعراف السياسية المعمول بها والمبنية أساسا على واجب التحفظ والسرية في التعامل مع رئيس الدولة وعاهل البلاد.
تحدث بنكيران بكل وقاحة وصفاقة غير متوقعة، وبشكل علني دون أن يرف له جفن، وهو يقحم جلالة الملك في مرور إعلامي بائس، مدعيا عدم تلقي جواب من جلالته، في محاولة لإحراج المؤسسة الملكية أو إظهارها بمظهر غير المستجيب أو اللا مكثرت، وهو أسلوب غير مألوف في أدبيات الأحزاب الوطنية بالمغرب التي تراعي دائما احترام المؤسسة الملكية وعدم الزج بها في أي سجال أو مزايدة سياسية، لكن على ما يبدو أن بنكيران المتعيش على نهج المزايدة السياسية واستغلال الأزمات الإنسانية، خاصة أن إقحام أحداث سبتة المؤلمة المرتبطة بالشباب والقاصرين في سجال حزبي ضيق هو استغلال شعبوي مقيت لقضية وطنية واجتماعية حساسة، يرمي من خلال توظيفها صناعة الإثارة والبوز لإعادة حزب العدالة والتنمية إلى واجهة النقاش العمومي، عبر إطلاق تصريحات صدامية غير محسوبة تضمن له تصدر عناوين الصحف ومنصات التواصل الاجتماعي.
لكن لا يخفى على أحد، أن خروج بنكيران بمظهر المتأثر والسائل والمتفاجئ، هو تهرب من المسؤولية التاريخية للحزب وإرث العشرية الحكومية الأخيرة، وأن تحميل الحكومة الحالية لوحدها وزر ما حدث ومسؤولية انسداد الأفق واختلال منسوب الثقة لدى الشباب، هو هروب للأمام واستغلال بشع لمأساة شباب مغربي خاطر بحياته للعبور إلى الضفة الأخرى هربا من مستقبل مجهول، وأن بنكيران لربما تناسى أن حزبه قد قاد الحكومة لولايتين متتاليتين عجز خلالها عن إيجاد حلول هيكلية لمعضلات التشغيل والتعليم والصحة، والتي تعد من الأسباب المباشرة لموجات الهجرة الغير مسبوقة.
خرجة بنكيران الأخيرة، كان من الممكن قبولها إذا صدرت عن جناح متطرف اعتاد على استغلال المآسي، ولم يساهم يوما في تجارب حكومية سابقة، لكن أن ينتقد بنكيران السياسات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة بشكل راديكالي، بينما دافع لسنوات طويلة عن نفس التوجهات والقرارات الصعبة من قبيل تحرير أسعار المحروقات وإصلاح المقاصة عندما كان في السلطة، ولنذكر بنكيران بأنه يمارس سكيزوفرينية سياسية تكشف تناقضا صارخا في الموقف من المؤسسة الملكية حسب التموقع بتبني خطابين متناقضين، فبينما كان يردد دائما على مسامع الشعب غداة ترأسه للحكومة السابقة جملته الشهيرة التي يقول فيها بأن الملك هو الذي يحكم في المغرب ولا يمكن مخالفته، تجده اليوم بدون أدنى حرج من موقع المعارضة يطالب علنا من المؤسسة الملكية الخروج بتفسيرات وأجوبة منها حول قضية إنسانية مرتبطة بالهجرة الغير نظامية والتي تتقاطع فيها أبعاد أمنية وجيوسياسية مركبة.
نصيحة لكل من ينتمي لحزب العدالة والتنمية، سلك القنوات الرسمية، وإذا كان حزبكم يبحث فعليا عن إجابات لما وقع بسبتة مادمتم مؤمنين بالمنهجية الديموقراطية، فإن الدستور المغربي يتيح لكم استخدام آليات البرلمان، من لجان تقصي الحقائق وطرح الأسئلة الشفوية والكتابية للحكومة، بدلا من توجيه خطابات مباشرة غير مسؤولة للملك والتطاول عليه بإسمكم عبر منصات وسائل التواصل الاجتماعي.
مقال خاص لصحيفة قريش – لندن



















































