البنك الدولي وعودة الدولة في عالم يتجه نحو التشظي
بقلم :عبد السلام الصديقي
عضو المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية ووزير سابق المغرب
أثار البنك الدولي قدراً كبيراً من الدهشة عندما نشر في مارس الماضيتقريره المعنون «السياسة الصناعية من أجل التنمية: مقاربات القرن الحاديوالعشرين». فالمؤسسة التي ظلت لعقود طويلة تدافع عن تحرير الاقتصادات، وتدعو إلى الخصخصة وتقليص الدور الاقتصادي للدولة، تبدو اليوم وكأنهاتعيد الاعتبار للتدخل العمومي وللسياسة الصناعية.
وقد ذهب بعض المعلقين إلى تشبيه هذا التحول بما لو أعلنت الحكومةالأمريكية فجأة أن الدهون والكوليسترول ليسا ضارين بالصحة، بعد عقودمن التوصيات التي كانت تحذر منهما. والمقارنة، وإن بدت استفزازية، فإنهاتعكس حجم المفاجأة التي أثارها الخطاب الجديد للبنك الدولي.
غير أن الأمر لا يتعلق بانقلاب عقائدي أو بتراجع عن المبادئ السابقة، بقدرما يعكس حقيقة بسيطة مفادها أن العالم هو الذي تغير، فاضطر البنكالدولي إلى مراجعة مقاربته.
لقد تغير العالم بالفعل. فعلى مدى ما يقرب من أربعة عقود، هيمنت علىالفكر الاقتصادي مجموعة من المبادئ التي عُرفت باسم «توافق واشنطن»، وقوامها تحرير التجارة، وإزالة القيود التنظيمية، والانضباط المالي، والخصخصة، والثقة المطلقة في قدرة الأسواق على تخصيص الموارد بكفاءة. وقد شكلت هذه المبادئ مرجعاً للسياسات الاقتصادية في عدد كبير منالبلدان النامية.
غير أن هذا التوافق بلغ اليوم حدوده القصوى، ليس لأن اقتصاد السوق قدفشل، وإنما لأن السياق الدولي الذي أفرزه قد تغير جذرياً.
فجائحة كوفيد-19، واضطرابات سلاسل التوريد، والحرب في أوكرانيا، والتوترات التجارية والطاقية، والتنافس التكنولوجي، وتصاعد الصراعاتالجيوسياسية، كلها عوامل أعادت إلى الواجهة مفاهيم كان يُعتقد أنهاأصبحت من الماضي، مثل السيادة الاقتصادية، والاستقلال الاستراتيجي، والقدرة على الصمود، والسياسة الصناعية.
العولمة لم تنته، لكنها بصدد التحول. فنحن ننتقل تدريجياً من عولمة كانتتحكمها اعتبارات الكفاءة الاقتصادية وحدها، إلى عولمة أصبحت فيهااعتبارات الأمن الاقتصادي والسيادة التكنولوجية والمرونة الاستراتيجية ذاتأهمية مماثلة.
وتجسد المنافسة الأمريكية-الصينية هذا التحول بوضوح. فالاقتصاد عادليصبح أداة من أدوات القوة والنفوذ، وأصبحت أشباه الموصلات والمعادنالنادرة والذكاء الاصطناعي والبطاريات والتكنولوجيات الخضراء في قلبالصراع الاستراتيجي العالمي.
كما أن عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض لا تفعل سوى تسريع مساركان قد بدأ بالفعل. فسياسات إعادة توطين الصناعات، وفرض الرسومالجمركية، والقيود التكنولوجية، والدعم الحكومي السخي للصناعاتالاستراتيجية، تؤكد أن الولايات المتحدة باتت تعطي للأمن الاقتصادي المكانةنفسها التي تعطيها لكفاءة الأسواق.
ومن جهة أخرى، يساهم صعود الجنوب العالمي في إعادة تشكيل النظامالدولي. فالتوسع الذي تعرفه مجموعة «بريكس»، وتنويع الشراكاتالاقتصادية والمالية، وظهور مؤسسات جديدة لتمويل التنمية، كلها مؤشراتعلى بروز عالم أكثر تعددية في مراكز القوة.
وهذه التحولات ليست سابقة في التاريخ. ففي القرن التاسع عشر كانتبريطانيا، بعد أن أصبحت القوة الصناعية الأولى في العالم، أبرز المدافعينعن التجارة الحرة. وبعد الحرب العالمية الثانية، حملت الولايات المتحدة المشعلوجعلت من انفتاح الأسواق أساس النظام الاقتصادي العالمي الجديد.
