العائد من الجحيم : عبد الخالق الحمدوشي

5 أكتوبر 2026
العائد من الجحيم : عبد الخالق الحمدوشي

بقلم : عبد القادر العفسي

ليس ” المد الجماهيري” كتابا يقرأ من غلافه إلى غلافه ، بل أثرا ينبغي أن ينصت إليه كما ينصت إلى جدار قديم يحمل طبقات من الأصوات ، فمن يراه مجرد توثيق لمسيرة نقابية وجمعوية طويلة ، تضم محاضر وصورا ومراسلات واتفاقات وأسماء ، يكون قد أمسك بالسطح المادي للعمل وترك طاقته الخفية تتبخر ! الكتاب ، في جوهره ، ليس سجلا لما فعله “عبد الخالق الحمدوشي” في العرائش فحسب ، بل هو سجل لما فعلته العرائش في داخله ، وما تركته الجماعة والمؤسسة والخصومة والخذلان في تكوين رجل ظل يشتغل في التاريخ بيد ، ويحاول أن ينتزع نفسه من قبضة التاريخ باليد الأخرى .

تقول المواد المنشورة عن الكتاب إنه يوثق أكثر من خمسة وثلاثين عاما من العمل النضالي ، ويستند إلى الوثائق والمحاضر والصور والشهادات ، وإنه يجمع بين النقابي والسياسي والجمعوي والحركات الاجتماعية ، لكن هذه المعطيات ، على أهميتها ، لا تشرح لماذا كان لا بد للكاتب أن يكتب ! فالإنسان لا يكتب دائما لأن لديه مادة ، بل لأنه يشعر أن شيئا حاسما مهدد بالاختفاء ، قد يكون ذلك الشيء حقا ضائعا ، أو اسما جرى تشويهه ، أو جهدا جماعيا سينسب إلى غير أصحابه ، أو صورة داخلية يخشى صاحبها أن تبتلعها روايات الآخرين ، ومن هنا يمكن فهم الكتابة باعتبارها استجابة لاواعية لخطر المحو : الكاتب لم يكن يجمع الماضي فقط ، بل كان يضع سدا في وجه قوة تريد أن تجعل الماضي بلا شهود ، فالقراءة السطحية تسأل : ماذا حدث ؟ أما القراءة العميقة فتسأل : ما الذي جعل هذا الرجل يشعر بأن ما حدث لا يكفي أن يعاش ، بل يجب أن يكتب ؟ هذا السؤال ينقلنا من التاريخ الظاهر إلى اقتصاد النفس الباطن ، إن الدافع الخفي للكتاب ، كما يمكن استنتاجه من بنيته ، ليس مجرد الرغبة في تسجيل الإنجازات ، ولا البحث عن مديح متأخر ، إنه الخوف من أن يعاد اختطاف التجربة بعد انتهائها ، وأن يتحول النضال إلى حكاية يرويها من لم يدفع ثمنها ، وأن تمحى المسافة بين من كان في الميدان ومن اكتفى لاحقا بإعادة ترتيب المشهد لمصلحته .

في هذا المعنى ، الكتاب فعل استرداد للملكية الرمزية ، الكاتب لا يطالب بملكية الأشخاص ، ولا يدعي احتكار الحقيقة ، بل يستعيد حقه في أن يكون هو وجماعته مصدرا في وصف ما عاشوه ، فالسلطة لا تسيطر فقط حين تمنع الكلام ، بل حين تسمح بكلام واحد ، وتترك للآخرين مهمة تكراره ، وقد يظل الإنسان حرا في الحركة ، لكنه يفقد حريته حين ينتزع منه حق تفسير تجربته ، لذلك فإن “عبد الخالق الحمدوشي” لا يواجه في كتابه خصوما بعينهم فقط ! إنه يواجه آلية كاملة لتحويل التجربة الحية إلى رواية جاهزة ، ثم تحويل الرواية الجاهزة إلى حكم أخلاقي على أصحابها ، هنا تظهر الأداة الأولى في قراءة الكتاب : البحث عن الأنساب الخفية للخطاب ، لا يكفي أن نرى الاتهام بوصفه جملة أو مراسلة ، ينبغي أن نسأل كيف ولد ، وما المصالح التي سمحت له بأن يتحول من كلام إلى إجراء ، ومن إجراء إلى ملف ، ومن ملف إلى صورة عامة عن الشخص ، هذه الطريقة في القراءة تكشف أنّ الاتهام لا يعيش بمفرده ، إنه يحتاج إلى مؤسسات ، وإلى لغة إدارية، وإلى صمت ، وإلى قابلية اجتماعية لتصديق أن المناضل مشاغب ، وأن المدافع عن حقوق العمال يهدد النظام ، وأن من يطالب بالمحاسبة يتدخل في ما لا يعنيه .

