قراءة في ظل الصراع الأمريكي – الإيراني
أي دور للجامعة؟
.
د. مصطفى الغاشي
كاتب مغربي في التاريخ والفكر السياسي والعلاقات الدولية
تقديم،
لم يعد الصراع الأمريكي–الإيراني مجرد مواجهة ثنائية بين دولتين، بل تحول إلى عامل مؤثر في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، وفي طبيعة العلاقات العربية–العربية، وفي موقع المغرب داخل المنظومة العربية. وقد كشفت التطورات الأخيرة المرتبطة بالمواجهة الأمريكية–الإيرانية وما أعقبها من جهود لاحتواء التصعيد عن حجم التحولات التي تعرفتها المنطقة، وعن حاجة الدول العربية إلى مقاربة جديدة للأمن الإقليمي تتجاوز منطق الاستقطاب. فما موقع المغرب من كل هذه التحولات ونا الدور الذي يمكن ان يلعبه على مستوى الدول العربية؟
أولاً: المغرب وسياسة التوازن الاستراتيجي:
اعتمد المغرب خلال العقود الأخيرة سياسة خارجية تقوم على ثلاثة مرتكزات اساسية:
اولا، الدفاع عن الوحدة الترابية باعتبارها أولوية مطلقة.
ثانيا، احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
ثالثا، الانخراط في الجهود الدولية والإقليمية الرامية إلى حفظ الأمن والاستقرار.
وفي هذا السياق، رحب المغرب بالجهود الرامية إلى وقف التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، ودعا إلى احترام الاتفاقات وتنفيذها بما يحفظ أمن المنطقة وحرية الملاحة الدولية.
ثانياً: العلاقات العربية–العربية أمام اختبار الأزمة:
كشف الصراع الأمريكي–الإيراني وجود ثلاثة اتجاهات عربية رئيسية في تصورها للازمة:
1- دول الخليج التي تنظر إلى إيران باعتبارها تهديداً مباشراً لأمنها القومي، خاصة بعد استهداف أراضيها أو مصالحها الحيوية خلال الأزمة.
2- دول اختارت الحياد الإيجابي وسعت إلى الوساطة وتخفيف التصعيد حفاظاً على استقرار المنطقة والمقصود هنا سلطنة عمان وقطر بالاضافة الى تركيا وباكستان ومصر.
3- دول ركزت على حماية مصالحها الوطنية دون الانخراط في الاستقطابات الإقليمية، ومن بينها المغرب الذي حافظ على دعم استقرار المنطقة مع عدم الانجرار إلى خطاب التصعيد.
ثالثاً: موقع المغرب داخل المنظومة العربية:
يمكن قراءة السياسة المغربية من خلال ثلاثة أبعاد:
1- تعزيز الشراكة الاستراتيجية مع دول مجلس التعاون الخليجي.
2- الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية.
3- دعم العمل العربي المشترك بعيداً عن الاستقطاب المذهبي.
وقد عزز المغرب خلال السنوات الأخيرة التنسيق مع دول الخليج ضمن خطة عمل مشتركة للفترة 2025–2030 تشمل الجوانب السياسية والأمنية والاقتصادية.
رابعاً: تأثير الأزمة على الأمن العربي:
لقد أظهرت الأزمة عدة حقائق تهم الوضع العربي في مقدمتها: هشاشة منظومة الأمن العربي الجماعي واستمرار الاعتماد على القوى الدولية في إدارة الأزمات.
و غياب رؤية عربية موحدة تجاه التهديدات الإقليمية.
بالاضافة الى تزايد أهمية أمن الطاقة والممرات البحرية، خاصة مضيق هرمز الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية.
خامساً: المغرب وإعادة تشكيل العلاقات العربية–العربية: نحو نموذج للدبلوماسية التوافقية.
