بقلم د. مصطفى الغاشي
أستاذ التعليم العالي
جامعة عبد المالك السعدي بتطوان
مقدمة: من تدبير النزاع إلى إعادة صياغة شروط التسوية، تكشف الوثيقة الصادرة عن مجلس الأمن عن مجموعة من التحولات المهمة في مقاربة مجلس الأمن للنزاع حول الصحراء المغربية، ولا سيما ما يتعلق بالمرجعية السياسية للمفاوضات، ومفهوم الحكم الذاتي، ودور الأمم المتحدة، ومستقبل بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو).
غير أن القراءة الدقيقة تقتضي التمييز بين مستويين متكاملين: القرار 2797 لسنة 2025، الذي تحيل إليه الوثيقة، ومشروع القرار المعروض في الوثيقة، والذي يتضمن تدابير مقترحة لتمديد ولاية البعثة وإعادة تنظيم عملها خلال المرحلة المقبلة. فالوثيقة ليست مجرد نص تقني يتعلق بتجديد ولاية بعثة أممية؛ إنها تطرح أسئلة سياسية واستراتيجية بشأن كيفية الانتقال من إدارة نزاع طال أمده إلى محاولة بناء تسوية تفاوضية قابلة للتنفيذ.
وسنعتمد في هذه القراءة على ثلاثة مستويات اساسية: تحليل اللغة الدبلوماسية، وتفكيك المقتضيات الاثني عشر الواردة في منطوق المشروع، ثم استجلاء دلالاتها السياسية والقانونية والاستراتيجية بالنسبة إلى المغرب والأطراف الأخرى والأمم المتحدة.
تؤكد المعلومات المنشورة في الوثائق الأممية أن القرار 2797 الصادر في 31 تشرين الأول / أكتوبر 2025 مدّد ولاية المينورسو إلى 31 تشرين الأول / أكتوبر 2026، ودعا إلى التفاوض على أساس المقترح المغربي للحكم الذاتي، وطلب مراجعة استراتيجية لمستقبل البعثة. أما الوثيقة الاخيرة فتتجاوز ذلك إلى اقتراح إعادة هيكلة البعثة وتغيير تسميتها وتقليص مكونها العسكري.
وتشير تقارير منشورة في 22 و23 تشرين الأول / أكتوبر 2026، إلى أن النص يندرج ضمن مشروع أمريكي جديد ما زال قيد التداول، وليس قراراً نهائياً تنسب جميع أحكامه إلى مجلس الأمن بوصفها قرارات معتمدة.
أولاً: السياق السياسي والاستراتيجي للمشروع، انه لا يمكن فهم هذا المشروع بمعزل عن ثلاثة تطورات مترابطة.
1. التحول في مرجعية المفاوضات، فمنذ تقديم المغرب مبادرة الحكم الذاتي سنة 2007، ظل أحد أهداف الدبلوماسية المغربية هو نقل النقاش الدولي من التركيز على الاستفتاء بوصفه آلية لحسم النزاع إلى اعتماد الحكم الذاتي باعتباره إطاراً للتفاوض حول التسوية السياسية. وقد حمل القرار 2797 لسنة 2025، تطوراً مهماً في هذا الاتجاه، عندما جعل المقترح المغربي أساساً للمفاوضات، وأشار إلى أن الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية يمكن أن يشكل الحل الأكثر قابلية للتطبيق. وبناء على ذلك، تقتضي الدقة التمييز بين أمرين اساسيين: الاول، اعتماد مبادرة الحكم الذاتي أساساً للمفاوضات: وهو ما نص عليه القرار 2797.
والثاني، اعتبار الحكم الذاتي الحل الوحيد الممكن بصورة نهائية: وهي صياغة أكثر حسماً تظهر في المشروع الجديد.
فهذا الفرق ليس لغوياً فقط؛ بل يمس طبيعة العملية السياسية، وحدود الخيارات المتاحة للتفاوض، ومدى قدرة الأطراف على تقديم مقترحات بديلة أو تعديلات على التصور المطروح.
2. إعادة النظر في دور المينورسو، لقد تأسست بعثة المينورسو سنة 1991، في إطار ترتيبات هدفت إلى وقف إطلاق النار والتحضير لاستفتاء بشأن مستقبل الإقاليم الجنوبية. وقد ارتبط اسمها ووظيفتها التاريخية بالاستفتاء، وإن كانت ممارسة البعثة قد شملت أيضاً مهاماً أخرى مرتبطة بمراقبة الوضع الميداني ودعم المسار الأممي. وبعد مرور أكثر من ثلاثة عقود، ظل الحل السياسي النهائي بعيد المنال، واستمرت الخلافات بشأن الهيئة الناخبة وشروط الاستفتاء ومضمون التسوية.
