تكوين الطبيب: ما وراء المعرفة العلمية هوية مهنية

21 يونيو 2026
تكوين الطبيب: ما وراء المعرفة العلمية هوية مهنية


بقلم عبد السلام الصديقي

كاتب صحفي ووزير سابق

ما الذي تكشف عنه أطروحة الدكتوراه في الطب التي ناقشتها بنجاحالدكتورة ياسمين بوطيب حول موضوع: «نمذجة تكوين الهوية المهنية لدىالأطباء الداخليين العاملين في الخطوط الأمامية بمصالح المستعجلاتالاستشفائية الجامعية بالمغرب»

وراء كل طبيب كفء توجد مسيرة طويلة من التكوين، تجمع بين اكتسابالمعارف العلمية، والتجارب الإنسانية، وتحمل المسؤوليات المتزايدة، ومواجهةاختبارات وظروف صعبة أحياناً. وقد سلطت الأطروحة التي أنجزتها الطبيبةالشابة اعتماداً على دراسة الأطباء الداخليين العاملين في مصالحالمستعجلات الاستشفائية الجامعية، الضوء على بُعد غالباً ما يتم إغفاله فيالتكوين الطبي، وهو بناء الهوية المهنية للطبيب المستقبلي.

وتُظهر نتائج هذه الدراسة أن جودة التأطير، والدعم الذي توفره المؤسسة، والقدرة على مواجهة الضغوط، تشكل عوامل حاسمة في بروز مهنيي الصحةفي المستقبل.

وتُعد مصالح المستعجلات بدون شك من أكثر الفضاءات الاستشفائية تطلباًوصعوبة. ففي كل يوم تتكفل الفرق الطبية بحالات يكون فيها الزمن عاملاًحاسماً، وتُفرض فيها قرارات سريعة، بينما يظل عدم اليقين جزءاً منالممارسة اليومية. وفي هذا العالم الذي تسوده ضغوط إنسانية وتنظيميةكبيرة، يحتل الأطباء الداخليون مكانة أساسية.

فهم يقفون على الحدود الفاصلة بين مرحلة التعلم وممارسة المهنة، حيثيساهمون بشكل فعّال في تقديم العلاجات، ويؤمنون الحراسات الطبية، ويتخذون قرارات سريرية، ويجدون أنفسهم منذ وقت مبكر أمام حالات معقدةقد يكون لها تأثير مباشر على حياة المرضى. وتشكل هذه التجربة الميدانيةمرحلة حاسمة في مسارهم، لأنهم لا يتعلمون فقط كيفية علاج المرضى، بليتعلمون أيضاً كيف يصبحون أطباء.

دراسة رائدة في السياق المغربي

رغم أن ظروف عمل مهنيي الصحة كانت موضوع العديد من الدراسات عبرالعالم، فإن الكيفية التي يبني بها الأطباء الشباب هويتهم المهنية لا تزالقليلة البحث في المغرب، خصوصاً في السياق الخاص لمصالح المستعجلاتالاستشفائية الجامعية.

وقد سعت هذه الدراسة المنجزة في إطار هذه الأطروحة إلى فهم التفاعلاتبين عدة أبعاد، من بينها جودة الإشراف السريري، ومستوى الدعم التنظيميالذي يشعر به الأطباء الداخليون، ومستوى الضغط النفسي، واستراتيجياتالتكيف مع الصعوبات، والقدرة على الصمود.

ولتحليل هذه العلاقات المعقدة، اعتمدت الباحثة على منهجية إحصائيةمتقدمة تقوم على النمذجة بالمعادلات البنيوية، مما مكن من دراسة العلاقاتالمباشرة وغير المباشرة بين مختلف هذه العوامل.

وقد سمحت هذه المقاربة بتجاوز النظرة التبسيطية التي تعتبر أن الصعوباتالتي يواجهها الأطباء الداخليون مرتبطة فقط بقدراتهم الشخصية، إذ تُظهرعلى العكس أن بناء الطبيب هو حصيلة تفاعل مستمر بين الموارد الفرديةوبيئة التكوين.