إذا كانت معظم الدراسات العربية قد انشغلت بتحليل مواقف الدول العربية من الصراع الأمريكي–الإيراني، فإنها أولت اهتماماً أقل بالسؤال الأكثر أهمية: كيف يمكن إعادة بناء العلاقات العربية–العربية في مرحلة ما بعد الاستقطاب؟ لان الرهان الحقيقي لا يكمن في توصيف الأزمة، بل في البحث عن نموذج عربي قادر على تجاوز الانقسامات، واستعادة الحد الأدنى من الفعل الجماعي. ومن هنا، تبرز التجربة المغربية باعتبارها حالة تستحق الدراسة، ليس لأنها تمثل قوة عسكرية أو اقتصادية كبرى، بل لأنها راكمت خبرة معتبرة في إدارة التوازنات، وتوظيف الدبلوماسية الوقائية، والحفاظ على استقلالية القرار. وينبني هذا الرأي على:
اولا، المغرب كفاعل توافقي داخل النظام العربي: فهو يتميز بعدد من الخصائص التي تؤهله للعب دور توافقي:
مثل غياب الطموح الهيمني، اذ على خلاف بعض القوى الإقليمية، لا يسعى المغرب إلى بناء مجال نفوذ قائم على المنافسة الجيوسياسية أو المذهبية، بل يركز على حماية مصالحه الوطنية، وتعزيز الاستقرار الإقليمي، وتطوير شراكاته المتعددة. وقد أسهم هذا المعطى في تعزيز الثقة التي تحظى بها الدبلوماسية المغربية لدى عدد من الفاعلين العرب والدوليين، كما أنه يتبنى فكرة التوازن بين الشرعية والمصلحة، حيث أثبتت السياسة الخارجية المغربية قدرتها على الجمع بين: احترام الشرعية الدولية، والدفاع عن المصالح الوطنية، والانفتاح على مختلف الشركاء، مع الحرص على تجنب الاصطفافات الحادة.
وهذا التوازن يمنحها هامشاً أوسع للقيام بأدوار الوساطة مقارنة ببعض القوى المنخرطة مباشرة في الصراعات الإقليمية. كما ان الرصيد التاريخي للمغرب في الوساطة يعد تجربة مهمة في احتضان الحوارات السياسية ورعاية المبادرات التوافقية، سواء في القضايا العربية أو الإفريقية، مما عزز صورته كفاعل قادر على تقريب وجهات النظر. الا أن هذا الرصيد يحتاج إلى الانتقال من المبادرات الظرفية إلى استراتيجية مؤسساتية للوساطة الإقليمية، تتكامل فيها الدبلوماسية الرسمية، والجامعة، ومراكز التفكير، والمجتمع المدني.
ثانيا، نحو مفهوم جديد: الدبلوماسية المغربية التوافقية
أولاً: في تعريف المفهوم: الدبلوماسية المغربية التوافقية هي نمط من الممارسة الدبلوماسية يقوم على الجمع بين
حماية المصالح الوطنية واحترام سيادة الدول ورفض منطق المحاور، تشجيع الحوار والوساطة، بناء الثقة بين الأطراف المتنازعة، مع توظيف القوة الناعمة والمؤسسات الأكاديمية والثقافية في دعم الاستقرار الإقليمي. وبذلك، لا تقتصر هذه الدبلوماسية على إدارة الأزمات، بل تسعى إلى إنتاج التوافقات وصناعة مساحات للحوار.
ثانياً: مرتكزات النموذج: يقوم النموذج المغربي في هذا المضمار على خمسة مرتكزات اساسية:
1. الشرعية الدولية باعتبارها الإطار الناظم للعلاقات الدولية.
2. الأمن العربي التعاوني بديلاً عن الأمن القائم على المحاور.
3. التنمية المشتركة باعتبارها أساساً للاستقرار.
4. القوة الناعمة بوصفها أداة للتأثير وبناء الثقة.
5. الدبلوماسية الاستباقية التي تركز على منع الأزمات قبل انفجارها.
ثالثاً: القيمة المضافة للنموذج المغربي: تكمن أهمية هذا النموذج في أنه يقدم بديلاً عن المقاربات التقليدية التي اختزلت الأمن العربي في البعد العسكري، بينما يؤكد أن الاستقرار الدائم يتطلب امورا أخرى مثل التكاملً الاقتصادي والتعاونا العلمي والتنسيق ألامني وحواراً سياسياً مؤسساتياً واستثماراً في رأس المال البشري والمعرفي.