وفي هذا السياق، يطرح المشروع الجديد سؤالاً جوهرياً: هل ينبغي أن تستمر البعثة في أداء مهمتها وفق التصور التاريخي الذي أُنشئت من أجله، أم أن استمرار تعثر التسوية يقتضي إعادة تشكيلها لتصبح أكثر ارتباطاً بالمفاوضات السياسية؟ فهذا السؤال مشروع من حيث المبدأ، لكنه لا يُحسم بمجرد تغيير الاسم أو تقليص عدد الأفراد؛ إذ يتطلب تحديد المهام الجديدة، وضمانات تنفيذها، وعلاقتها بقرارات مجلس الأمن السابقة.
3. الانتقال من تجديد الولاية إلى إعادة هندسة المهمة الأممية، لقد كانت التجديدات السنوية السابقة لولاية المينورسو تسمح باستمرار البعثة مع إدخال تعديلات محدودة على صياغة المهام أو التأكيد على المسار السياسي. أما المشروع الحالي، فيطرح حزمة مترابطة من التغييرات: تمديد الولاية إلى 31 أكتوبر 2027.
تغيير اسم البعثة ابتداءً من 1 تشرين الثاني/ نوفمبر 2026. تقديم مقترحات بشأن هيكلها ومواردها ومهامها المستقبلية.
تقليص مكونها العسكري بصورة كبيرة. إعادة توجيه عملها نحو دعم العملية السياسية. تعزيز مشاورات المبعوث الشخصي مع مكونات المجتمع الصحراوي.
واستكمال تسجيل اللاجئين في مخيمات تندوف.
ومن هنا أهمية المشروع: إنه لا يقترح استمرار البعثة فقط، بل يربط مستقبلها بالاتجاه الذي ستسلكه المفاوضات وبالتصور الجديد لطبيعة التسوية.
ثانياً: تحليل منطوق المشروع بنداً بنداً،
البند الأول: تمديد الولاية وتغيير اسم البعثة، ينص البند الأول على تمديد ولاية البعثة إلى غاية 31 تشرين الأول/ أكتوبر 2027، مع تغيير اسمها ابتداءً من فاتح نوفمبر 2026 من «بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية» (MINURSO) إلى «بعثة الأمم المتحدة في الصحراء الغربية» (MINUSO). وهذا التغيير يحمل دلالتين أساسيتين.
الأولى: إعادة تعريف المهمة الأممية، ويتضمن الاسم القديم إحالة صريحة إلى الاستفتاء، وهو ما يعكس الإطار التاريخي الذي أُنشئت البعثة في سياقه. أما الاسم الجديد، فيحذف هذه الإحالة، ويجعل البعثة مرتبطة بالإقليم دون تحديد آلية بعينها لتقرير مستقبله.
فمن الناحية السياسية، يمكن قراءة ذلك باعتباره توجهاً نحو تجاوز مركزية الاستفتاء في التعريف المؤسسي للبعثة، وإعطاء الأولوية لدعم العملية السياسية.
الا انه وجب الانتباه إلى أن حذف كلمة «الاستفتاء» من الاسم لا يعني، في حد ذاته، إلغاء جميع الالتزامات أو المرجعيات القانونية السابقة؛ فذلك يتوقف على مضمون القرار المعتمد، وطبيعة المهام الجديدة، وكيفية تعامله مع القرارات الأممية ذات الصلة.
الثانية: تثبيت مرحلة انتقالية جديدة، اذ إن تحديد تاريخ بدء التسمية الجديدة، مع تمديد الولاية سنة كاملة، يوحي بأن المشروع لا يتجه إلى إنهاء الوجود الأممي فوراً، بل إلى إعادة تنظيمه. وبذلك يصبح التغيير المقترح انتقالاً من بعثة تحمل في اسمها هدفاً إجرائياً محدداً إلى بعثة يُفترض أن يكون دورها أكثر ارتباطاً بمواكبة التسوية السياسية. ومع ذلك، يبقى السؤال الأساسي: هل سيُترجم تغيير الاسم إلى تغيير فعلي في الصلاحيات، أم سيظل تغييراً مؤسسياً ورمزياً؟
ان الجواب هنا يتوقف على البنود المتعلقة بالهيكلة والموارد والمكون العسكري، وهي البنود التي تمنح هذا المقترح أهميته الاستراتيجية.
البند الثاني: إعادة هيكلة البعثة وتحديد مواردها، يطلب المشروع من الأمين العام تقديم مقترحات تفصيلية بشأن ولاية البعثة وهيكلها ومواردها البشرية والمالية، بما يشمل آليات إعداد التقارير، وإزالة الألغام، ودعم العملية السياسية، وإعادة استخدام هياكل الدعم الموجودة. ويُفهم من هذا البند أن التغيير المقترح لا يقتصر على التسمية، بل يشمل إعادة النظر في طريقة اشتغال البعثة. وهنا تبرز ثلاثة مستويات:
المستوى المؤسسي: تحديد ما إذا كانت البعثة ستحتفظ ببنيتها الحالية أم ستتحول إلى بعثة سياسية خاصة.
المستوى المالي: مراجعة الموارد المخصصة للبعثة وفق المهام التي ستُسند إليها.
