العلم الأمريكي والبعد الخامس لعورة دويلة العراق ودولة الفصائل؟ رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ؟
صباح البغدادي
(*) هذه هي الحقيقة الموجعة التي يخشى الجميع البوح بها : ” العلم الأمريكي الذي دِيسَ بالأقدام لم يكن سوى قشرة رمزية؛ أمّا ما يُهان حقاً تحت تلك الأقدام فهو هيبة الدولة العراقية نفسها، التي تُسحق كل يوم تحت أحذية أمراء الحرب وقادة الأحزاب، لا تحت أقدام المتظاهرين ؟ “.
في لحظةٍ فارقة , كان يفترض أن تكون احتفالًا بالسيادة (1)، تحوّل العلم الأميركي إلى مرآةٍ عاكسة لتكشف ما هو أعمق من حادثة عابرة؛ كشفت وجع الدولة العراقية بكل ما فيها من هشاشة وتناقضات. فحين يُهان علم دولةٍ عظمى داخل أرضٍ تقول إنها “ذات سيادة”، ثم تُسارع الحكومة إلى فتح تحقيق عاجل خوفًا من ارتدادات المشهد، فإن السؤال لا يعود مجرد سؤالٍ بروتوكولي، بل يصبح سؤالًا وجوديًا : هل ما زالت الدولة دولة … أم أصبحت “دويلة” محاصرة بين نفوذ الخارج وسطوة الداخل؟
ولنكن أكثر صراحة وجرأة ، وأكثر قسوة، وأكثر دقة في وضع النقاط على حروف الوجع العراقي :” حادثة العلم الأميركي لم تكشف عورة الدولة العراقية … بل كشفت أن العورة لم تعد قابلة للستر أصلًا ؟.
حين خرج أحد الأبواق الإعلامية (2) التابعة للفصائل على شاشات التلفزة ومهدداً رئيس الوزراء الأسبق بوقاحة منقطعة النظير قائلاً : ” لو لازمينه مصطفى الكاظمي، چا گصّينا آذانه ونعبر لذاك الصوب” وقبلها بأيام وصف المسؤول الأمني لكتائب حزب الله في تغريدته على حسابه الشخصي / تويتر : ” فالوقت مناسب جداً لتقطيع أذنيه كما تُقطع آذان الماعز ” لم تكن صورة هذا المشهد السريالي يندرج تحت بند “حرية الرأي والتعبير” باي صيغة كانت , بل كان في حينها إعلاناً صريحاً عن “شريعة الغاب” واستعراضاً فجاً لـ “عضلات السلاح” فمن اين له كل هذه الجرأة للتطاول على أعلى منصب تنفيذي في البلاد والقائد العام للقوات المسلحة ؟ الإجابة واضحة وموجعة وماساوية في نفس الوقت : ” لأنه يعلم يقيناً أن خلفه ظهراً فصائلياً يحميه، وأن سلطة السلاح المنفلت قد ابتلعت سلطة الدولة والقانون والقضاء بالكامل ” هنا تكمن المأساة المتجذرة؛ قوة القانون في هذا البلد أصبحت “عوراء” لا ترى ولا تُطبق إلا على المواطن الفقير والمغلوب على أمره فحين سارعت الدولة، بكل ما تملك من أجهزة أمنية وقضائية، إلى اعتقال مواطنين بسطاء مغرّر بهم، لتقدّمهم كـ”متهمين” في قضية العلم الأميركي، وكأنها تريد أن تثبت أنها ما زالت قادرة على فرض هيبتها على من لا يملك ظهرًا يحميه ولكن هذه الهيبة نفسها تبخّرت في اللحظة التي ظهر فيها احد امراء الحرب وزعيم حركة النجباء (2) قبل ساعات، وهو يدوس العلم الأميركي داخل مقرّ إقامته المعروف للجميع، متحديًا الدولة علنًا، ومتوعدًا مؤسساتها القضائية، ومطالبًا بإطلاق سراح المعتقلين فورًا ويذهب أبعد من ذلك ليتحدى القضاء والحكومة والقائد العام للقوات المسلحة كلهم مجتمعين وأن يجرؤ أحد على مسألته أو الاقتراب من أسوار مملكته!
هنا لا تبدأ القصة … بل يبدأ الوجع الحقيقي. هنا لا تقع الحادثة… بل تقع المأساة. هنا لا يُفتح الجدل … بل يُفتح الجرح الذي لا يشفى.
فالدويلة التي تُحسن القبض على الضعفاء، ترتجف أمام الأقوياء والدويلة التي تُسرع إلى محاكمة مواطنين لا يملكون سوى أصواتهم، تقف عاجزة أمام رجل يملك السلاح والنفوذ والقدرة على قلب الطاولة بكلمة واحدة بل ولديه قرار السلم والحرب وهنا يتجلّى السؤال الذي يخشاه الجميع: ” فهل ما زالت الدولة دولة … أم أصبحت مجرّد ظلٍّ باهتٍ لسلطاتٍ أخرى؟”هذا التناقض الصادم يضعنا أمام مرآة واقعنا المرير وأننا نعيش في “إقطاعيات مسلحة” يُساق فيها الفقير إلى السجون باسم القانون، بينما يتسيد فيها قادة السلاح الموازي فوق القانون وفوق الدولة وفوق العراق بأكمله؟ وكشفت أن الدولة تقف في منتصف الطريق بين مؤسسات رسمية تحاول أن تبدو قوية، وفصائل تمتلك من الجرأة ما يكفي لتغيير قواعد اللعبة في أي لحظة، حتى لو كان ذلك عبر تمزيق علم دولة ترتبط بها بغداد بعلاقات أمنية وسياسية حساسة.
