عبدالرزاق صالح
تعتمد المفاضلة في قصائد الشاعر العراقي سوران محمد على طبيعة التناول؛ حيث يمتاز أسلوبه بالعمق الفلسفي والمزج بين الرمزية والواقعية. وتُعد قصيدتا “طَور” و “رَمق الهالات” من الأمثلة البارزة التي توثق هذا الرأي و تعكس هويته الشعرية.
* قصيدة “طَور”
تُعتبر هذه القصيدة تجسيداً قوياً لسيناريوهات الفقد والضياع الإنساني في عوالم قاسية.
محورها: تتحدث عن صراع الوجود، الخريف، ومحاولة النجاة من الانكسار.
مقطع منها:
“لا تدع أوراق قميصك تتساقط،
إذا ضللت..
فاختفي أقل من الضياع”
* قصيدة “رَمق الهالات”
قصيدة تأملية مميزة نُشرت في الصحف الثقافية مثل صحيفة قريش.
محورها: تناقش فكرة الزمن والمكان وتقلبات التناقضات الإنسانية.
مثال مقطع :
“تؤرقك نظرات مفجوعة،
محفوفة بالحير..
مؤطرة بخيوط الزمكان”
Shade* قصيدة (الظل)
من أعماله المكتوبة أو المترجمة باللغة الإنجليزية، ونُشرت على منصات الشعر العالمية مثل PoemHunter
محورها: تركز على فكرة ملازمة “الظل” للإنسان كرمز للصمود الذي لا يسقط حتى وإن تعثر الجسد.
من مقاطعها:
“عندما ترتجف قدمك وتسقط..
فإن الظل لا يسقط”
الرؤية النقدية لـ سوران محمد:
إلى جانب نظمه للشعر، يمتلك الشاعر رؤية نقدية حول دور الأدب، لاسيما في دراسته المدوّنة في صحيفة المثقف بعنوان “الشعر بين النخبة والعامة”، يقسم فيها الشعراء إلى:
الهواة: من يمارسون الكتابة كشغف جانبي.
المحترقون داخلياً: من يجدون في القصيدة متنفساً حقيقياً للتخلص من الهموم والآلام.
والمحترفون القلائل الذين يبحثون عن الابداع والتجديد.
الشاعر سوران محمد يكتب بأسلوبين يكملان بعضهما: الجانب العميق المؤثر، والجانب النقدي الذكي.
يمكننا الآن استعراض أمثلة من قصيدة “طَور” وتحليل معانيها الفلسفية وجوانبها الابداعية الاخرى والجمالية مع كيفية الاستفادة من السريالية و توظيفها في خدمة ترسيخ رسالة النص:
تُعد قصيدة “طَور” للشاعر العراقي سوران محمد واحدة من أعمق النصوص السريالية المنشورة في مجلة بصرياثا الثقافية. تحمل القصيدة أبعاداً فلسفية حول جدلية الموت، والحياة، وقطار الزمن الذي لا يتوقف من أجل أحد.
تتكون القصيدة من نصوص سريالية مكثفة تعكس صراعاً وجودياً، يمكن الاطلاع على كامل أبياتها عبر المصادر المذكورة. ومن أبرز صورها:
١- تصوير اللحظات القاسية، تجمد المشاعر، ووهن الحياة عبر رموز كالشتاء والرموش المتجمدة.
٢- استحضار ثنائية “صوت الديك وسكين الجزار” والبحث عن المعنى تحت الأمواج.
٣- تجسيد فكرة “النعش” و”الشمس النادمة” و”شواهد القبور” تعبيراً عن حتمية الموت.
٤- خاتمة تدعو للتأمل في العودة إلى المهد ونقطة البداية عبر “سلم الزمن”.
المفاتيح الفنية والدلالية للنص:
الرمزية السوداوية: يوظف الشاعر صوراً حادة (اليوم القارس، سكين الجزار، نعش، شواهد القبور) ليخلق مناخاً تراجيدياً حياً عن حتمية الموت.
سُلّم الزمن الدائري: تبدأ القصيدة بالخوف من الموت والرحيل، وتنتهي بالنزول على سلم الزمن لرؤية مهد ترقد فيه الروح، في إشارة سينمائية لعودة الإنسان إلى نقطة البداية (الطفولة أو العدم).