حين يستعيد الكتاب تفاصيل المراسلات والتحقيقات والمحاكمة ، فهو لا يروي فقط واقعة دفاع عن النفس ، إنه يكشف مختبرا صغيرا لكيفية اشتغال السلطة في الحياة اليومية ، السلطة هنا ليست شخصا واحدا يجلس في مكان مرتفع ويصدر الأوامر ، إنها شبكة من التصنيفات والإجراءات والتأويلات ، قد تبدأ برسالة مجهولة ، ثم تدخل إلى مسار رسمي ، ثم تستدعي الشرطة أو الإدارة أو المحكمة ، فتغدو الشبهة أكثر واقعية لمجرد أنها انتقلت من فم إلى ورقة ، إن الورقة لا تثبت الحقيقة بالضرورة ، لكنها تمنح الوهم هيئة الحقيقة ، ومن هذه النقطة يفهم المرء لماذا يغدو التوثيق في كتاب “الحمدوشي” ضرورة دفاعية : إنّه يواجه ورقة بورقة ، وتأويلا بسياق ، وادعاء بسلسلة من الوقائع ، غير أن الكتاب لا يكتفي بتفكيك خطاب الخصم ، إنه يفكك نفسه أيضا ، وإن بصورة غير معلنة ، فكل أرشيف يختار ما يحفظه وما يتركه ، وكل ذاكرة ، مهما كانت صادقة ، تعيد بناء الماضي من موقع الحاضر ، وهذه ليست تهمة ضد الكاتب ، بل هي شرط كل كتابة ، قوّة الكتاب تأتي من أنه لا يقدم الماضي ككتلة شفافة ، بل يكشف ، من حيث لا يقصد أحيانا ، أن الذاكرة نفسها ساحة صراع ! إن “عبد الخالق” يكتب كي يثبت ما جرى ، لكنه في الوقت ذاته يعيد ترتيب معنى ما جرى ، يضع الوقائع في نسق ، يمنح بعضها مركزا وبعضها هامشا ، ويحول سنوات متفرقة إلى قصة لها اتجاه ، وهنا لا تعود الكتابة مجرد حفظ للذاكرة ، تصبح صناعة لذاكرة قادرة على مقاومة الذاكرة الرسمية ! .

إن فعل الأرشفة عنده يشبه محاولة إنقاذ الأشخاص من موتين : الموت البيولوجي الذي يصيب الأفراد ، والموت الرمزي الذي يصيب أفعالهم ، فالعامل الذي شارك في إضراب ، والمتقاعد الذي دافع عن حقه ، والمرأة التي ساهمت في عمل جمعوي ، والرفيق الذي وقع محضرا ، كل هؤلاء يمكن أن يختفوا إذا لم يجدوا مكانا في سجل عام ، لهذا يبدو الكتاب كأنه يكتب ضد النسيان، لكنّه في العمق يكتب ضد التوزيع غير العادل للظهور ، هناك من يملك المنابر ، وهناك من يملك التجربة ، والكتاب يحاول أن يمنح التجربة منبرا ، ومن هنا تتضح دلالة كلمة “المد ” المد ليس عددا من الأجساد المحتشدة ، ولا احتفالا بانتصار الجماعة على الفرد ، المد حركة تتشكل من عودة ما جرى دفعه إلى الخلف ، إنه عودة الأصوات التي أُريد لها أن تبقى محلية ، هامشية ، غير جديرة بالتاريخ ، العرائش في الكتاب ليست مجرد فضاء جغرافي ، بل جهاز ذاكرة ، كل حي ، ومقر ، وشركة ، وشاطئ ، ومقهى ، وساحة ، ومؤسسة… يتحول إلى موضع تتقاطع فيه المصالح والكرامات والخسارات ، المدينة لا تظهر كخلفية ، بل ككائن يضغط على شخصياته ويستخرج منها مواقفها .