المستوى العملياتي: إعادة توزيع الموظفين والوسائل اللوجستية، مع الحفاظ على المهام التي ستظل ضرورية.
غير إعادة الهيكلة لا تعني بالضرورة تحسين الفعالية تلقائياً. فقد يؤدي تقليص الموارد إلى تخفيض التكاليف، لكنه قد يضعف أيضاً القدرة على جمع المعلومات والتحقق من التطورات الميدانية، إذا لم تواكبه آليات بديلة. ومن ثم، فإن المعيار الحقيقي لنجاح الإصلاح ليس حجم التقليص المالي، بل قدرة البعثة على أداء مهام محددة وقابلة للقياس.
البند الثالث: تقليص المكون العسكري بنسبة لا تقل عن 50%، يدعو المشروع إلى الشروع في تقليص تدريجي للمكون العسكري، بما يؤدي إلى خفض لا يقل عن 50% من عدد الأفراد العسكريين المرخص لهم في موعد أقصاه 31 كانون الأول/ يناير 2027، إلى جانب إغلاق بعض مواقع العمل أو دمجها..وربما ان هذا من أكثر البنود حساسية في الوثيقة. فالمكون العسكري ليس مجرد عنصر إداري داخل البعثة؛ بل يرتبط بمراقبة الوضع الميداني، والاتصال بالأطراف، وتوثيق بعض التطورات التي يمكن أن تؤثر في الاستقرار. ويمكن أن يستند تقليصه إلى فرضية سياسية مفادها أن الانتقال إلى مرحلة تفاوضية أكثر تقدماً يسمح بتخفيض الاعتماد على الانتشار العسكري الأممي. غير أن هذه الفرضية تحتاج إلى اختبار عملي. فوجود مفاوضات لا يعني بالضرورة انتهاء المخاطر الميدانية، كما أن الانتقال السياسي قد يتزامن مع استمرار التوترات. لذلك يجب هنا التمييز بين هدفين:
تقليص الحضور العسكري باعتباره جزءاً من إعادة تنظيم المهمة، والحفاظ على الحد الأدنى من القدرات الضرورية لمراقبة الوضع وتجنب التصعيد. فإذا تحقق الهدف الأول على حساب الثاني، فقد ينشأ فراغ في المراقبة لا تعوضه بسهولة بعثة سياسية محدودة الإمكانات. أما إذا جرى التقليص بالتوازي مع وضع آليات فعالة للرصد والتواصل والتحقق، فقد يصبح جزءاً من تحول مؤسسي أوسع. ان السؤال الذي ينبغي أن يطرحه المغرب وبقية الأطراف هو: ما الضمانات التي ستمنع أن يؤدي تقليص المكون العسكري إلى إضعاف القدرة على التحقق من الوقائع الميدانية؟
البند الرابع: ضمان استمرارية القيادة والخبرة المؤسسية،
يشدد المشروع على أهمية الحفاظ على استمرارية القيادة والمعرفة المؤسسية خلال مرحلة الانتقال. فقد يبدو هذا البند تقنياً صرفا، لكنه بالغ الاهمية؛ لأن التحولات المؤسسية الكبرى يمكن أن تفقد البعثات الأممية جزءاً من خبرتها المتراكمة إذا جرى تغيير القيادة أو إعادة توزيع الموظفين بصورة متسرعة. وتشمل المعرفة المؤسسية هنا خبرة العاملين في المنطقة، وشبكات الاتصال، وفهم الوقائع الميدانية، وتاريخ الخلافات بين الأطراف، وآليات التعامل مع الحوادث.
الا ان الاستمرارية الإدارية لا تكفي وحدها لضمان الحياد والفعالية. فالمطلوب هو الحفاظ على الخبرة، مع مراجعة المهام بوضوح وتحديد مسؤوليات كل جهة.
البند الخامس: دعم الأمين العام والمبعوث الشخصي والولايات المتحدة، يعبر المشروع عن دعمه للأمين العام للأمم المتحدة ومبعوثه الشخصي ستيفان دي ميستورا، كما يبرز دور الولايات المتحدة في تيسير المفاوضات، مشيراً إلى ثلاث جولات من المحادثات بين الأطراف.
وتكتسب هذه الإشارة أهمية سياسية؛ لأنها تُظهر أن المشروع يريد وصل إعادة هيكلة البعثة بمسار تفاوضي يجري العمل على تنشيطه. الا انه من الضروري التمييز بين ثلاثة أدوار:
الأمين العام: ويتحمل المسؤولية المؤسسية عن عمل الأمم المتحدة، ويقدم تقاريره ومقترحاته إلى مجلس الأمن.
المبعوث الشخصي: ويتولى تيسير العملية السياسية والاتصالات مع الأطراف المعنية.
الولايات المتحدة: وتضطلع بدور دبلوماسي في تيسير المفاوضات، إلى جانب دورها داخل مجلس الأمن.