عبثية الصراع: عبارة “لن يتوقف المرور من أجل نعش” تعكس رؤية الشاعر لعدم اكتراث العالم الخارجي بمآسي الأفراد وصراعاتهم الداخلية.
هنا سنقوم بتشريح بعض الصور تشريحاً نقدياً وبلاغياً لأبرز الصور الفنية في قصيدة “طَور” للشاعر سوران محمد، حيث نرى كيف حوّل الأفكار الفلسفية المجردة إلى لوحات بصرية ملموسة:
1. صورة “جمود الزمن والجسد” (المشهد الافتتاحي)
في قوله عن اليوم القارس وتجمد الرموش:
نوع الصورة: استعارة مكنية وتشخيص.
التشريح: حوّل الشاعر البرد من مجرد حالة طقس إلى “قوة أسر” تُجمد حركة الإنسان (الرموش). البرد هنا ليس مناخياً، بل هو رمز لـ “البرود العاطفي” أو “الجمود الوجودي” الذي يصيب الإنسان عندما تتكالب عليه الظروف.
2. مفارقة “صوت الديك وسكين الجزار”
)Contrast نوع الصورة: (صورة تقابلية ورمزية تراجيدية .
التشريح: الفجر أو صيحة الديك في الموروث الشعري ترمز عادةً للأمل والبدايات الجديدة. لكن الشاعر يربطها بـ “سكين الجزار”، محولاً الأمل إلى تهديد بالزوال. هذه الصورة تشرح “عبثية الأمان”؛ فاللحظة التي تظنها بداية حلم جديد، قد تكون بداية النهاية.
3. جدلية “النعش وعالم المرور”
في فكرة أن “المرور وحركة الحياة لن تتوقف من أجل نعش عابر”:
Situational Irony نوع الصورة: مفارقة مشهدية).
التشريح: يرسم الشاعر لوحة سينمائية لشارع مزدحم وصاخب، يمر فيه نعش ميت في صمت تام دون أن يلتفت إليه أحد. الصورة هنا تُشرح “هامشية الوجع الإنساني”؛ العالم مستمر في الركض، والكون لا يأبه بموت الأفراد أو انكسارهم.
4. صورة “الشمس النادمة”
نوع الصورة: استعارة مكنية (أنسنة الطبيعة).
التشريح: الشاعر لا يرى الشمس كمصدر للضوء والدفء، بل يضفي عليها صفة إنسانية وهي “الندم”. كأن الطبيعة نفسها تشعر بالذنب لأنها تشرق على عالم مليء بالمآسي والقبور، وهو ما يثري عمق “السوداوية الفلسفية” في النص.
5. “سُلّم الزمن الدائري” (المشهد الختامي)
النزول عبر سلم الزمن لرؤية المهد:
نوع الصورة: صورة رمزية مركبة (لوحة سريالية).
التشريح: الزمن في وعي البشر يتقدم دائماً للأمام (خط مستقيم). لكن الشاعر يتخيله “سلماً” ينزل به إلى الخلف ليصل إلى “المهد” (الطفولة/البداية). هذه الصورة تُشرح “الحنين إلى اللاوعي” أو الرغبة في الهروب من وعي الشيخوخة والموت والعودة إلى البراءة الأولى حيث لا خوف ولا انكسار.
عموما تعتمد قصيدة “طَور” على “الصدمة البصرية”؛ فالشاعر سوران محمد لا يكتب كلمات بقدر ما يلوّن النص بظلال داكنة، مستخدماً عناصر الطبيعة (البرد، الشمس، الفجر) ليعكس صراعات النفس الداخلية.
تحليل الموسيقى الداخلية:
يتأسس البناء الإيقاعي لقصيدة “طَور” للشاعر سوران محمد على الموسيقى الداخلية (أو الإيقاع الداخلي)، نظراً لكونها قصيدة نثر سريالية تتخلى عن الوزن والقافية الموحدة لتعتمد بالكامل على حركة الألفاظ وتجانس الحروف.