سادسا، سيناريوهات مستقبل العلاقات العربية–العربية: يمكن في هذا السياق تحديد ثلاث سيناريوهات محتملة،
– السيناريو الأول: استمرار الاستقطاب، حيث إذا استمر الصراع الأمريكي–الإيراني بالمنطق نفسه، فإن المنطقة ستشهد مزيداً من الانقسام العربي وتراجع العمل العربي المشترك وتصاعد التدخلات الخارجية واستمرار سباق التسلح. والسيناريو هو الأكثر كلفة.
– السيناريو الثاني: التكيف الإقليمي، ويقوم هذا السيناريو على استمرار الخلافات، مع إدارة الأزمات عبر الحوار والوساطات، دون الوصول إلى تسوية شاملة. ويُعد هذا السيناريو الأقرب إلى الواقع في المدى المتوسط.
– السيناريو الثالث: إعادة بناء النظام العربي، انطلاقا من:
اولا، إصلاح مؤسسات العمل العربي المشترك.
ثانيا، إنشاء منظومة عربية للأمن الجماعي.
ثالثا، تعزيز التكامل الاقتصادي.
رابعا، تطوير التعاون العلمي والتكنولوجي.
خامسا، إشراك الجامعات ومراكز التفكير في صناعة القرار. وهنا يمكن للمغرب أن يضطلع بدور محوري، مستفيداً من رصيده الدبلوماسي وعلاقاته المتوازنة.
وبناء على ما سبق، فإن الأزمة الأمريكية–الإيرانية لم تكشف فقط هشاشة النظام العربي، بل أبرزت أيضاً غياب التفكير الاستراتيجي العربي الجماعي. فالعديد من الدول العربية تعاملت مع الأزمة بمنطق رد الفعل، بينما ظل الاستثمار في بناء رؤية عربية مستقلة محدوداً. ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي لا يتمثل في اختيار هذا المحور أو ذاك، وإنما في إعادة إنتاج مفهوم عربي للأمن الإقليمي، يكون قادراً على حماية المصالح العربية في عالم يتجه نحو تعددية قطبية.
سابعا، “الجامعة المغربية ومراكز التفكير: من إنتاج المعرفة إلى صناعة القرار في السياسة الخارجية”:
لم تعد السياسة الخارجية في القرن الحادي والعشرين حكراً على المؤسسات الرسمية، بل أصبحت نتاجاً لتفاعل شبكة واسعة من الفاعلين تضم الجامعات، ومراكز التفكير، والمؤسسات البحثية، والقطاع الخاص، والإعلام، ومنظمات المجتمع المدني. وقد أثبتت التجارب الدولية أن الدول الأكثر تأثيراً في النظام الدولي هي تلك التي نجحت في تحويل المعرفة العلمية إلى قوة استراتيجية تسهم في توجيه القرار العمومي.
وفي هذا السياق، يطرح سؤال جوهري: هل تمتلك الجامعة المغربية القدرة على الإسهام في بلورة رؤية استراتيجية للعلاقات العربية–العربية في ظل التحولات التي فرضها الصراع الأمريكي–الإيراني؟
اولا، المعرفة الاستراتيجية وأهميتها في صناعة القرار:
لقد أصبحت المعرفة اليوم أحد أهم عناصر القوة في العلاقات الدولية، ولم يعد النفوذ يقاس فقط بالقدرات العسكرية أو الاقتصادية، بل أيضاً بامتلاك القدرة على إنتاج المعرفة وتحليلها وتوظيفها في صياغة السياسات.
وفي هذا الصدد، تقوم المعرفة الاستراتيجية على ثلاثة مكونات رئيسية:
1- الرصد: متابعة التحولات الإقليمية والدولية بصورة مستمرة.
2- التحليل: تفسير الأحداث في ضوء المناهج العلمية ونظريات العلاقات الدولية.
3- الاستشراف: بناء سيناريوهات مستقبلية تساعد صانع القرار على الاستعداد لمختلف الاحتمالات.
وتشير التجارب المقارنة إلى أن نجاح السياسة الخارجية يرتبط بوجود منظومة وطنية للبحث الاستراتيجي، قادرة على توفير معلومات دقيقة وتحليلات معمقة تدعم اتخاذ القرار.