ما الذي يشكل فعلاً طبيب الغد؟ دور الإشراف الطبي، والدعم المؤسساتي، والقدرة على الصمود

من أهم الإسهامات التي جاءت بها هذه الدراسة أنها أبرزت أن تكوين الهويةالمهنية للطبيب لا يرتكز فقط على المؤهلات والصفات الفردية للطبيبالداخلي، بل يتأثر بشكل عميق بجودة الوسط الذي يتطور داخله. فالمستشفى الجامعي ليس مجرد فضاء للعلاج والتدريس، بل هو مجالحقيقي للتنشئة المهنية تُنقل داخله المعارف، والسلوكيات، والقيم، والثقافةالطبية.

الإشراف السريري: علاقة تُسهم في بناء طبيب المستقبل

من بين العوامل التي تناولتها الدراسة، تبرز جودة الإشراف السريري كأحدالعناصر الأكثر حسماً في مسار الأطباء الداخليين. فوجود أطباء ذوي خبرةمتاحين لمواكبة الأطباء الشباب، ونقل تجاربهم إليهم، وتقديم ملاحظات بناءةحول قراراتهم الطبية، يؤدي دوراً أساسياً في تطورهم المهني.

ولا ينبغي الخلط بين الإشراف وبين مجرد مراقبة العمل المنجز، فهو قبل كلشيء علاقة تربوية تسمح للطبيب الداخلي بأن يطور تدريجياً استقلاليتهالمهنية في إطار آمن ومطمئن. ومن خلال هذا التوازن الدقيق بين تحملالمسؤولية والمواكبة، يكتسب الطبيب الشاب الثقة اللازمة لممارسة مهنته.

وفي مصالح المستعجلات، حيث تفرض بعض الحالات اتخاذ قرارات في وقتوجيز وفي ظروف يطبعها عدم اليقين، تزداد أهمية هذا الإشراف بشكل أكبر. فالتأطير التربوي الملائم يسمح بتحويل الحالات الصعبة إلى تجارب تعليميةغنية، في حين أن غياب التأطير قد يحول تحمل المسؤولية المبكرة إلى مصدرللضغط النفسي والهشاشة المهنية.

الدعم المؤسساتي: اعتراف لا غنى عنه

تسلط الدراسة الضوء أيضاً على أهمية الدعم التنظيمي الذي يشعر بهالأطباء الداخليون. فخلف هذا المفهوم يبرز سؤال جوهري: هل تمنح المؤسسةالاستشفائية للأطباء الشباب الإحساس بأنهم يحظون بالدعم والتقديروالمواكبة في أداء مهامهم؟

ويتجلى هذا الدعم من خلال عدة أبعاد، من بينها جودة تنظيم العمل، وتوفرالوسائل الضرورية لممارسة المهنة الطبية، والاعتراف بالجهود المبذولة، وجودةالتواصل مع المسؤولين، والشعور بالانتماء إلى جماعة مهنية.

وعندما يشعر الطبيب الداخلي بأن المؤسسة تأخذ صعوباته بعين الاعتباروتثمن التزامه، يصبح أكثر قدرة على تطوير إحساسه بالانتماء إلى المهنة. وعلى العكس من ذلك، فإن بيئة العمل التي يطغى عليها غياب الاعتراف أوكثرة القيود التنظيمية قد تؤدي إلى فقدان الحافز وتؤثر سلباً على تجربةالتكوين.

وتكتسي هذه الخلاصة أهمية خاصة في السياق الراهن للمنظومة الصحيةالمغربية، التي تعرف إصلاحات كبرى تهدف إلى تعزيز البنيات الاستشفائية، وتوسيع الولوج إلى العلاجات، والرفع من عدد الموارد البشرية الصحية. غيرأن هذه التحولات لن تحقق أهدافها كاملة دون إيلاء عناية خاصة لجودةالتكوين وظروف عمل الأطباء الشباب.