إن الجمع بين هذه الأدوار سيساعد على تنسيق الجهود، لكنه يثير أيضاً سؤالاً حول العلاقة بين التيسير الدبلوماسي والمرجعية الأممية: فالمفاوضات التي ترعاها دولة أو مجموعة من الدول تظل بحاجة إلى إطار واضح يضمن أن تكون نتائجها قابلة للتوافق والتنفيذ، وألا تتحول الوساطة إلى بديل عن المؤسسات الأممية المختصة.
البند السادس: توسيع المشاورات مع مكونات المجتمع الصحراوي، يدعو المشروع المبعوث الشخصي إلى التشاور مع طيف واسع من مكونات المجتمع الصحراوي والجهات الفاعلة، بما يشمل المشاركين في المفاوضات أو غير المشاركين فيها، والأشخاص الموجودين داخل الإقليم أو في مخيمات اللاجئين أو في الشتات.
ان لهذا البند اهمية هاصة؛ لأنه يطرح مسألة التمثيل السياسي والاجتماعي، وهي إحدى الإشكاليات المركزية في النزاع. فالمفاوضات لا تتعلق فقط بمواقف الأطراف الرسمية، بل تتعلق أيضاً بمستقبل السكان المعنيين، وتصوراتهم بشأن الحكم والتمثيل والحقوق والضمانات.
غير ان توسيع المشاورات لا ينبغي أن يُفهم باعتباره بديلاً عن المفاوضات الرسمية. فالمشاورات المجتمعية تساعد على فهم المطالب والاحتياجات، بينما تتطلب التسوية السياسية مفاوضات بين الأطراف المعنية بشأن القضايا الجوهرية. كما ينبغي أن تكون المشاورات شاملة وشفافة، وأن تتجنب الاقتصار على الشخصيات أو التنظيمات الأقرب إلى أي طرف.
وهنا تبرز مسألة عملية بالغة الحساسية نلخصها: كيف يمكن قياس مدى تمثيل المشاركين، وضمان عدم إقصاء أصوات اجتماعية أو سياسية مختلفة؟
إن نجاح هذا البند يتوقف على منهجية التشاور، وتنوع المشاركين، وطريقة إدراج نتائج المشاورات في التقارير الأممية وفي المسار التفاوضي.
البند السابع: اعتماد الحكم الذاتي المغربي أساساً للمفاوضات، يدعو المشروع الأطراف إلى التعاون بدينامية نشطة وبناءة مع المقترح المغربي للحكم الذاتي، باعتباره الأساس المقترح للتفاوض. وتكمن أهمية هذا البند في أنه يربط الدعوة إلى التفاوض بمرجعية محددة، بدلاً من ترك إطار التفاوض مفتوحاً بشكل كامل.
فسياسياً، يمثل ذلك امتداداً للتوجه الذي ظهر في القرار 2797 لسنة 2025، الذي دعا إلى إجراء المفاوضات على أساس مبادرة الحكم الذاتي المغربية، مع الترحيب بالمقترحات البناءة التي يمكن أن تقدمها الأطراف استجابة لها. غير ان هناك فرق بين اعتماد مبادرة ما أساساً للتفاوض، وبين اعتبار كل تفاصيلها محسومة قبل بدء المفاوضات. فالمفاوضات الجادة تحتاج إلى إطار مرجعي، وتحتاج أيضاً إلى تحديد القضايا التي يمكن مناقشتها، وآليات صياغة التفاهمات، والضمانات المتعلقة بالتنفيذ.
وبالنسبة إلى المغرب، يطرح هذا البند تحدياً يتمثل في الانتقال من الدفاع عن المبادرة بوصفها إطاراً للحل إلى تقديم تصور مؤسساتي مفصل ومقنع بشأن كيفية تطبيق الحكم الذاتي، وهو ما يعني أن أهمية المشروع لا تكمن في صياغته الدولية فقط، بل في مدى قدرة المغرب ايضا على بلورة تفاصيل عملية بشأن المؤسسات والصلاحيات والموارد والتمثيل السياسي والضمانات القانونية.
البند الثامن: الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية بوصفه الحل الأكثر قابلية للتطبيق، يذهب المشروع إلى التأكيد أن الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية يمثل الحل الأكثر قابلية للتطبيق لتسوية النزاع، مع ربط ذلك بالتوصل إلى حل عادل ودائم ومقبول من الأطراف.
وفي هذا المقام، وجب الانتباه إلى أن هذه الصياغة تجمع بين عنصرين: الأول: تحديد اتجاه التسوية، ويتعلق ذلك بإعطاء الأولوية السياسية للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية. والثاني: شرط التسوية التفاوضية، ويتعلق بالتوصل إلى حل مقبول من الأطراف، وبما يرتبط بذلك من تفاوض وتنازلات وضمانات. فمن الناحية التحليلية، ينبغي التمييز بين «الحل الأكثر قابلية للتطبيق» و«الحل الذي جرى الاتفاق عليه نهائياً».