في هذا المشهد ، لا يكون الكاتب فردا معزولا يراقب الجماهير من برج داخلي ، ولا يكون ذرة تذوب في كتلة عامة ، إنّه يتحرك بين القطبين ، وهذه واحدة من أهم سماته النفسية : القدرة على الانتماء دون الذوبان ، هو قريب من الناس إلى الحد الذي يجعله يحمل قلقهم ، لكنه بعيد بما يكفي لكي يرى ما لا تراه الجماعة وهي في ذروة الانفعال ، يشارك في التعبئة ، ثم يعود إلى المحضر ، يواجه الخصم ، ثم يفكر في أثر المواجهة على التنظيم ، يدافع عن موقفه ، لكنه يعرف أن الموقف الذي لا يتحول إلى بناء جماعي قد يبقى مجرد بطولة فردية ، هذه البنية تفسر كثيرا من قوة الرجل وقلقه في آن واحد ، إنه لا يبحث عن الاعتراف من خلال الانعزال ، بل يطلبه من خلال العمل ، لكن العمل الجماعي يحمل خطرًا دائما : قد تبتلع الجماعة الفرد الذي يخدمها ، وقد يتحول الرفيق إلى وظيفة ، وقد يصبح صاحب المبدأ مطلوبا منه أن يصمت حفاظا على وحدة زائفة ، هنا يظهر الدافع اللاواعي الثاني للكتابة : الحاجة إلى استعادة الذات من داخل الجماعة ، لا ضدها ، الكاتب يقول ، في المستوى العميق : كنت واحدا منكم ، لكنني لم أكن عدما داخل مجموعكم.  حملت صوتكم ، دون أن أفقد صوتي ، وإذا كانت الجماعة تحتاج إلى تنظيم ، فإن التنظيم يحتاج إلى لغة مشتركة ، ولذلك تبدو المحاضر والبيانات والمراسلات في الكتاب كأنها أكثر من أدوات إدارية ، إنها محاولات لتحويل الألم الخاص إلى قضية يمكن تداولها بين الناس ، العامل المتضرر قد يملك غضبا صادقا ، لكن الغضب لا يصير قوة عامة إلا حين يجد كلمات ومطالب وتوقيعات وموعدا للتفاوض ، هنا تقوم الكتابة بتحويل الانفعال إلى حجة ، والحجة إلى مطلب ، والمطلب إلى فعل جماعي ، إنها لا تلغي العاطفة ، بل تمنحها شكلا يمنعها من التبدد .

وهذا هو الفارق بين الصرخة والقول العمومي ، الصرخة تخرج من الجسد ، أما القول فيبحث عن جمهور ومؤسسة وإمكان للإقناع ، “عبد الخالق” في تجربته ، لا يبدو مناضلا يعتقد أن النية الحسنة تكفي ، إنه يعرف أن الحق إذا لم يملك أدوات الظهور قد يبقى ضعيفا حتى لو كان عادلا ، لذلك تتحول الوثيقة عنده إلى سلاح مدني ، والمحضر إلى ذاكرة ملزمة ، والتفاوض إلى اختبار للوعود ، والمتابعة إلى مقاومة للنسيان ، لكن هذا المسار العقلاني لا يلغي البعد الجريح في التجربة ، فالرجل الذي يكثر من التوثيق قد يكون رجلا تعلم ، على نحو مؤلم ، أن الذاكرة الشفوية لا تحمي أحدا ، ومن تعرض للوشاية أو التشويه لا يعود يتعامل مع الكلمات ببراءة أولى ،  يصبح حساسا تجاه الفروق بين ما قيل وما كتب ، وبين النية المعلنة والأثر الحقيقي ، وبين الحوار الذي يفتح بابا والحوار الذي يؤجل الانفجار ، هذه الحساسية ليست مرضا بالضرورة ، قد تكون شكلا من أشكال الذكاء الدفاعي الذي يتكون حين يكتشف الإنسان أن الخطر لا يأتي دائمًا من القوة الظاهرة ، بل من التفاصيل الصغيرة التي يعاد تركيبها ضده .