في مواجهة ضغوط المستعجلات: تعلم الصمود والتكيف

إن الممارسة اليومية داخل مصالح المستعجلات تعرض الأطباء الداخليينلضغط نفسي وعاطفي كبير، نتيجة معاناة المرضى، والحالات الحرجة التيتهدد الحياة، والإرهاق الناتج عن الحراسات الليلية، وضيق الوقت، وتزايدحجم المسؤوليات. وفي مثل هذا السياق، تصبح القدرة على التحكم فيالضغط النفسي والحفاظ على الالتزام المهني عاملاً أساسياً لتحقيقالتوازن.

وتبين الأطروحة أن القدرة على الصمود، أي القدرة على مواجهة الصعوبات، والتكيف معها، والاستمرار في التطور رغم الإكراهات، تشكل مورداً أساسياًفي بناء الهوية المهنية للطبيب. كما أن استراتيجيات التكيف التي يطورهاالأطباء الداخليون تمكنهم من تحويل التجارب الصعبة أحياناً إلى فرصللتعلم والنمو الشخصي.

ومع ذلك، سيكون من الخطأ اعتبار أن الصمود يجب أن يكون وسيلةلتعويض الاختلالات التي يعرفها النظام الصحي. فالقدرة الفردية علىالتكيف لا يمكن أن تحل محل وجود تنظيم استشفائي جيد. ومن ثم فإنالمسؤولية مشتركة: فالأطباء الشباب يحتاجون إلى المرافقة من أجل تطويركفاءاتهم الشخصية، لكن المؤسسات بدورها مطالبة بتهيئة الظروف الملائمةلازدهارهم المهني.

تصور متجدد للتكوين الطبي

من أهم الرسائل التي تحملها هذه الأطروحة المتميزة أن تكوين الطبيب لميعد ممكناً اختزاله في مجرد تراكم المعارف العلمية. فالعلاقة الجيدة معالمؤطرين، والاعتراف المؤسساتي، والتجربة الجماعية داخل الفرق الطبية، والقدرة على مواجهة الصعوبات، كلها عناصر تشارك في بناء مهني الصحة.

إن تكوين طبيب جيد لا يعني فقط نقل المعارف، بل يقتضي أيضاً توفيرالظروف التي تمكن الطبيب المستقبلي من تطوير قدرته على التشخيصالسريري، وتعزيز حس المسؤولية، والثقة بالنفس، وترسيخ التزامه تجاهالمرضى.

دروس من أجل مستقبل التكوين الطبي بالمغرب

إلى جانب قيمتها العلمية، تفتح هذه الدراسة آفاقاً للتفكير العملي حولمستقبل التكوين الطبي وتنظيم المستشفيات الجامعية بالمغرب. فهي تذكربحقيقة كثيراً ما يتم إغفالها، وهي أن جودة النظام الصحي لا تعتمد فقطعلى البنيات التحتية، والتجهيزات، وعدد المهنيين الذين يتم تكوينهم، بل كذلكعلى الكيفية التي تتم بها مرافقة هؤلاء المهنيين خلال مسار تعلمهم وبناءهويتهم المهنية.

ويتمثل الدرس الأول في ضرورة تعزيز ثقافة التأطير والتوجيه الطبي. ففيسياق استشفائي يتسم بتزايد حجم النشاط وكثرة الضغوط على الفرقالطبية، يجد الأطباء ذوو الخبرة أنفسهم غالباً بين متطلبات العلاج، ومهامالتدريس، والبحث العلمي. ومع ذلك، فإن تخصيص الوقت لمواكبة الأطباءالداخليين لا ينبغي اعتباره عبئاً إضافياً، بل استثماراً استراتيجياً في جودةطب المستقبل.

ومن ثم، يصبح من الضروري تثمين وظيفة الإشراف السريري، وتطوير

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com