1. إيقاع التكرار اللفظي والترديد
يعتمد الشاعر على تكرار بعض الكلمات أو التراكيب لخلق نغمة دائرية تشبه نبضات القلب المتوترة:
التأثير: تكرار المفردات المرتبطة بالزمن أو الموت يُحدث حالة من “الرجيع الصوتي” في أذن القارئ.
الوظيفة: التكرار هنا لا يهدف إلى الحشو، بل يعمل كـ “لازمة موسيقية” تُعيد القارئ إلى الفكرة المركزية (الحصار الوجودي) كلما ابتعد في الصور السريالية.
2. تناغم الحروف (الهجاء الصوتي)
يوزع الشاعر الحروف بناءً على حالته النفسية داخل النص، ويظهر ذلك في توازيين:
حروف الهمس والرخاوة (السين، الحاء، الشين، الخاء): تبرز بكثرة في مقاطع مثل (الرموش المتجمدة، الشمس النادمة، سكين الجزار، النعش). هذا التتابع يخلق هسيساً صوتياً يوحي بالسرية، الهدوء الحذر، وقشعريرة البرد؛ مما يناسب مناخ القصيدة “القارس”.
حروف الانفجار والجهر (الطاء، القاف، الدال): تتجلى بوضوح في الكلمات المفتاحية مثل (طَور، قطار، تجمد، القبور). هذه الحروف تُحدث ضربات إيقاعية حادة تكسر رتابة الهمس، وتجسد لحظات “الصدمة” أو المفاجأة التراجيدية (مثل صيحة الديك أو حركة القطار).
3. الجناس الصامت وتقطيع الجمل (التوازي التركيبي)
يمتاز أسلوب سوران محمد بالعبارات القصيرة المكثفة التي تنتهي بوقوف مفاجئ.
التشريح: الجمل في القصيدة لا تتدفق كالنهر، بل تقفز كخطوات متعثرة (مثال: جملة النعش، ثم الانتقال فوراً لشواهد القبور، ثم سلم الزمن).
الأثر الإيقاعي: هذا التقطيع السريع يخلق “إيقاعاً لاهثاً” (Staccato). يعكس هذا الإيقاع صوت الأنفاس المتلاحقة لشخص يحاول النجاة من الزمن، مما ينقل التوتر النفسي من روح الشاعر إلى أذن المتلقي مباشرة.
4. التضاد الصوتي بين الحركة والسكون
تتحرك الموسيقى الداخلية في القصيدة بين قطبين:
صوت السكون والتجمد: تمثله الألفاظ التي توحي بالتوقف (التجمد، القبور، النعش، المهد). الموسيقى هنا بطيئة وثقيلة.
صوت الحركة والضجيج: تمثله الألفاظ الديناميكية (المرور، القطار، صيحة الديك، النزول). الموسيقى هنا سريعة وصاخبة.
النتيجة: هذا التناوب الإيقاعي يمنع النص من الرتابة، ويجعل القصيدة تتحرك كأمواج البحر؛ تعلو مع الحركة والضجيج، وتهبط مع السكون والموت.
وهكذا فان الموسيقى الداخلية في قصيدة “طَور” ليست مجرد زينة لفظية، بل هي “صدى صوتي” للحالة الفلسفية. الشاعر جعل الكلمات تبدو “باردة وثقيلة” لتطابق موضوع القصيدة الذي يناقش الموت والزمن القارس.
أبعاد الرمزية “السريالية”:
تُعد السريالية (Surrealism) الأداة الفكرية والفنية الأبرز التي اتكأ عليها الشاعر سوران محمد في قصيدة “طَور”. من خلالها، تخطى حدود الواقع المنطقي الملموس، ليدخل إلى منطقة “ما فوق الواقع” أو عالم الأحلام والكوابيس، حيث تتشابك الرموز لتعبّر عن أزمة الإنسان المعاصر.
تفكيك وتحليل لأبعاد هذه الرمزية السريالية في النص:
1. الوعي اللاهامشي وصدمة المفارقة (Juxtaposition)
من أهم ركائز السريالية هي الجمع بين عنصرين متناقضين تماماً في مشهد واحد لخلخلة وعي القارئ.