في الفصل المتعلق بالمحاكمة ، لا نرى فقط رجلا يواجه تهمة ، بل نرى إنسانا يجبر على الدفاع عن صورته أمام نظام يحب الأسماء المختصرة : متهم ، مشاغب ، مسؤول ، خصم… لكن الإنسان أوسع من الاسم الذي يلصق به ، لذلك يأتي الكتاب بوصفه مقاومة للاختزال ، إنه يعيد فتح الشخصية على امتداد حياتها : عمل نقابي ، نشاط جمعويو، مبادرات إنسانية ، قضايا هجرة وسلام وبيئة ، علاقات عابرة للمدن والحدود ، ومسؤوليات عائلية ومهنية ، بهذا المعنى ، لا يرد الكاتب على التهمة داخل حدودها ، بل يغير السؤال نفسه ، لا يقول فقط : لم أفعل ! يقول : لا يمكن أن تختزلوا كل ما عشته في واقعة صيغت من خارج سياقها ، هنا تقترب الكتابة من آلية التفكيك : لا تهدم المعنى لكي تترك الخراب ، بل تكشف التناقضات التي تخفيها اللغة حين تتظاهر بالبراءة ، كلمة “الغيورين” مثلا قد تبدو أخلاقية ، لكنها لا تصبح أخلاقية لمجرد أنّها تحمل اسم الغيرة ! السؤال هو : من يتكلم باسم الغيرة ؟ من يستفيد من مجهولية الاسم ؟ كيف يتحول الدفاع عن مؤسسة إلى وسيلة لتصفية خصوم داخلها ؟ الكتاب لا يترك الكلمات في مكانها المعلن ، يدفعها إلى الاعتراف بما تخفيه من مصالح وقلق ورغبة في العقاب ، وهنا أيضا تظهر قيمة الشك المنهجي ،  فالكاتب ، حتى حين يروي تجربته من موقع المتضرر ، يجعل القارئ أمام سلسلة قابلة للفحص : تاريخ ، اجتماع ، مراسلة ، محضر ، أسماء ، انتقال من خطوة إلى أخرى ، هذه الطريقة تمنع النص من أن يتحول إلى أسطورة شخصية مغلقة ، إنّها تقول إنّ الحقيقة لا تحتاج إلى صراخ ، بل إلى إمكانية المراجعة ، ولا تعني المراجعة إسقاط شهادة الكاتب ، بل منحها وزنا لأنها لا تطلب الإيمان الأعمى ، بل تعرض مادة يمكن مساءلتها .

