رسالة إلى الحلاج (*)
وداد بنموسى

شاعرة من المغرب
1- الرقم السِّري لخَزائِنِ مَعنايْ
من جوف الْينابيع بَعيدة القرار، جَاءني النِّداء، استعجلت النُّهوض مِن جَلْستي على كُرسي انتظاري لك، جمَّعتُ في ثنايا الرُّوح أورادي وأشعَار الرِّياح والفَلوات، وطوَيت الأرض طيًّا، سرت بخطوات المَهَب، لبستُ قفطاني القاني تيمُّناً بِالفجر، لاشيء كان يتردَّد في مَسْمعي سوى اسمك، كأنَّه الرَّقم السِّري لِخَزائِنِ معنايْ
وما معناي سِوى هباء يلفه هباء، فكيف لي أن أُفسِّر لقلبي سطوة النِّداء المُباغث، وقد مضَت أزمنة لم أتلقف هَدايا الصَّبابة ولا أنا جرفني هبوب الْعطف…
في الطَّريق، مالي أشم مَوْجاً صاخباً من عُطور المسك والعنبر والخزامى..ما بِها عيني تتلألأ فيها لَمعات اللاَّزورد، لماذا تتدفق في خاطري آلاف الصُّور عن الجنَّة؟؟ هل أكون قد عبرت إلى رحابة أوسع من صبوتي ؟ أم هل أنا مِزقُ السُّؤال فقط؟؟
الْوُصول مكابدة، الوصول رجاء..
كُلّ وصول هو وَصلٌ ووِصال
وكلّ وِصالٍ هو استمرار..
ماذا يكون النِّداء سوى رَجاء ووصال واستمرار؟
ها أنَا ذِي قادمة، وعلى كتفي الْيُمنى تَشْدو آلاف النِّساء، وعلى اليسرى تعزف جماهير الفراشات الغِرِّيدة..
وبعد،
سأكتب لك حتى أنْمَحي، حتى أصِير حَصاةً،
حصاةً أطيرُ…
2- لا زهْوا ولا تَرَفا
كان العالم بارداً، حتى تَعاليتَ في رُوحي، أرى بك نَفْسِي ولا أراها إلا بالحقِّ، لا أملك لا زهوا ولا ترفا سوى حِصتي من رذاذ ذلك اللقاء البعيد، حين قرأت لك:
يا نَسيمَ الرِّيح قولي لِلرَّشا
لَم يَزِدني الوِردُ إلاَّ عَطشاً
لي حَبيبٌ حُبُّهُ وَسطَ الحَشا
إِن يَشَأ يَمشي عَلى خَدّي مَشى
روحُهُ روحي وَروحي روحُهُ
إِن يَشَأ شِئْتُ وَإِن شِئتُ يَشا
هَبْ أن لي هذه القدرة على أن أصعدَ قِممَ نفسي، ومن هناكَ أبصِرُ خرائط روحك التي تسبح في الرياح، وهَبْ أن بمقدوري أن أرهِفَ سمعي لوشوشات الأشجار التي رقصت على إيقاع قصائدك، فكيف أنجو بعدها من عصفك؟
وكلما شِئْتُ، شاء قدري:
أن تأخذني من يدي قُبَّراتٌ في الحقل تحْرس روحي من غُلوها، وتهدني إلى صراط الصمت..
وأعجب يا مؤنسي في قِمَم صَمتي، من كثرة اللَّغط في الأسفل، من قتامةٍ تنتشر في النفوس، من ثلجٍ يتكدَّس في المشاعر كأنه الهلاك المبين، ورهابٍ يختال في الأرواح بلاسبب، وشطط في الحزن تستحيل معه رؤيا الحقائق ..
فماذا أفعل؟
وهل لي إِذن بأن أحصي الْخَطَايَا ولست سوى كائن خَرِبٍ يسير يجيئ بين مَثْلبة ومَنْقبة..
وبعدُ،
سأكتب لك حتى أتهاوى، وغبارا أصير..أصير نُثارا..
3- كلُّ العواصف ترَقِّصُ خيالي
حَسَناً،
لعلَّ هذا سيُطرب خاطرك، أن أسرد عليك تفاصيل ذلك الوَجد، الذي ترعرع في الدخيلة السِّرية حتى أصبح نهراً
ثم سار النَّهر وتدفق حتى صادف هاوية، فأصبح النَّهر شلالا، ثم أرغى وأزبد الشَّلال وأصدر خريراً هائجاً فتحولت الرَّغوة والزبدُ والصَّوت إلى فرح الكون..فرأيتُ وسمعت وتذوقت…
وأحسستُ بِكُلِّ الْعواصف تُرقِّصُ خيالي في مشهد أزرق كالخريف.. فكان لي أن ارْتفعتُ قليلا فوق سطح الغِبطة، وما أنا في هذه الساعات من خَبلي، إلا راقصة ترتعش على حافة الحياة السادرة، لا أنا من أهل الأرض ولا أنا من أهل الهواء..أدُور.. أدور.. أدور حتى تطايرت بفعل جاذبية الشَّجر كل أوراقي..
خرجتُ للتَّوِّ من زوبعة، وكان لي ما أردت: أصبحتْ لي عين ثالثة أرى بها سرمد الخلائق و فناءهم..
ما كل شيء يقال، وها أنا ذي لا أعرف تحديدا كيف أكتم السِّر، ولي سرّ..ولي سرّ كأنَّه منتهاي، وأعرف أنك لن تصدقني في هلوساتي هذه، ولن تعترف لقلبي بعبقريته، ولا بسذاجته، ولا حتى بتحليقه في المطلقِ من الرَّجاء، كأنه قُدَّ من قُطن، ببياض ونصاعةٍ يحلم أن يودِّع العالم..
أنا لا أطلب منك أن تصِلَني بضوئك، أرجو منك فقط أن تنير خطوتي بشعاع روحك، أنت ” الشجرة الزيتونة تكاد تضيء ولو لم “تمسسك نار..
وبعد،
سأكتب لك حتى أنتهي، حتى يَصَّاعَدَ منِّي دُخان الْحَقِّ.
أيلول/ سبتمبر 2025
القصيدة مقتطف من رسالة طويلة إلى الحلاج(*)، خاصة لصحيفة قريش – ملحق ثقافات وآداب – لندن


















































