عبدالكريم مراد
كاتب من سوريا
البيتُ من دون راعٍ يَضطرب، وتتشتّت الأسرة في داخله، وتتنازعها المرجعيات والقرارات، وقد ينتهي بها الأمر إلى الضياع. فإذا كان هذا حال البيت الصغير، فما بالُنا في وطنٍ تتعدّد فيه السلطات والمرجعيات والمؤسسات، وتتداخل فيه الصلاحيات، ويصبح المواطن أحياناً أمام أكثر من جهةٍ يُفترض أن تحتكم جميعها إلى القانون؟
إنّ استقرار أي مجتمع لا يبدأ من السلاح وحده، ولا من كثرة الحواجز والنقاط الأمنية، وإنَّما يبدأ أولاً من وضوح المرجعية، ووحدة القرار، وتوحيد مؤسسات الدولة، وخضوع الجميع للقانون دون استثناء.
ومن هنا، فإنّ قضية محافظة الحسكة ليست قضيّة مكوّن ضد مكوّن، ولا قضية عرب وكورد، ولا ينبغي أن تُقرأ على هذا الأساس الضيّق. الحسكة محافظة سورية متنوّعة، يعيش فيها الكورد والعرب والسريان والآشوريون وغيرهم، وهذه التعدُّدية ليست مشكلة ينبغي التخلُّص منها، بل حقيقة اجتماعيَّة ووطنيَّة ينبغي حمايتها وصونها ضمن دولة يتساوى فيها المواطنون في الحقوق والواجبات.
فمن يدفع ثمن ازدواجية المؤسسات… ؟
لقد أفرزت السنوات الماضية واقعاً إدارياً وأمنياً معقَّداً في شمال شرقي سوريا، وكانت محافظة الحسكة إحدى أبرز ساحاته. ومع بدء مسار دمج المؤسّسات المدنيّة والعسكريّة والأمنيّة ضمن مؤسّسات الدولة السوريّة خلال عام 2026، أصبح السؤال المطروح اليوم ليس: من انتصر على من؟ بل: كيف ننجح في بناء إدارة واحدة، وقانون واحد، ومرجعية واحدة، ومؤسّسات تعمل لخدمة جميع أبناء المحافظة؟
وقد نصّت التفاهُمات والاتّفاقات المعلنة خلال عام 2026 على دمج المؤسّسات المدنيّة في الحسكة ضمن مؤسّسات الدولة، وعلى دمج العناصر العسكريّة والأمنيّة ضمن وزارتي الدفاع والداخليّة وفق آليات محدّدة، كما شهدت المحافظة خطوات ميدانيّة في اتجاه انتشار قوى الأمن التابعة للدولة.
لكنَّ الانتقال من الاتفاقات والنصوص إلى واقعٍ مستقر ّيحتاج إلى وقت، وإلى إرادة سياسيّة وإداريّة واضحة، وإلى معالجة دقيقة للملفّات العالقة؛ إذ تشير تقارير حديثة إلى استمرار بعض مظاهر التداخل والازدواجية في الإدارة والخدمات والصلاحيات داخل المحافظة.
وهنا تكمن أهميّة المرحلة، فالمواطن الذي يريد استخراج وثيقة، أو تسجيل ملكيّة، أو الحصول على خدمة، أو اللّجوء إلى القضاء، أو حماية نفسه وماله وأسرته، لا يريد أن يعرف أي جهة أقوى من الأخرى، ولا يريد أن يعيش في منطقة تتعدَّدُ فيها المرجعيات. ما يريده ببساطة هو أن يعرف إلى أين يتوجّه، ومن المسؤول، وما هو القانون الذي يحميه.
فالأمن لا يستقيم بتعدّد المرجعيات، لأنَّ استمرار تعدّد المرجعيات الأمنيّة والإداريّة، حتّى في صورة مؤقّتة، يمكن أن يخلق ثغرات في المسؤوليّة ويزيد من صعوبة المحاسبة عندما تقع جريمة أو حادث أمنيّ.
فإذا حدثت عملية خطف، أو اعتداء، أو نزاع مسلح، أو جريمة بحقِّ أحد المواطنين، فإنَّ أوَّلَ سؤال يجب أن تكون إجابته واضحة هو:
من الجهة المسؤولة عن حماية المواطن؟
وحين تكون الإجابة ملتبسة، تصبح المحاسبة ملتبسة أيضاً.