لكن وراء هذه الأدوات كلها يوجد سؤال عن السيادة ، من يملك القرار داخل المؤسسة ؟ من يقرر ما هو شأن إداري ، وما هو شأن نقابي ؟ من يملك تعريف الفوضى ؟ ومن يملك حق تسمية الفعل : هل هو مطالبة ، أم تعطيل ، أم احتجاج ، أم تهديد ؟ إن كل صراع اجتماعي يحمل داخله صراعا على تعريف الواقع ، حين ينجح طرف في تسمية حركة العمال بأنها فوضى ، يكون قد قطع نصف الطريق نحو نزع الشرعية عنها ، وحين تنجح الجماعة في إعادة تسمية الحركة باعتبارها دفاعا عن الحق ، تستعيد جزءا من قوتها ، لذلك فإن معركة الكتاب ليست فقط حول ما حدث ، بل حول من يملك قاموس الحدث ! والكاتب ، في هذه المعركة ، لا يظهر كمن يبحث عن مجد شخصي منفصل عن الآخرين ، إنه أقرب إلى صانع معنى جماعي ، أو إلى شخص يلتقط الخيوط المتناثرة ويمنحها شكلا يمكن للأجيال اللاحقة أن تتعرف إليه ، قوته ليست في أنّه لم يسقط قط ، بل في أنه جعل سقوطه إن وقع ، غير قابل للاستعمال ضد من آمن بهم ، لم يجعل الخذلان ذريعة لاحتقار الناس ، ولم يجعل الخصومة فلسفة كراهية ، ولم يسمح للاتهام أن يزرع داخله احتقارا لكل عمل جماعي .

وهنا نصل إلى “عبد الخالق الحمدوشي” لا بوصفه اسما على غلاف ، بل بوصفه بنية إنسانية مركبة ، إنه رجل يحمل في داخله تناقضا منتجا : يريد الجماعة ، لكنه لا يريد أن يبتلع فيها ، يؤمن بالتنظيم ، لكنه يعرف خطر تحوله إلى قفص ، يثق بالحوار ، لكنه لا يمنح الثقة بلا اختبار ، يملك ذاكرة طويلة ، لكنه لا يريد أن يصبح سجينا للماضي ، يدافع عن الآخرين ، لكنه تعلم أن الدفاع عن الآخرين لا ينبغي أن يعني إلغاء الذات ، إنه رجل لا يستمد حضوره من كثرة من حوله ، بل من قدرته على الوقوف حين يتغير الذين حوله ، لا يحتاج إلى التصفيق كي يصدق أنّه فعل شيئا ، ولا يحتاج إلى القطيعة كي يثبت أنه مستقل ، هو حاضر في الجماعة ، لكن له مركز داخلي لا تصوّت عليه الجماعة ، وحين يتعرض للخذلان ، لا ينهار إلى صورة الضحية التي لا ترى إلا جلادها ، بل يحاول أن يفهم بنية الخذلان ، أدواته ، لغته ، ومساراته ، هذه القدرة على تحويل الألم من مصيبة شخصية إلى معرفة عامة هي ما يجعل تجربته أوسع من سيرة فرد .

 
ولذلك فإن وصفه كرجل عائد من الجحيم لا ينبغي أن يعني رجلا أسطوريا معصوما من الخوف ، الرجل الذي خرج من النار لا يخرج بلا ندوب ، بل يخرج وقد تغيرت علاقته بالضوء ، يعرف أن بعض الوجوه لا تظهر حقيقتها في أيام الهدوء ، وأن بعض التحالفات لا تختبر في المهرجانات بل في لحظة الخطر ، وأن الكلام الجميل قد يخفي رغبة في الإخضاع ، وأن الصمت قد يكون أحيانا حكمة ، وقد يكون أحيانا شراكة في الظلم ، لقد عاد الكاتب من تلك المنطقة وهو أكثر انتباها إلى ما وراء الكلمات ، لكنه لم يتحول إلى رجل لا يثق بأحد ، وهذه نقطة فارقة! فالغدر إذا انتصر داخل النفس حول ضحيته إلى نسخة أخرى من العالم الذي جرحه ، أما “الحمدوشي” كما تظهره بنية كتابه ، فقد حاول أن يفعل العكس : أن يعرف الخيانة دون أن يتعلم الخيانة ، وأن يواجه القسوة دون أن يتخذ القسوة لغة ، وأن يستعيد اسمه دون أن يمحو أسماء الآخرين .

