صدى اللفائف الحريرية
بقلم: عبد اللطيف مبارك

كاتب من مصر
لم يكن الموت ذلك النوم الأبدي الذي وعد به كهنة آمون، بل كان انتظاراً ثقيلاً ومخنقاً. في القلب الجيري لجبانة “طيبة” بالبر الغربي للأقصر، تحركت حبة رمل واحدة من مكانها، تلاها حفيف جاف ورتيب، كان صوت احتكاك لفائف كتانية عمرها آلاف السنين فوق الحجر صعوداً.
فتح “أمون-ميس” عينيه. لم تكن عيوناً جسدية، بل كانت الـ “با” (الروح) وهي تستعيد جسدها. انتصب واقفاً من تابوته المصنوع من الجرانيت الوردي، متجاهلاً كومات الذهب وتماثيل “الأوشابتي” ذات الطلاء الأزرق التي وُضعت بجانبه لخدمته في العالم الآخر؛ فلم يكن يريد خدماً، كان يريد “نفرت” فحسب.
تسلل عبر الممرات الضيقة المزينة بنقوش مراسم جنازته حتى خرج إلى السطح. لم تكن السماء هي ذاتها التي عهدها؛ بدت النجوم أبعد، ولم تعد رائحة النيل نقية، بل كانت هناك رائحة دخان غريبة وحادة تملأ الأجواء.
وقف على ضفاف البر الغربي متأملاً مدينة الأحياء. كانت “طيبة” —التي تُدعى الآن الأقصر— تتلألأ بأضواء باهرة تجعل النجوم تغار منها. تساءل في نفسه:
“أين أنتِ يا نفرت؟ هل ما زلتِ تنتظرين بجانب المسلة، أم أن الزمان قد سرق ظلك؟”
لم يستخدم قارباً من القصب، بل انسل بجسده عديم الوزن فوق المياه المظلمة، غير مرئي للسياح الذين يضحكون على متن “الفلوكة”. وعندما وصل إلى البر الشرقي، حيث تشرق الشمس، شعر بالطاقة الصاخبة للمدينة الحديثة. وجد عباءة سوداء منسية على مقعد خشبي، فلفها فوق لفائفه الممزقة؛ ليصبح في عتمة الليل مجرد غريب طويل القامة، يشبه الظل.
في الشوارع المزدحمة القريبة من معبد الأقصر، وبين ضجيج المحركات وروائح التوابل المقلية، شعر بقلبه الصامت منذ قرون وكأنه ينبض من جديد.
هناك كانت تقف، أمام واجهة زجاجية مليئة بتماثيل “الألباستر”. نفس الرقبة الرشيقة، نفس العينين اللوزيتين اللتين كحلهما يوماً بالمرود، وتلك الشامة الصغيرة عند طرف الشفاه… كانت ترتدي ملابس غريبة —قماشاً أزرقاً صلباً على ساقيها وقميصاً أبيض— لكن الـ “كا” الخاصة بها، أي جوهرها، كانت لا تقبل الشك.
اندفع نحوها، فخرج صوته كحفيف أوراق البردي الجافة:
“نفرت… لقد عدتُ من أجلكِ.”
التفتت الفتاة بذهول؛ كانت تُدعى “سلمى”، طالبة في علم الآثار تقضي أيامها في دراسة الملوك الذين يشبههم هذا الرجل. نظرت إلى الغريب، كانت تفوح منه رائحة المر والزعفران ورياح الصحراء التي تعود لألف عام.
لم تصرخ، فقد رأت في عينيه حزناً عميقاً وقديماً لا يمكن لأي ممثل أن يقلده. همست بصوت مرتجف:
“من أنت؟ ومن أين تعرف هذا الاسم؟”
تسمّر “أمون-ميس” في مكانه. كانت اللغة مختلفة، لكن نبرة صوتها هي ذاتها.
“أنا من وهبكِ قلبه في الكرنك، ووعدكِ بأن روحي ستجدكِ حتى لو حاول ‘عمعم’ التهامها. ألا تتذكرين يا ملكتي؟”
كان عقل سلمى الأكاديمي يعمل بسرعة. نظرت إلى يديه؛ كانتا كخشب الأرز المنحوت، داكنتين وتحملان آثار الزمن. سألت وهي تشعر بقشعريرة باردة تسري في ظهرها:
“أنت… أنت لا تنتمي لهذا الزمان، أليس كذلك؟”
اقتادها الرجل إلى ضفة النهر، بعيداً عن أضواء النيون. هناك، تحت ضوء القمر الفضي، أنزل عباءته. لم يكن وحشاً، بل كان ذكرى نبيلة نحتها الزمن وهذّبها الحب.
بدأت سلمى بالبكاء؛ ليس خوفاً، بل من وطأة هذا الإخلاص الذي لا يتزعزع.
“يا سيدي… نفرت التي تبحث عنها ماتت قبل ثلاثة آلاف عام. أنا لستُ هي، أنا مجرد صدى بعيد لجمالها.”
هز الرجل رأسه ببطء:
“الروح لا تموت يا آنستي، هي فقط تغير ثيابها. لقد وجدتكِ، وهذا يكفي لأعود إلى صمتي.”
أخرج من بين لفائفه الكتانية القديمة جعراناً رقيقاً منحوتاً من حجر “اللازورد” الأزرق النادر، ووضعه في كفها.
“احتفظي بهذا، لتعلمي أنني لم أكن حُلماً.”
ومع ملامسة خيوط الفجر الذهبية الأولى لقمم البر الغربي، بدأ “أمون-ميس” يتلاشى كدخان البخور. عاد إلى التراب، ليس كجثة، بل كعاشق استقر قلبه أخيراً.
في صباح اليوم التالي، وقفت سلمى أمام تمثال لنبيل منسي في متحف الأقصر. نظرت إلى التميمة الزرقاء في يدها وابتسمت. أدركت حينها أن الحب في هذه المدينة لا يُدفن أبداً، بل ينتظر تحت الرمال أن يدعوه القلب الصحيح ليعود إلى دياره.
القصة خاصة لصحيفة قريش -ملحق ثقافات واداب -لندن


















