ومن هنا فإنَّ توحيد المرجعيّة الأمنيّة لا يعني إلغاء خصوصيّة المجتمع المحليّ، ولا يعني إقصاء أبناء المحافظة من مؤسّساتها، بل يعني أن يكون الأمن العام خاضعاً لمؤسّسة وطنيّة واضحة، وأن يكون أفراد الشرطة والأمن من أبناء المنطقة وسائر مناطق سوريا، يعملون وفق القانون، لا وفق الولاءات العرقيّة أو الحزبيّة أو العشائريّة أو المناطقيّة.
وكما نعلم جميعاً فالدولة القويّة ليست دولةً تُقصي مكوّناتها، وهنا يجب التفريق بين أمرين كثيراً ما يجري الخلط بينهما:
وحدة الدولة شيء، وحقوق المكوّنات شيء آخر.
فليس من المنطقيّ أن تكون المطالبة بوحدة المؤسّسات ذريعةً للعودة إلى سياسات الإقصاء أو إنكار الحقوق الثقافيّة واللّغويّة أو السياسيّة لأي مكوّن من مكوّنات الشعب السوري.
وفي المقابل، لا ينبغي أن تتحوَّل المطالبة بحقوق أيِّ مكوّن إلى مبرّر لقيام مؤسّسات موازية للدولة أو سلطات منفصلة عنها.
فالطريق الصحيح هو أن يحصل الجميع على حقوقهم من خلال الدولة والقانون والمؤسّسات الدستورية، وقد تضمّن المرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2026 اعترافاً بالحقوق الثقافيّة واللغويّة للكورد في سوريا، ومعالجة عدد من القضايا المدنيّة والحقوقيّة المتراكمة، وهو ما يوضح أنَّ حماية الحقوق يمكن أن تكون جزءاً من بناء الدولة الواحدة، لا نقيضاً لها.
ولذك فإنَّ محافظة الحسكة تحتاج إلى مؤسّسات لا إلى المزيد من مراكز نفوذ
إنَّها بحاجة إلى شرطة تعمل وفق القانون، وقضاء مستقلّ وفعّال، وإدارة مدنيّة واضحة، ومجالس محليّة تخدم الناس، ومدارس تعمل وفق نظام تعليميّ واضح، ومؤسّسات صحيّة وخدميّة تتحمّل مسؤولياتها، وأجهزة رقابيّة تستطيع محاسبة المقصّرين.
وهي بحاجة، قبل كل شيء، إلى أن يشعر المواطن بأنّ الدولة دولةٌ له وليست دولةً عليه.
فالمواطن الكوردي يريد أن يعيش كردياً في ثقافته ولغته وذاكرته، والمواطن العربي يريد أن يعيش عربياً في ثقافته وانتمائه، والسرياني والآشوري وغيرهما يريدون الحفاظ على هويتهم وخصوصيتهم، لكنَّ جميعهم يحتاجون في الوقت نفسه إلى دولة واحدة تحميهم جميعاً.
وهذا هو معنى المواطنة الحقيقية.
إنَّ نجاح عملية الدمج لا يقاس فقط بعدد المباني التي انتقلت من جهة إلى أخرى، أو بعدد الحواجز التي تغيّرت تبعيتها، أو بآرمات الدوائر، وإنما يقاس بما يشعر به المواطن في حياته اليومية.
فهل أصبح القانون أوضح؟
وهل أصبح القضاء أكثر حضوراً؟
وهل تراجعت حالات الخطف والانفلات أم زادت؟
وهل أصبحت المؤسّسات الخدميّة أكثر انتظاماً ؟
وهل أصبح المواطن يعرف الجهة المسؤولة عن حقوقه؟
وهل يشعر أبناء الحسكة، بمختلف مكوناتهم، أنّهم متساوون أمام الدولة؟
- هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تكون في مقدمة المشهد.
أمَّا استمرار حالة رماديّة بين سلطتين أو أكثر، فيبقي الباب مفتوحاً أمام سوء الفهم، وتضارب الصلاحيات، واستغلال الثغرات من قبل الخارجين على القانون، وقد يفتح المجال أمام النزاعات المحلية والتوترات الاجتماعية وغيرها .