فالأول يعبر عن تقييم سياسي أو دبلوماسي لجدوى خيار معين، أما الثاني فيقتضي التوصل إلى اتفاق نهائي واستكمال الإجراءات اللازمة لتنفيذه. كما أن الإشارة إلى الحكم الذاتي «الحقيقي» تجعل مضمون المبادرة وتفاصيلها جزءاً أساسياً من النقاش. فنجاح أي صيغة للحكم الذاتي يتوقف على وضوح توزيع الصلاحيات، وفعالية المؤسسات، وآليات المساءلة، وضمانات الحقوق، والعلاقة بين السلطات المحلية والسلطة المركزية.
وبالتالي، فإن الرهان لا يتعلق بالسيادة وحدها، بل بكيفية ترجمة الحكم الذاتي ايضا إلى ترتيبات مؤسسية قابلة للتطبيق والاستمرار.
البند التاسع: تسجيل اللاجئين في مخيمات تندوف،
يدعو المشروع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى استكمال تسجيل اللاجئين في منطقة تندوف خلال ستة أشهر، وفق القانون الدولي للاجئين، مع مراعاة مبدأ عدم التدخل في شؤونهم، وضمان الوصول إلى المعلومات المتعلقة بهم، وتقييم ظروفهم، وتيسير حرية التنقل. وهذا البند له أبعاد إنسانية وقانونية وسياسية متداخلة.
البعد الإنساني: تحسين معرفة الاحتياجات الفعلية للاجئين، وتوجيه المساعدات وفق معطيات أكثر دقة.
البعد القانوني: تعزيز عمل المفوضية في مجال الحماية وتحديد الاحتياجات وتوثيق الأوضاع وفق اختصاصاتها.
البعد السياسي: توفير معلومات أكثر موثوقية بشأن عدد اللاجئين وظروفهم، بما يساعد على مناقشة الملفات المرتبطة بهم على أساس معطيات قابلة للتحقق.
الا ان تسجيل اللاجئين ليس إجراءً محايداً تماماً من حيث آثاره العملية؛ إذ يمكن أن يثير أسئلة تتعلق بالوصول إلى الأشخاص، وضمانات الخصوصية، وحرية التنقل، واستقلالية العمل الإنساني… ولهذا ينبغي أن يُنفذ وفق المعايير الدولية ذات الصلة، مع تجنب تحويل التسجيل إلى أداة سياسية أو إخضاع المساعدات الإنسانية لحسابات التفاوض.
والأهم أن الملف الإنساني لا ينبغي أن يبقى رهينة استمرار النزاع. فحماية اللاجئين وتوفير ظروف العيش الكريم لهم مسؤولية قائمة بذاتها، بصرف النظر عن مآل المفاوضات.
البند العاشر: دعوة الدول الأعضاء إلى دعم المفاوضات،
يدعو المشروع الدول الأعضاء إلى دعم المفاوضات وجهود التيسير. وتعكس هذه الدعوة إدراكاً بأن تسوية النزاع لا تعتمد فقط على مواقف الأطراف المباشرة، بل تتأثر أيضاً بالمواقف الدبلوماسية للدول التي تمتلك علاقات سياسية واقتصادية وأمنية مع الأطراف المعنية.
غير ان الدعم الدولي في هذه اللحظة قد أن يتخذ أشكالاً مختلفة، منها: توفير الوساطة، وتسهيل الاتصالات، وتشجيع الأطراف على المشاركة، ودعم تنفيذ أي اتفاق يتم التوصل إليه.
وفي مقابل ذلك، قد تؤدي الانقسامات داخل مجلس الأمن أو بين القوى الدولية إلى تعقيد المسار التفاوضي.
وقد أظهر التصويت على القرار 2797 في 31 تشرين الأول/ أكتوبر 2025، هذه التباينات؛ إذ حظي القرار بأحد عشر صوتاً مؤيداً، وثلاثة امتناعات، فيما لم تشارك الجزائر في التصويت.
وعليه، فإن توسيع الدعم الدولي لا يعني بالضرورة اختفاء الخلافات، بل يتطلب إدارة هذه الخلافات بما يسمح باستمرار العملية السياسية.
البند الحادي عشر: التقارير الدورية للأمين العام، يطلب المشروع من الأمين العام إحاطة مجلس الأمن بانتظام خلال فترة الولاية. وفي هذا السياق، تؤدي التقارير الدورية وظيفة أساسية في النظام الأممي، لأنها تتيح للمجلس متابعة التطورات الميدانية والسياسية، وتقييم أداء البعثة، والوقوف على مدى تقدم المفاوضات.
الا ان قيمة التقارير تتوقف على طبيعة المعلومات التي تتضمنها، وقدرة البعثة على جمعها والتحقق منها، ومدى انعكاسها على القرارات اللاحقة. وفي حالة تقليص المكون العسكري وإعادة تشكيل البعثة، يصبح السؤال إلملح ما الأدوات التي ستضمن استمرار تدفق المعلومات الموثوقة؟ ذلك، انه إذا تراجعت القدرات الميدانية دون توفير بدائل، فقد تصبح التقارير غير قادرة على توثيق بعض التطورات. أما إذا جرى تطوير وسائل الرصد والاتصال والتحقق، فقد تستمر وظيفة المتابعة رغم تغير الهيكل المؤسسي.
