مظلوم عبدي، البراغماتية حين تنقذ الجغرافيا من الانهيار

27 أغسطس 2026
مظلوم عبدي، البراغماتية حين تنقذ الجغرافيا من الانهيار

د. أحمد فاتح محمد

سوريا

إذا أردنا الدخول إلى عقل صانع القرار في منطقة شرق الفرات او روج آفا، وتحديداً قراءة الخلفيات التي شكلت رؤية قائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مظلوم عبدي، فإننا سنجد أنفسنا أمام نموذج لافت في البراغماتية السياسية التي تفضل قراءة الواقع كما هو، لا كما تصوره الأمنيات أو الشعارات الأيديولوجية الحالمة.

  إن قرار حل القوات واندماج عناصرها الكامل في الدولة لم يكن رضوخاً لظروف موضوعية ميدانية أو استسلاما لإملاءات القوى الكبرى كما يتم تصويره بل كان نتاج قراءة استراتيجية عميقة ومستشرفة للمستقبل، أدرك من خلالها عبدي أن الحفاظ على المنجزات الثقافية والاجتماعية للشعب الكردي يتطلب التضحية بالهيكل العسكري المستقل قبل أن يلتهمه طوفان التوازنات الإقليمية المتغيرة. 

إن الرؤية الثاقبة لعبدي تجلت في قدرته على التقاط اللحظة المناسبة للتحول فهو قد أدرك مبكراً أن الوجود المسلح المستقل لقسد، ورغم ما حققه من مكاسب مؤقتة في حرب داعش، قد تحول بمرور الوقت إلى عبء استراتيجي يهدد وجود الكرد أنفسهم.

لقد كانت هناك حقيقة كبرى واجهها الرجل بجرأة، وهي أن الرهان على بقاء المظلة الأمريكية إلى الأبد هو نوع من الانتحار السياسي، لاسيما وأن واشنطن كانت واضحة في كون شراكتها مع قسد شراكة “تكتيكية ومرحلية” وليست تحالفاً مستداماً. أمام هذا الواقع وبدلاً من انتظار اللحظة التي يجد فيها نفسه وقواته وحيدين في مواجهة الة الحرب التركية من الشمال والضغوط من الغرب، اختار عبدي أن يبادر بنفسه لفتح قنوات التفاوض مع القيادة الجديدة في دمشق ، مستغلاً ايضا رغبة دمشق في التفاوض.

هنا تبرز قيمة هذه القراءة السياسية إذ لم يذهب عبدي إلى المفاوضات بذهنية المهزوم الذي يسلم سلاحه دون شروط، بل ذهب بذهنية المفاوض الواقعي الذي يسعى لتحويل قوتة العسكرية إلى ضمانات دستورية دائمة. لقد أدرك أن السلاح يمكن أن يسلب، وأن التحالفات الدولية تتغير بين ليلة وضحاها، لكن الاعتراف الدستوري بالهوية والثقافة واللغة الكردية، وضمان تمثيل المكون الكردي في مؤسسات الدولة والبرلمان، هي مكاسب قانونية ثابتة لا يمكن انتزاعها بسهولة بمجرد تغير موازين القوى على الأرض.

ولهذا ترافقت خطوة حل قسد مع صدور المراسيم الرسمية التي ضمنت الحقوق اللغوية والثقافية وإدماج الكوادر العسكرية والإدارية في مؤسسات الدولة بصفة قانونية ورسمية، وهو ما اعتبره المراقبون عملية “تسييل” ناجحة للرصيد العسكري وتحويله إلى رصيد سياسي دستوري مستدام.

علاوة على ذلك أظهر عبدي فهماً دقيقاً لحركة التاريخ الإقليمي عندما تلاقت رؤيته مع المسار الجديد لعملية السلام داخل تركيا، فلم يشأ أن تكون قسد حجر عثرة أمام طموحات السلام الكردية الأوسع التي دشنها نداء عبد الله أوجلان لحل حزب العمال الكردستاني. وبدلاً من التمترس خلف جدار الرفض والمكابرة، اختار أن ينسجم مع هذا التحول التاريخي الشامل، مقدماً نموذجاً نادراً في القيادة التي تمتلك الشجاعة لتفكيك قوتها العسكرية الذاتية عندما تدرك أن السلاح في الوقت الحالي لم يعد الوسيلة الأجدى لحماية حقوق شعبها.

إن هذا الموقف يعكس رؤية ترى في الدولة السورية التعددية الجامعة، المظلة الوحيدة الممكنة والقابلة للحياة لحفظ خصوصية المكونات والحصول على مكتسبات دستورية اكثر في قادم الايام. بعيداً عن خيارات الانعزال التي تصطدم دوماً بتعقيدات الجغرافيا والحسابات الدولية والجوار الإقليمي، ليكون هذا الاندماج خياراً واقعياً يحمي خصوصية المكونات وحقوقها في إطار دستور دولة تعددية موحدة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com