ولهذا فإن ّإنهاء الازدواجية لا ينبغي أن يكون شعاراً سياسياً فحسب، بل مشروعاً إدارياً وأمنياً وقانونياً متكاملاً ، فلا استقرار من دون عدالة ومساواة، ومع ذلك، فإنَّ عمليّة توحيد المؤسّسات وحدها لا تكفي.
لأنَّ الدولة التي توحّد مؤسّساتها ولا تحقّق العدالة، لن تصل إلى الاستقرار المنشود.
والاستقرار الحقيقيّ يحتاج إلى سيادة القانون، وإلى محاسبة عادلة، وإلى عدم الإفلات من العقاب، وإلى حماية المواطن من أيِّ اعتداء مهما كان مصدره، وإلى عدم استخدام القانون ضدَّ فئة وحمايته لفئة أخرى.
إنّ أبناء الحسكة، مثل جميع السوريين، بحاجة إلى دولة يشعرون فيها أنّ حقوقهم مصونة، وأنّ كرامتهم محفوظة، وأنّ القانون لا يميّز بينهم بسبب القوميّة أو اللّغة أو المنطقة أو الانتماء الاجتماعيّ.
وهذا لا يتحقّقُ إلّا عندما يصبح القانون فوق الجميع، والدولة فوق المؤسّسات الحزبيّة، والمواطنة فوق الانتماءات الضيّقة.
فمحافظة الحسكة ليست ساحة صراع… بل بيت سوري كبير يحضن جميع أبناءه بمودّة ومحبّة ووئام، فقد أنهكت سنوات الحرب السوريين جميعاً، ولم يعد من مصلحة أحد إعادة إنتاج الصراعات القديمة بأشكال جديدة.
محافظة الحسكة بحاجة إلى أن تنتقل من مرحلة تعدّد السلطات إلى مرحلة وحدة المؤسّسات، ومن منطق القوّة إلى منطق القانون، ومن التنافس على النفوذ إلى التنافس على خدمة المواطن.
وليس المطلوب إلغاء أحد، ولا الانتقام من أحد، ولا محو ذاكرة أحد.
أجل ….!
فالمطلوب هو أن نضع الماضي بكلِّ آلامه أمام العدالة والتاريخ، ثم نفتح الطريق أمام مستقبل يستطيع فيه أبناء الحسكة أن يعيشوا معاً، متساوين في الحقوق والواجبات، مختلفين في ثقافاتهم وانتماءاتهم، لكن متّفقين على حقيقة واحدة:
أنَّهم أبناء وطن واحد، وأنَّ الدولة التي تحمي الجميع يجب أن تكون دولة الجميع.
لذلك فإنَّ بسط سلطة الدولة على كامل أراضي محافظة الحسكة، وإنهاء ازدواجية السلطة والمرجعيات، وتوحيد المؤسسات والقرار الأمني والإداري، لا ينبغي أن يُفهم بوصفه انتصاراً لطرف على طرف، وإنّما بوصفه خطوة في اتجاه بناء دولة سوريّة واحدة قادرة على حماية مواطنيها.
فالبيت لا يستقر بكثرة من يملكون مفاتيحه، وإنَّما باستقرار قواعده، ووضوح مسؤوليات من يديره، وشعور جميع من يعيشون فيه بأنّهم أهل البيت، لا ضيوف فيه.
وهكذا ينبغي أن تكون الحسكة:
بيتاً سورياً واحداً ، تتعدّد فيه الثقافات والهويات، لكن لا تتعدّد فيه الدولة؛
تتعدّد فيه الآراء، لكن لا تتعدّد فيه القوانين؛
وتتنوّع فيه مكوّنات المجتمع، لكن يتساوى فيه جميع المواطنين أمام العدالة والقانون.
فحين تتوحّد المؤسّسات، ويُحترم القانون، وتُصان الحقوق، يصبح الأمن نتيجة طبيعيّة للاستقرار، ويصبح الاستقرار بدايةً لإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة.


















