تطبيقها في النص: الربط بين “صيحة الديك الفجرية” (التي تمثل الأمل والحياة) و “سكين الجزار” (التي تمثل الذبح والنهاية).
البُعد الرمزي: الشاعر هنا يعبر بسريالية عن أن الأمان مجرد وهم؛ فاللحظة التي ينتظر فيها الإنسان الخلاص والأمل (الفجر)، قد تكون هي اللحظة ذاتها التي يُساق فيها إلى حتفه الوجودي.
2. أنسنة الجماد وتشييء الإنسان (Depersonification & Anthropomorphism)
في الرمزية السريالية، تتبادل الكائنات والأشياء أدوارها الطبيعية:
تطبيقها في النص: وصف “الشمس بالندم”، و “الرموش بالتجمد”، و“المرور بعدم الاكتراث لمرور النعش”.
البُعد الرمزي: تصبح الطبيعة والجمادات كائنات واعية تشعر بالذنب (الشمس النادمة)، بينما يتحول الإنسان وجسده إلى أشياء متيبسة (الرموش المتجمدة). هذا البعد السريالي يرمز إلى “الاغتراب”؛ حيث يفقد الإنسان إنسانيته وحرارته، بينما تكتسب الأشياء المحيطة به سلطة وقوة ضاغطة عليه.
3. البُعد الكابوسي لـ “الزمن السائل”
تتعامل السريالية مع الزمن بوصفه مرناً أو مشوهاً (كما في لوحات الرسام السريالي الشهير سالفادور دالي “إصرار الذاكرة”):
تطبيقها في النص: فكرة “النزول عبر سُلّم الزمن لرؤية المهد”، مع استمرار حركة القطار والشارع الصاخب.
البُعد الرمزي: الزمن في القصيدة ليس خطاً مستقيماً (ماضي، حاضر، مستقبل)، بل هو كابوس دائري. الشاعر يكسر منطق الزمن الفيزيائي ليعلن أن النهاية (النعش/القبور) تلتقي بالبداية (المهد). السريالية هنا تخدم فكرة “العبثية”، حيث يركض الإنسان في قطار الحياة السريع، ليكتشف في النهاية أنه يعود إلى نقطة الصفر أو العدم الأول.
4. سوداوية المشهد واللاوعي (The Unconscious)
تستدعي السريالية الصور من عمق “اللاوعي” والمخاوف المكبوتة دون رقابة من العقل المنطقي.
تطبيقها في النص: مشهد الشارع المزدحم وحركة السير التي لا تتوقف من أجل “نعش عابر” تحت شمس نادمة وشواهد قبور صامتة.
البُعد الرمزي: هذا المشهد يمثل لوحة سريالية سوداوية بامتياز، ترمز إلى “الهامشية المطلقة للذات الإنسانية”. اللاوعي هنا ينضح بالخوف الأكبر للإنسان: ليس خوف الموت بحد ذاته، بل الخوف من أن يُنسى ويموت دون أن يلاحظ العالم غيابه، حيث يستمر صخب الحياة كأن شيئاً لم يكن.
وهكذا الشاعر سوران محمد في قصيدة “طَور” لم يستخدم السريالية لمجرد الغموض، بل وظّفها كـ “قناع شعري” لتمرير أفكار فلسفية معقدة حول الموت، الزمن، والعدم. لقد جعل النص يبدو كحلم ثقيل أو كابوس يقظة، حيث يمتزج المهد بالنعش، والشتاء بالبرد النفسي الداخلي.
وقد تبين لنا مما سبق بأن الشاعر سوران محمد في قصيدته “طور” استخدم نماذج سريالية عبر دمج العناصر الطبيعية بالجسد البشري وتجميد المشاعر، متجاوزاً المنطق التقليدي في تصوير الانكسارات والاغتراب النفسي. تتجلى هذه السريالية في صور كابوسية تجمع بين نقيضين، وتحويل الروح إلى كائن مادي يغادر الجسد، بالإضافة إلى كسر الزمن نكوصاً نحو الماضي.



















