ثانيا، واقع مساهمة الجامعة المغربية: فرغم التطور الذي عرفته الجامعات المغربية خلال العقدين الأخيرين، فإن مساهمتها في دعم السياسة الخارجية ما تزال محدودة، ويرجع ذلك إلى جملة من الإكراهات البنيوية:
أولاً: ضعف الدراسات الاستراتيجية، حيث لا تزال أغلب البحوث الجامعية تركز على الجوانب النظرية، بينما يظل الإنتاج المرتبط بالسياسات العمومية والعلاقات الدولية التطبيقية محدوداً.
ثانياً: غياب مراكز التفكير الجامعية، حيث تفتقر معظم الجامعات إلى مراكز مستقلة متخصصة في: الدراسات الجيوسياسية والأمن الإقليمي والعلاقات العربية والدبلوماسية الاقتصادية واستشراف المخاطر.
في المقابل، تعتمد الدول المؤثرة على مراكز تفكير تقدم أوراق سياسات ودراسات استشرافية لصناع القرار بصورة منتظمة.
ثالثاً: ضعف الربط بين الجامعة والمؤسسات: اذ لا تزال العلاقة بين الجامعة والإدارة العمومية تقوم في الغالب على التعاون الظرفي، في حين تتطلب التحديات الراهنة بناء شراكات مؤسساتية مستدامة تسمح بتبادل الخبرات والمعطيات.
ثالثا، دروس من التجارب الدولية: تظهر التجارب المقارنة أن الجامعات ومراكز التفكير أصبحت جزءاً من منظومة الأمن القومي وصناعة القرار.
– ففي الحالة الأمريكية: تؤدي الجامعات الكبرى ومراكز التفكير دوراً محورياً في إنتاج أوراق السياسات، وتحليل الأزمات، وتقديم البدائل لصناع القرار.
– في الحالة التركية: شهدت تركيا خلال العقدين الأخيرين توسعاً في مراكز الدراسات الاستراتيجية، التي أسهمت في دعم السياسة الخارجية، وربط البحث الأكاديمي بالتحولات الإقليمية.
– في الحالة الماليزية: استثمرت ماليزيا في الجامعات باعتبارها فضاءات لإنتاج المعرفة المرتبطة بالتنمية والسياسة الخارجية، وربطت البحث العلمي بأولويات الدولة.
رابعا، نحو نموذج مغربي للدبلوماسية المعرفية:
أولاً: من الدبلوماسية التقليدية إلى الدبلوماسية المعرفية، حيث يتم الانتقال فيها من مفهوم الدبلوماسية التقليدية إلى الدبلوماسية المعرفية، التي تقوم على توظيف البحث العلمي في خدمة القرار الخارجي. ويقوم هذا النموذج على خمس ركائز اساسية:
1- إنتاج المعرفة الاستراتيجية.
2- الاستشراف الجيوسياسي.
3- توظيف الذكاء الاصطناعي في تحليل الأزمات.
4- إشراك الجامعات في إعداد أوراق السياسات.
5- تعزيز التعاون بين الباحثين والدبلوماسيين.
ثانياً: إنشاء “المرصد المغربي للعلاقات العربية والتحولات الجيوسياسية” عبر إحداث مؤسسة وطنية مستقلة تحمل اسم: “المرصد المغربي للعلاقات العربية والتحولات الجيوسياسية” ويُعهد إليها بـ:
1- إعداد تقارير استراتيجية دورية.
2- رصد التحولات في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
3- إصدار مؤشر سنوي للعلاقات العربية–العربية.
4- تنظيم محاكاة للأزمات الإقليمية لفائدة الطلبة والباحثين.
5- إعداد أوراق سياسات لصالح المؤسسات الوطنية.
إن أحد أبرز أوجه القصور في البيئة العربية يتمثل في الفصل بين إنتاج المعرفة وصناعة القرار. فبينما تتجه الدول المؤثرة إلى الاستثمار في مراكز التفكير والجامعات، لا يزال هذا المجال في العالم العربي يعاني من ضعف التنسيق وقلة الموارد. ومن ثم، فإن تعزيز الدور المعرفي للجامعة المغربية لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروعاً أكاديمياً فحسب، بل خياراً استراتيجياً يرتبط بالأمن القومي، والدبلوماسية، والتنمية.