البند الثاني عشر: إبقاء المسألة قيد نظر مجلس الأمن،
ينص البند الأخير على إبقاء المسألة قيد نظر مجلس الأمن. وهذه صيغة إجرائية معتادة في قرارات المجلس، لكنها تحمل دلالة مهمة: حيث إن تمديد الولاية وإعادة تنظيم البعثة -إذا اعتُمدا- لا يعنيان إغلاق ملف الصحراء المغربية أو حسم النزاع نهائياً، بل سيظل المجلس معنياً بمتابعة التطورات، والنظر في التقارير، واتخاذ ما يراه مناسباً في حدود صلاحياته. وبذلك يظل مستقبل البعثة مرتبطاً بالمسار السياسي وبما ستسفر عنه المفاوضات، وليس بانتهاء أجل التمديد.
ثالثاً: الدلالات السياسية الكبرى للمشروع، انه بعد تحليل البنود الاثني عشر، يمكن استخلاص خمس دلالات رئيسية.
1. من تجديد الولاية إلى إعادة تعريف وظيفة الأمم المتحدة، يتمثل التحول الأبرز في الانتقال من تمديد ولاية المينورسو إلى إعادة النظر في اسمها وهيكلها ومكونها العسكري ومهامها المستقبلية. وهذا يعني أن النقاش لم يعد مقتصراً على المدة الزمنية التي ستظل فيها البعثة قائمة، بل يمتد إلى سؤال أعمق: ما الوظيفة التي ينبغي أن تؤديها الأمم المتحدة في المرحلة المقبلة؟
ويظل هذا التحول مشروطاً باعتماد المشروع رسمياً، وبمضمون الصيغة النهائية التي سيقرها مجلس الأمن.
2. إعطاء الحكم الذاتي موقعاً مركزياً في العملية السياسية، يؤكد المشروع الاتجاه الذي ظهر في القرار 2797 لسنة 2025، والمتمثل في اعتماد المبادرة المغربية أساساً للمفاوضات. غير أن المشروع الجديد يذهب الى ما هو أبعد في صياغته السياسية، إذ يربط مستقبل البعثة بإطار تفاوضي يتمحور حول الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
وهنا ينبغي التمييز بين تعزيز موقع المبادرة المغربية في المفاوضات وبين القول إن النزاع قد حُسم نهائياً. فالتسوية المستدامة تحتاج إلى اتفاق قابل للتنفيذ، وإلى ترتيبات واضحة بشأن المؤسسات والصلاحيات والضمانات.
3. تقليص البعد العسكري وتعزيز البعد السياسي، حيث يقترح المشروع تقليص المكون العسكري بنسبة لا تقل عن 50%، مع تطوير البعثة في اتجاه سياسي. ويعكس هذا التوجه الرغبة في إعادة توجيه الموارد نحو دعم التسوية، لكنه يثير في المقابل تساؤلات بشأن مراقبة الوضع الميداني والتحقق من الالتزامات.
لذلك فإن نجاح التحول المقترح يتوقف على تحقيق توازن بين تقليص الانتشار العسكري والمحافظة على القدرات الضرورية لمنع التصعيد.
4. إعادة إدراج الملف الإنساني في صلب التسوية، حيث يشير المشروع إلى تسجيل اللاجئين في مخيمات تندوف، وحرية التنقل، وظروف العيش، والحاجة إلى التمويل الدولي. وتكشف هذه المقتضيات أن النزاع لا يمكن اختزاله في الخلاف السياسي حول السيادة أو شكل الحكم، بل يتضمن أيضاً قضايا إنسانية واجتماعية تتطلب معالجة مستقلة ومستمرة.
ومن ثم، فإن أي تسوية سياسية لا ينبغي أن تتجاهل احتياجات السكان وحقوقهم، ولا أن تجعل من تحسين ظروفهم رهينة التوصل إلى اتفاق نهائي.
5. أهمية التفاصيل التنفيذية، فكلما اقترب النقاش الدولي من صياغة تسوية محددة، ازدادت أهمية التفاصيل التي كانت تُترك أحياناً للمراحل اللاحقة.
فالحكم الذاتي، مثلاً، لا يصبح قابلاً للتطبيق بمجرد الاتفاق على اسمه، وإنما يحتاج إلى تحديد المؤسسات والاختصاصات والموارد والعلاقة بين السلطات وآليات تسوية الخلافات. وهذا يضع مضمون المبادرة المغربية في قلب المرحلة المقبلة.
