ثرثرة الشك
شكيب عبدالحميد

قاص من المغرب
قصد المقهى. لابد أن يشرب قهوته قبل الذهاب إلى عمله. ليس على مايرام.
هذا الصباح لايشبه صباحاته. قضى ليلته مسهدا.
لم يطرق النوم اجفانه. ترك زوجته تغط في نومها. ترك المنزل باكرا. وهذه ليست عادته. كان يتناول الفطور من يدي زوجته التي تركها تغط في نومها وترك المنزل باكرا وقصد المقهى ليشرب قهوته. قهوته السوداء من يد فاطمة النادلة التي أعجب بها منذ أن وطأت قدمها المقهى. جميلة المحيى رشيقة القد. لافتة للانظار.
مج مجة من قهوته. تساءل في نفسه. لم لم يحس بحرارة جسد زوجته. ماهذا الصقيع الذي أصابها. من أين لها بهذا البرود. هي التي كانت كثلة لهب.. وثابة في ادغال الجسد. وما ادراك ما الجسد.تناوشته الظنون. لابد أن شيئا ما ارخى حبال الرغبة على عواهنه وافرغ الجوع من شهوته.
النادلة تتراقص أمامه بسروال الجينز الضيق.
ضحكتها مع الزبائن تملأ الرحب.
مذاق القهوة التي قصد المقهى من أجلها هذا الصباح وترك زوجته تغط في نومها والتي بات معها كمن يبيت في العراء.. كان مذاقها مرا. القهوة بدورها ليست على مايرام.
الصباح الذي ترك فيه منزله على غير عادته ولم يتناول فطوره من يد زوجته التي تركها تغط في نوم عميق صباح بائس.. كئيب.. فاتر.. مر.. عقيم.. بارد. لولا النادلة التي تلبس سروال الجينز الضيق الذي يجمع عجيزتها فتثير الزبائن وزوار المقهى العابرين لما كان لجلسته الصباحية تلك التي ترك فيها منزله وخرج دون تناول الفطور من يد زوجته التي لم تلبي رغبته ليلة البارحة طعما.. ولا معنى.
اكمل كأسه. ونظر الى ساعته وهمهم لقد مر الوقت بسرعة البرق. لقد تأخرت عن المدرسة. نفح النادلة ثمن المشروب وحمل حقيبته وقصد المدرسة. الشارع خال من البشر. استغرب لهذا الفراغ الذي لم يعهده في الصباح.. كلما خرج من منزله قاصدا المؤسسة.
اسرع الخطو.. دقائق.. وكان امام المدرسة بحقيبته. وجد الباب مقفلا. ولا حس للتلاميذ. طرق الباب عدة مرات لم يجبه احد. تساءل أين الحارس. مكث برهة. الى ان سمع أحدا يناديه من الخلف. وجد حارس المدرسة على دراجته العادية محملا بقبطة نعناع وشريط إسفنج. حياه وسأله في دهشة:
ما الذي اتي بك يا استاذ.؟
ماهذا السؤال؟ جئت للعمل طبعا.
اليوم يوم الأحد يا استاذ.
يوم الأحد ردد الاستاذ في حيرة واستغراب.
تفضل.. دعاه الحارس ليشرب كأس شاي منعنع. لبى الدعوة وهو ذاهل. كيف ان اليوم يوم الأحد وما الذي أصابني كي أنسى الى هذه الدرجة؟
شرب كأسه الأول واستزاد لان شاي الحارس لا يعلى عليه.
سأله الحارس وهو يكاد يتلعثم.
استاذ لقد بلغت الخمسين من عمرك فلم لا تتزوج؟
وضع الاستاذ الكأس من يده والتفت الى الحارس وأجابه بحدة:
انا متزوج منذ زمان. والتي تركتها تغط في البيت وكانت باردة كالصقيع وخرجت باكرا واتجهت الى المقهى دون أن أتناول من يدها فطوري كالعادة. من تكون؟ تكلم.
نظر اليه الحارس باستغراب وسأل:
متى كنت متزوجا يا استاذ.؟
ترك سؤال الحارس معلقا وهرول نحو المنزل وهو يردد:
والتي تركتها بجانبي مضطجعة وباردة كالصقيع وخرجت دون إفطار قاصدا مقهاي ونادلتي الحسناء من تكون؟ .والزبائن؟ والحارس؟
من تكون؟
من تكون؟
من تكون..؟ ….
كان يهرول.. بينما حقيبته تتناثر منها أوراقه. تتطاير في الهواء امام أعين المارة المادة مآقيها.. مستغربة متسائلة.. وخصوصا التي تعرف الاستاذ.. الذي ترك منزله واخذ قهوته في المقهى.. ثم قصد المدرسة يوم الأحد.. وهي لا تعلم عنه شيئا.. ولا تدري ما أصابه.
قصة قصيرة، خاصة لصحيفة قريش – ملحق ثقافات وآداب



















