ومن هذا المنطلق، فإن انتقال المغرب من الدبلوماسية التوافقية إلى الدبلوماسية المعرفية يمكن أن يشكل رافعة جديدة لتعزيز حضوره العربي والإقليمي، عبر جعل المعرفة العلمية شريكاً مؤسسياً في رسم السياسات الخارجية واستشراف التحولات الجيوسياسية.
خامسا، الاستنتاجات العامة والتوصيات الاستراتيجية:
تكشف هذه المقاربة أن الصراع الأمريكي–الإيراني لم يكن مجرد أزمة عابرة، بل يمثل لحظة مفصلية في إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية للشرق الأوسط. فقد أدى إلى إعادة ترتيب التحالفات، وتغيير أولويات الأمن الإقليمي، وكشف محدودية النظام العربي في إدارة الأزمات بصورة جماعية.
وقبل الختام، تقودنا هذه المحاولة النقدية إلى مجموعة من الاستنتاجات الرئيسة:
1. أزمة النظام العربي هي أزمة بنيوية، اذ يتبين أن حالة الانقسام العربي لا ترتبط فقط بالخلافات السياسية الراهنة، وإنما تعكس أزمة بنيوية تعود إلى غياب رؤية استراتيجية مشتركة للأمن القومي العربي، وضعف مؤسسات العمل العربي المشترك، وغياب آليات فعالة لتدبير الأزمات. ولذلك فإن الصراع الأمريكي–الإيراني لم يخلق الانقسام العربي، بل كشف عن عمقه.
2. الانتقال من مفهوم الأمن العسكري إلى الأمن الشامل حيث أثبتت التجارب الأخيرة أن الأمن العربي لم يعد يقاس فقط بامتلاك الجيوش والأسلحة، وإنما أصبح يشمل: الأمن الاقتصادي والأمن الغذائي والأمن المائي.
والأمن الرقمي والأمن الصحي والأمن الطاقي واخيرا الأمن المعرفي. ومن ثم، فإن أي مشروع عربي مستقبلي ينبغي أن يقوم على مفهوم شامل للأمن.
3. المغرب فاعل توازني أكثر منه فاعلاً صدامياً حيث نخلص إلى أن السياسة الخارجية المغربية تقوم على مبدأ التوازن بين الثوابت الوطنية والانفتاح الدولي، بما يسمح للمملكة بالحفاظ على شراكاتها الاستراتيجية، دون الانخراط في منطق الاستقطاب. وهذه الخصوصية تمنح المغرب قابلية للقيام بأدوار الوساطة وبناء الثقة، شريطة أن تُدعم بأدوات مؤسساتية وبحثية أكثر قوة.
4. المعرفة أصبحت أحد محددات القوة، حيث لم تعد القوة في العلاقات الدولية رهينة الإمكانات العسكرية وحدها، بل أصبح إنتاج المعرفة والتحليل والاستشراف عاملاً حاسماً في صياغة القرار. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة تعريف دور الجامعة المغربية باعتبارها شريكاً في صناعة السياسات العمومية.
خاتمة عامة:
إن الصراع الأمريكي–الإيراني ليس سوى مرآة لتحولات أعمق يشهدها النظام الدولي والإقليمي، حيث تتراجع الأحادية القطبية لصالح تعددية أكثر تعقيداً، وتصبح المعرفة والابتكار والدبلوماسية الذكية عناصر لا تقل أهمية عن القوة العسكرية.وفي هذا السياق، يملك المغرب فرصة استراتيجية لتثبيت مكانته كفاعل توافقي داخل الفضاء العربي، ليس فقط عبر مواقفه الدبلوماسية، بل من خلال بناء منظومة وطنية متكاملة تجعل من المعرفة والاستشراف والابتكار أدوات مركزية في صناعة القرار. كما أن تجديد العلاقات العربية–العربية لن يتحقق بإدارة الأزمات فحسب، بل بإعادة تأسيس مفهوم جديد للعمل العربي المشترك، قوامه الثقة، والمؤسسات الفاعلة، والتكامل الاقتصادي، والإنتاج المعرفي.
مقال خاص لصحيفة قريش – لندن



















