رابعاً: الأبعاد القانونية للمشروع وحدود دلالاته، تقتضي القراءة القانونية التمييز بين ثلاثة مستويات اساسية:
الأول: القرارات الأممية المعتمدة، ذلك، ان القرار 2797 لسنة 2025، وثيقة رسمية صادرة عن مجلس الأمن، وهو الذي مدّد ولاية المينورسو حتى 31 أكتوبر 2026، ودعا إلى التفاوض على أساس المقترح المغربي، وطلب مراجعة استراتيجية لمستقبل البعثة.
الثاني: مشروع القرار الجديد، حيث ان النص يتضمن مقتضيات مقترحة بشأن تمديد الولاية إلى أكتوبر 2027، وتغيير الاسم، وتقليص المكون العسكري، وإعادة تنظيم المهام. الا ان هذه المقتضيات لا تصبح أحكاماً معتمدة لمجرد ورودها في مشروع؛ بل ينبغي التحقق من التصويت النهائي والصيغة التي يقرها المجلس.
الثالث: الآثار القانونية والسياسية المحتملة، فحتى إذا اعتُمد المشروع بصيغته الحالية، فإن تفسير آثاره يتطلب قراءة القرار الجديد في علاقته بالقرارات السابقة، وتحديد المهام التي أُبقي عليها أو عُدلت أو أُلغيت.
ومن الاهمية بما كان عدم الخلط بين تغيير اسم البعثة وبين حسم الوضع القانوني النهائي للإقليم. فالأول إجراء مؤسسي مقترح، أما الثاني فيتعلق بالتسوية السياسية والقانونية للنزاع.
خامساً: ماذا يعني المشروع بالنسبة إلى المغرب؟ يمكن قراءة دلالات المشروع بالنسبة إلى المغرب من خلال أربعة محاور اساسية:
الأول: الانتقال من الدفاع الدبلوماسي إلى بناء تصور مؤسسي متكامل، فإذا اعتُمد الاتجاه الذي يعكسه المشروع، فإن المرحلة المقبلة ستتطلب من المغرب توضيح التفاصيل العملية للحكم الذاتي، بما يشمل:
اختصاصات المؤسسات المحلية وآليات انتخابها، العلاقة بين السلطات المحلية والسلطة المركزية. توزيع الصلاحيات الإدارية والمالية، ضمانات الحقوق والحريات، آليات الرقابة والمساءلة، طرق تسوية الخلافات حول الاختصاصات، والضمانات المرتبطة بتنفيذ أي اتفاق نهائي.
فهذه العناصر ليست تفاصيل ثانوية؛ بل هي التي تحدد مدى قابلية أي صيغة للحكم الذاتي للتطبيق والاستمرار.
الثاني: إدارة الانتقال المؤسسي للبعثة الأممية،
انه إذا جرى تغيير بنية البعثة وتقليص مكونها العسكري، فسيكون على المغرب أن يتعامل مع ترتيبات جديدة تتعلق بالتواصل الميداني، وتبادل المعلومات، ومراقبة الوضع، وتحديد المسؤوليات. والأهم أن تُقيّم هذه التغييرات وفق نتائجها العملية، لا وفق دلالاتها الرمزية وحدها.
الثالث: الفصل بين المكاسب الدبلوماسية ومتطلبات التسوية، حيث يمكن أن يتعزز موقع المقترح المغربي في إطار المفاوضات، لكن ذلك لا يلغي ضرورة معالجة القضايا التي ستطرح على طاولة التفاوض. فالمكانة الدبلوماسية للمبادرة شيء، وبناء اتفاق قابل للتطبيق شيء آخر، وهو ما يقتضي إعداد تصورات دقيقة حول المؤسسات والحقوق والضمانات، بما يسمح بتحويل المرجعية السياسية إلى مشروع تسوية واضح.
الرابع: إبقاء البعد الإنساني في صلب المعالجة، حيث إن معالجة ملف اللاجئين وظروفهم وحرية تنقلهم تتطلب مقاربة عملية تستند إلى المعايير الإنسانية والقانونية، وتضمن استقلال العمل الإنساني. كما يمكن لهذه المعالجة أن تساعد على تخفيف الآثار الاجتماعية للنزاع، بصرف النظر عن المدة التي ستستغرقها المفاوضات السياسية.
سادساً: كيف يمكن أن تتعامل الأطراف الأخرى مع المشروع؟ انه من المرجح أن تنصب المناقشات السياسية والقانونية حول المشروع على ثلاثة موضوعات أساسية:
أولاً: المرجعية التفاوضية، حيث سيظل السؤال مطروحاً حول مدى قبول الأطراف باعتماد الحكم الذاتي أساساً للمفاوضات، وما إذا كانت ستقدم مقترحات بشأن مضمونه أو تطالب بإعادة صياغة المرجعية.
ثانياً: مستقبل البعثة.د، حيث ستثار تساؤلات حول جدوى تقليص المكون العسكري، وطبيعة المهام التي ستظل البعثة مسؤولة عنها، ومدى كفاية الموارد المخصصة لها.