إن العلم الأميركي في هذه الحادثة لم يكن مجرد قطعة قماش، بل كان جهاز كشفٍ سياسي أظهر مستوى التصدّع بين “الدولة” و”دولة الفصائل”، وأعاد طرح السؤال الذي يخشاه الجميع ؟ من يملك القرار في العراق؟ ومن يملك حق تعريف السيادة؟ ومن يملك الجرأة على رسم حدود الدولة؟ وإذا كانت الحكومات السابقة قد حاولت إخفاء هذا التصدّع خلف لغة مهادنة دبلوماسية ناعمة، فإن هذه الحادثة جاءت لتقول بوضوح للجميع :
” رُفِعَتِ الأقلامُ وجَفَّتِ الصُّحُفُ … ليس لأن القدر حكم، بل لأن الواقع قال كلمة الفصل وحكم “لم تعد المساحيق والتبريرات الدبلوماسية قادرة على تجميل المشهد المشوه في بغداد؛ فالأحداث الأخيرة أزاحت الستار كاملاً عن الحقيقة المرة التي يحاول الجميع التغاضي عنها والعراق لا تحكمه دولة، بل تديره فصائل وحين يخرج احد امراء الحرب وزعيم حركة النجباء، في مقطع فيديو متحدياً، ليدوس على العلم الأمريكي، فهو لم يكن يوجه رسالة إلى واشنطن كما يظن السذج، بل كان يوجه صفعة مباشرة إلى وجه “الدولة العراقية” ومؤسساتها الدستورية والتنفيذية والقضائية وجاء هذا الفعل رداً مجرداً على قرار الحكومة والأجهزة الأمنية باعتقال متجاوزين على القانون، ليعلنها الكعبي صراحة: “نحن فوق القانون، ونحن فوق الدولة ؟.في أي بلد يحترم دساتيره، يُعتبر رئيس الوزراء هو القائد العام للقوات المسلحة، بيده حصر السلاح، وإعلان السلم، وفرض الحرب ولكن في “جمهورية الفصائل الموازية” تبدو هذه الألقاب الوظيفية والتشريعية مجرد واجهات بروتوكولية لشرعنة تمويل هذه الجماعات من ميزانية الدولة , ولان
واقعة “العلم الأمريكي” اثبتت بالدليل القاطع أن الفصيل الولائي يمتلك سلطة “فيتو” حقيقية على قرارات القضاء والأمن. وحين يُعتقل خارج على القانون، لا يُطبق التشريع، بل تخرج الآليات العسكرية التابعة للفصائل لتهدد بكسر هيبة الدولة، ومطالبة الحكومة بالإفراج الفوري عن المعتقلين، في مشهد أقرب إلى “البلطجة السياسية” منه إلى العمل المؤسساتي.
كيف يمكن لبلد أن يتحدث عن “السيادة” وهو لا يملك السيطرة على قراره الاستراتيجي؟ إن المعادلة المقلوبة في العراق اليوم تُشير إلى أن حركة مسلحة واحدة قادرة على سحب البلاد بأكملها إلى أتون حرب طاحنة، أو فرض سلم مؤقت، بناءً على توجيهات وأجندات خارجية عابرة للحدود، دون أي اعتداد برأي البرلمان أو الحكومة أو الشعب , لقد تحول العراق من “دولة القانون” إلى “دويلة الواجهة”، حيث يقف رئيس الوزراء وحكومته في موقف الدفاع العاجز، يحاولون تبرير انتهاكات الفصائل دولياً، بينما يدوس قادة هذه الفصائل على هيبة المنصب التنفيذي محلياً.إن العلم الأمريكي الذي دُس بالأقدام لم يكن سوى أداة وأما الضحية الحقيقية تحت تلك الأقدام فهي هيبة الدولة العراقية وتطبيق القانون؟ فهي التي تداس بأقدام أمراء الحرب في كل لحظة؟ وطالما بقي زعيم الفصيل يرى نفسه “أكبر من العراق”، وطالما بقيت الحكومة عاجزة عن حماية قراراتها الأمنية، فإن السيادة العراقية ستبقى ميتة سريرياً في “غرفة الإنعاش”، بانتظار أن تستفيق الدولة … أو يعلن الفصيل وفاتها رسمياً …
لقد هزلت حتى بدا من هزالها كُلاها .. ورفعت الأقلام وجفت الصحف على وطن يذبح فيه القانون بسكين الفصيل كل يوم .
sabahalbaghdadi@gmail.comhttps://www.rudawarabia.net/arabic/categories/iraq/1367957(1)(2) https://www.youtube.com/shorts/-BgjKql9hYA
حسين مؤنس فرج العبودي، المدعو أبو علي العسكري المسؤول الأمني في حزب الله العراقي، قد كتب على حسابه بموقع تويتر، مساء السبت 26 ك1 2020 : ” ندعو الكاظمي الغدار ألا يختبر صبر المقاومة بعد اليوم، فالوقت مناسب جداً لتقطيع أذنيه كما تُقطع آذان الماعز”
(3) https://www.youtube.com/shorts/ZMD11Td25MM


















