أما الصين فقد استفادت إلى أقصى حد من الانفتاح الاقتصادي والعولمة، لتصبح خلال بضعة عقود القوة الصناعية الأولى في العالم، وتفرض هيمنتهاعلى عدد من الصناعات الاستراتيجية.
والمفارقة اليوم أن الولايات المتحدة أصبحت أكثر ميلاً إلى الحمائية، بينماتقدم الصين نفسها مدافعاً عن التجارة الحرة. وهذه المفارقة ليست عرضية، بل تعكس حقيقة ثابتة في التاريخ الاقتصادي: فالقوى المهيمنة تدافع عنالانفتاح ما دام يخدم مصالحها، لكنها تعيد اكتشاف فضائل الحماية عندماتشعر بأن تفوقها مهدد.
وقد عبر الاقتصادي الألماني فريدريش ليست عن هذه الفكرة منذ القرنالتاسع عشر عندما انتقد بريطانيا لأنها دعت إلى التجارة الحرة بعد أن بنتقوتها الصناعية في ظل الحماية الجمركية. وبعد أكثر من قرن، أعادالاقتصادي الكوري الجنوبي ها-جون تشانغ طرح الفكرة نفسها، متهماًالبلدان المتقدمة بأنها تسعى إلى «سحب السلم» بعد أن وصلت إلى القمة.
في هذا السياق الجديد ينبغي قراءة تقرير البنك الدولي. فالمؤسسة لا تدعوإلى العودة إلى الاقتصاد الموجه ولا إلى التخلي عن اقتصاد السوق، بلتدافع عن دولة أكثر كفاءة وقدرة على تحديد رؤية استراتيجية، ودعم الابتكار، والاستثمار في الرأسمال البشري، وتهيئة الظروف الملائمة للمبادرة الخاصة.
لقد تجاوز النقاش اليوم ثنائية «السوق وحده» أو «الدولة وحدها». فالتجربةالدولية تؤكد أنه لا يوجد بلد حقق تنمية مستدامة بفضل السوق وحده، كما لمينجح أي بلد اعتماداً على تدخل الدولة وحده.
إن قصص النجاح الكبرى قامت على تكامل ذكي بين دولة استراتيجيةوقطاع خاص ديناميكي.
فالسوق يظل الآلية الأكثر فعالية لإنتاج الثروة وتحفيز الابتكار والاستجابةلحاجات المستهلكين، في حين تبقى الدولة فاعلاً لا غنى عنه للاستثمار فيالتعليم والصحة والبحث العلمي والبنيات التحتية، وضمان المنافسة العادلة، والاستعداد لمتطلبات المستقبل.
ويهم هذا النقاش المغرب بشكل مباشر. فالاختيارات التي تبناها خلالالعقدين الأخيرين في مجالات السياسة الصناعية، والانتقال الطاقي، والحماية الاجتماعية، والسيادة الغذائية، وتنويع الشراكات الدولية، تندرجضمن هذا التحول العميق الذي يشهده الفكر الاقتصادي العالمي.
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في توسيع تدخل الدولة فحسب، لأن الدولةالاستراتيجية لا تُعلن بقرار إداري، بل تُبنى تدريجياً. ومصداقيتها تتوقفعلى جودة المؤسسات، وفعالية الإدارة، وكفاءة الرأسمال البشري، والقدرةعلى تقييم السياسات العمومية وتصحيح اختلالاتها.
إن التاريخ يذكرنا بحقيقة بسيطة: لا الدولة تستطيع أن تفعل كل شيء، ولاالسوق قادر على تنظيم كل شيء. وبين هذين النقيضين توجد طريق ثالثةأكثر صعوبة، لكنها أكثر جدوى، قوامها إقامة تكامل ذكي وخلاق بين السلطةالعمومية والمبادرة الخاصة.
ومن هذه الزاوية، فإن تقرير البنك الدولي لا يعلن فقط عودة الدولة، بل ربمايؤشر إلى دخول العالم مرحلة جديدة تعيد فيها اعتبارات القوة والسيادةوالمرونة رسم قواعد الاقتصاد العالمي. وبالنسبة لبلدان مثل المغرب، فإنالتحدي لا يكمن في الاختيار بين الدولة والسوق، بل في بناء مؤسسات قادرةعلى جعل الاثنين يعملان في تناغم، خدمةً للسيادة الوطنية والتنافسيةالاقتصادية وتحسين مستوى عيش المواطنين.
مقال خاص لصحيفة قريش – لندن



















