ثالثاً: مفهوم تقرير المصير، حيث يظل تقرير المصير من المبادئ التي يحيل إليها الإطار الأممي للنزاع، لكن الخلاف السياسي والقانوني يتعلق بكيفية تجسيده في تسوية نهائية، وبالعلاقة بينه وبين الحكم الذاتي، ومدى قبول الأطراف بالترتيبات المقترحة.
ويقتضي التحليل الدقيق هنا عدم اختزال هذه المسائل في مواجهة لفظية، بل في فحص الصياغات القانونية والخيارات التفاوضية والضمانات التنفيذية.
سابعاً: ثلاثة سيناريوهات محتملة لمستقبل المسار الأممي، انه بالامكان، استشراف ثلاثة سيناريوهات عامة،
السيناريو الأول: اعتماد المشروع مع تعديلات محدودة،
وفي هذه الحالة، قد يبدأ الانتقال إلى هيكل جديد للبعثة، مع تقليص مكونها العسكري وتوجيه عملها بشكل أكبر نحو العملية السياسية. وسيتوقف نجاح هذا السيناريو على وضوح المهام الجديدة، وقدرة الأمم المتحدة على المحافظة على الرصد الميداني، ومدى استعداد الأطراف لمواصلة التفاوض.
السيناريو الثاني: تعديل المشروع للتوفيق بين مواقف أعضاء مجلس الأمن، فقد تفضي المفاوضات داخل المجلس إلى تعديل بعض البنود المتعلقة بالمرجعية السياسية أو المكون العسكري أو آليات عمل البعثة.
ويمكن أن يؤدي ذلك إلى صيغة وسطية تؤجل بعض التغييرات أو تجعلها تدريجية، مع الحفاظ على مسار التفاوض. غير ان هذا الاحتمال يظل مرتبطاً بمواقف الدول الأعضاء وبما ستسفر عنه المشاورات بشأن النص النهائي.
السيناريو الثالث: استمرار الخلاف حول المرجعية السياسية ومستقبل البعثة، فإذا استمرت الخلافات حول الحكم الذاتي أو طبيعة المهمة الأممية، فقد يتعثر الانتقال المؤسسي أو يصبح تنفيذه أكثر صعوبة.
وفي هذه الحالة، ستزداد أهمية الحفاظ على قنوات الاتصال، وتجنب التصعيد الميداني، وضمان استمرار المهام الإنسانية الأساسية. ولا يعني هذا السيناريو بالضرورة انهيار العملية السياسية، لكنه قد يطيل مرحلة التفاوض بشأن شروطها ومؤسساتها.
في الختام، هل نحن أمام نهاية المينورسو أم بداية مرحلة جديدة؟ تكشف وثيقة مجلس عن محاولة لإعادة تعريف وظيفة الأمم المتحدة في ملف الصحراء. من خلال الربط بين المرجعية السياسية للمفاوضات، وإعادة هيكلة البعثة، وتقليص مكونها العسكري، وتوسيع المشاورات المجتمعية، ومعالجة بعض القضايا الإنسانية.
الا انه يجب عدم الخلط بين هذا التوجه المقترح وبين تسوية النزاع ذاته. فتغيير الاسم لا يحسم الوضع القانوني للإقليم، وتقليص عدد الأفراد لا يضمن وحده نجاح العملية السياسية، واعتماد الحكم الذاتي أساساً للمفاوضات لا يعادل التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن جميع تفاصيله.
إن الاختبار الحقيقي لأي تحول أممي سيكون في قدرته على تحقيق ثلاثة أهداف متلازمة: دفع المفاوضات نحو تسوية قابلة للتنفيذ، والمحافظة على الحد الأدنى الضروري من الاستقرار والرصد الميداني، وضمان معالجة القضايا الإنسانية وفق المعايير الدولية.
وبالنسبة إلى المغرب، فإن التحدي يتجاوز تثبيت موقع مبادرة الحكم الذاتي في الخطاب الدبلوماسي؛ إذ يتعلق الامر أيضاً ببلورة تصور مؤسسي واضح بشأن مضمونها وضماناتها وآليات تنفيذها.
أما على المستوى الأممي، فإن الانتقال من بعثة مرتبطة تاريخياً بالاستفتاء إلى بعثة ذات طابع سياسي أوسع، سيشكل تغييراً مهماً في طريقة إدارة الملف، لكنه لن يُغني عن الاتفاق السياسي الذي يظل جوهر التسوية.
والخلاصة أن المشروع، كما يظهر في الوثيقة، لا يعلن نهاية النزاع، بل يقترح إعادة تنظيم الأدوات الأممية التي يجري من خلالها التعامل معه. أما نجاح هذا التحول، فسيتوقف على الصيغة النهائية التي يعتمدها مجلس الأمن، وعلى قدرة الأطراف على تحويل المرجعيات السياسية إلى تفاهمات عملية قابلة للتنفيذ.
مقال خاص لصحيفة قريش – لندن



















































