ربيع فيصل الحافظ
المملكة المتحدة
الحواضر التي تتعرض لدمار الحروب، وفيها أحياء تراثية، تعد محظوظة؛ فهذه الأحياء مهوى قلوب أهلها، ويطلق على مثل هذا الحي في الجغرافيا الاجتماعية أسم «عبقرية المكان»، إذ تنبعث منه حياة المدينة، ويبدأ التئام نسيجها الاجتماعي من جديد. والقليعات هي موطن عبقرية المكان في الموصل، ومهوى قلوب اهلها.
ستذكر الموصل، بمرارة الأجيال، من هدم حيّها الأثير، حيث تآلفت معالمها الحضرية، وتجّلت روحها وهويتها، ونافست، بما احتضنه من عراقة العمران وثراء التراث، أعرق مدن الشرق.
وستذكر ايضاٌ من أصم أذنيه عن مشورة أبنائها المتخصصين في التراث والعمارة؛ فبدلا من إحياء ذلك الحي مركزاً حضرياً وتربويا نابضاً بالحياة، ينهض من خلاله مجتمعها من جديد، أمعن في محو ما تبقى من ذاكرته، ليقيم على أنقاضه نموذجاً عمرانياٌ يحاكي الدوحة، وكأن الموصل بلا تاريخ تعتز به، ولا هوية تستحق أن تصان.
للموصل من يحبها ومن يبغضها، لكن أهلها وحدهم أدرى بذوقها، وأعمق فهماً لروحها وهويتها. ومن أحبها، فليسترشد بذوق أهلها، وليصغ إلى صوت ذاكرتها؛ فليس حب المدن بما نفرضه عليها من أذواقنا، بل بما نصونه من روحها وخصوصيتها.
أعانك الله يا موصل على تعدد بلواك؛ فما أقسى أن تهدم ذاكرتك باسم إعمارك، وأن ياتيك المحو ممن اؤتمن على إحيائك، وما أقسى أن تنساك أقلامك، وأنت أحوج ما تكونين إلى من يكتب وجعك، ويشهد على ما يمحى من روحك.



















