في أعمق طبقات الكتاب ، لا يطلب الرجل أن يقال إنه كان دائمًا على حق ، إنه يطلب شيئا أكثر جوهرية : ألا يكون الكذب هو آخر ما يبقى من تجربته ، ألا تتحول سنوات العمل إلى هامش ، وألّا يصبح الرفاق الذين صنعوا الأحداث مجرد أرقام ، وألّا تختزل مدينة كاملة في صورة من يملكون المنبر الأقوى ، الكتابة هنا ليست بحثا عن الخلود الشخصي ، بل محاولة لتوزيع الخلود على من لم يحصلوا في حياتهم إلا على الاعتراف المؤقت ، وهذا ما يجعل “المد الجماهيري” تجربة لاواعية في التجارب الإنسانية ، إنّه يتحدث عن الحاجة إلى أن يرى الإنسان ، وعن خوفه من أن يساء فهمه ، وعن رغبته في أن يترك أثرا لا يستطيع الخصوم محوه ، وعن التوتر الدائم بين الانتماء والاستقلال ، وعن الطريقة التي يتحول بها الجرح إلى ذاكرة ، والذاكرة إلى أرشيف ، والأرشيف إلى قوة أخلاقية ، إنه لا يسأل فقط كيف يصنع الناس حركة جماهيرية ، بل كيف تصنع الحركة إنسانا قادرا على احتمال الوحدة دون أن يفقد الجماعة ، وقادرا على حمل الجماعة دون أن يفقد نفسه .

في خاتمة القراءة ، يقف “عبد الخالق الحمدوشي” بعيدا عن صورة القائد الذي يطلب تمثالا لنفسه ، إنّه أقرب إلى الرجل الذي يعرف أن التمثال موت آخر ، وأن الحياة الحقيقية تظل في الحركة ، وفي الشهادة ، وفي قدرة الذاكرة على التناسل ، هو رجل مستقل ، لا لأنه منفصل عن الناس ، بل لأنه لم يسمح لأحد أن يستولي على مركزه الداخلي ، رجل خرج من الخذلان ولم يجعل الخذلان دينه ،  رجل عرف أن العالم قد يعاقب من يرفع صوته ، لكنه عرف أيضا أن الصمت الطويل يعاقب الروح ، كتب لأنه لم يقبل أن تسرق تجربته مرتين : مرة حين عاش الصراع ، ومرة حين يروي الصراع من لم يعشه ، كتب كي يستعيد اسمه ، فاكتشف أن الاسم لا يستعاد وحده ، وراء اسمه أسماء كثيرة ، ووراء ذاكرته ذاكرة مدينة ، ووراء جرحه جراح أناس لم يجدوا لغة يحمون بها أنفسهم من الاختفاء ، لذلك أصبح الكتاب أوسع من مؤلفه ، وأصبح المؤلف أعمق من صورة المناضل التي قدمها عنه المديح .

إنّه رجل لا يخرج من التاريخ كما دخل إليه ، دخل وهو يعتقد أنّ النضال فعل في الشارع والمؤسسة والاحتجاج ، وخرج وهو يعرف أن النضال أيضا فعل في الذاكرة واللغة والتأويل ، دخل وهو يواجه خصوما من الخارج ،  وخرج وهو يواجه خطرا أشد  أن يتسرب الخصم إلى داخله ويجعله يرى نفسه بعينيه ، لكنه لم يسمح بذلك ! ظل واقفا ، لا بصفته منتصرا على الجميع ، بل بصفته ناجيا من التحول إلى ما قاومه ، وهنا تكمن عظمة كتاب  “المد الجماهيري” : إنه لا يقول إن الإنسان يستطيع أن يخرج من النار بلا احتراق ، بل يقول إنه يستطيع ، رغم الاحتراق ، أن يحافظ على شكل قلبه ، وهذه ليست بطولة صاخبة ، إنها بطولة رجل يمشي بين الناس ، يحمل وثائقه ، يتذكر من خانه ومن سانده ، يعرف هشاشته ولا يعرضها للبيع ، ويواصل السير لأنه أدرك أن بعض المعارك لا تنتهي بانتصار طرف ، بل تبدأ حين يرفض أحدهم أن يترك الحقيقة وحيدة

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com