سياسات الذاكرة حول معركة وادي المخازن

14 أغسطس 2026
سياسات الذاكرة حول معركة وادي المخازن

دراسة مقارنة في بناء الهوية الوطنية بالمغرب. والبرتغال (1578–2026)

بقلم. د. مصطفى الغاشي

كاتب مغربي في التاريخ والفكر السياسي والعلاقات الدولية

شهدت الدراسات التاريخية خلال العقود الأربعة الأخيرة تحولاً نوعياً من دراسة الحدث التاريخي في ذاته إلى دراسة كيفية تذكره، أي الانتقال من تاريخ الأحداث إلى تاريخ الذاكرة (Histoire des Memoires).

وفي هذا السياق، أصبحت معركة وادي المخازن نموذجاً مثالياً لتحليل ما يُعرف بـ”سياسات الذاكرة”، أي الآليات التي توظف بها الدول والمؤسسات والنخب الماضي في بناء الشرعية والهوية الوطنية وصياغة الوعي الجماعي.

ويستند هذا الفصل إلى مقاربات “موريس هالبفاكس”، و’بيير نورا”، و”بول ريكور”، و”يان أسمان”، مع توسيع التحليل ليشمل مفاهيم الذاكرة الرسمية، والذاكرة المضادة، والذاكرة الثقافية، والذاكرة الرقمية.

أولاً: ما مفهوم “سياسات الذاكرة”؟ يقصد بسياسات الذاكرة مجموع الممارسات التي تعتمدها الدول والمؤسسات والجماعات الاجتماعية في اختيار أحداث معينة من الماضي ومنحها مكانة رمزية خاصة، مع إعادة تفسيرها بما يخدم الحاضر، ومن ثم إدماجها في الخطاب الوطني. ولا تعني هذه السياسات تزوير التاريخ بالضرورة، بل تعكس عملية انتقاء وتأويل تجعل بعض الأحداث أكثر حضوراً من غيرها.

وفي هذا الإطار، تمثل معركة وادي المخازن حالة نموذجية؛ إذ تحولت من واقعة عسكرية إلى مرجع سياسي وثقافي في كل من المغرب والبرتغال، مع اختلاف الدلالات الممنوحة لها.

ثانياً: في الذاكرة الرسمية المغربية، فمنذ العصر السعدي، جرى إدماج معركة وادي المخازن في السردية الرسمية للدولة باعتبارها انتصاراً للدولة المغربية، وتأكيداً لاستقلال القرار السياسي، بل دليلاً على قدرة المغرب على مواجهة القوى الأوروبية.

وفي العصر العلوي، لم تُقدَّم المعركة بوصفها إنجازاً لسلالة بعينها، بل باعتبارها حلقة من تاريخ الدولة المغربية المستقلة. وقد تعزز هذا التوجه بعد الاستقلال سنة 1956، حيث أصبحت المعركة أحد المراجع الأساسية في خطاب السيادة الوطنية.

ثالثاً: في الذاكرة البرتغالية وإعادة بناء الهوية، فعلى النقيض من الحالة المغربية، واجهت البرتغال تحدي إدماج هزيمة كبرى في سرديتها الوطنية. وقد مرت الذاكرة البرتغالية خسب المؤرخين بثلاث مراحل:

1- مرحلة الحداد والتبرير (1578–1640).

2- مرحلة الأسطرة عبر فكرة عودة الملك سيباستيان.

3- مرحلة المراجعة الأكاديمية منذ القرن العشرين.

ويبرز هنا اختلاف جوهري: ففي المغرب بُنيت الذاكرة على الانتصار، بينما بُنيت في البرتغال على استيعاب الهزيمة وتحويلها إلى عنصر من عناصر الهوية التاريخية.

رابعاً: معركة وادي المخازن في المناهج الدراسية

في المغرب، في هذا الاطار تُدرَّس المعركة باعتبارها:

محطة مفصلية في تاريخ الدولة السعدية، ومثالاً على الدفاع عن السيادة، وانتصاراً على التوسع الإيبيري.

غير أن المناهج غالباً ما تركز على السرد الوطني، مع حضور محدود للنقاش المقارن بين الروايات المغربية والبرتغالية.

ف- في البرتغال، تُدرَّس المعركة ضمن تاريخ التوسع البحري البرتغالي، مع التركيز على نتائجها السياسية. وأزمة الخلافة، ونهاية مرحلة من المشروع الإمبراطوري.

ويلاحظ أن المناهج الحديثة أصبحت أكثر ميلاً إلى القراءة النقدية، مبتعدة عن التفسيرات الأسطورية.

خامساً: المتاحف والنصب التذكارية،

فالمتاحف والنصب التذكارية تلعب دوراً محورياً في ترسيخ الذاكرة. ففي المغرب، ورغم القيمة التاريخية للمعركة، لا يزال استثمار موقعها الأثري والثقافي دون مستوى إمكاناته، سواء من حيث التأهيل الأثري. والمتاحف المتخصصة، والمسارات التاريخية. والتفسير الرقمي للحدث. ويمثل ذلك فرصة لتعزيز السياحة الثقافية وربط البحث الأكاديمي بالتنمية الترابية.

اما في البرتغال، فتُعرض المعركة ضمن متاحف التاريخ الوطني والبحري، حيث تُقرأ في إطار تاريخ الإمبراطورية البرتغالية وتحولاتها.

سادساً: المعركة في الأدب والسينما، أنتجت الذاكرة الثقافية حول معركة وادي المخازن أعمالاً أدبية وفنية متعددة منها:

– في المغرب، الشعر التاريخي، الرواية التاريخية، الدراسات الفكرية، وبعض الأعمال الوثائقية.

– في البرتغال، المسرح، الشعر، الرواية، السينما الوثائقية.

وأعمال مستوحاة من شخصية الملك سيباستيان.

ويعكس هذا الإنتاج انتقال المعركة من التاريخ إلى الثقافة، ومن الوثيقة إلى الخيال.

سابعاً: الذاكرة الرقمية (2000–2026)، فقد أحدثت الثورة الرقمية تحولاً في تداول الذاكرة التاريخية. فقد أصبحت معركة وادي المخازن حاضرة عبرالعديد من الوسائل كالمنصات التعليمية، وسائل التواصل الاجتماعي، المدونات، القنوات الوثائقية، البودكاست.

الخرائط الرقمية، وإعادة تمثيل المعارك باستخدام التقنيات ثلاثية الأبعاد.

وقد ساهم هذا التحول في توسيع دائرة الاهتمام، لكنه أتاح أيضاً انتشار معلومات غير موثقة وصور نمطية، ما يبرز الحاجة إلى حضور أكاديمي أقوى في الفضاء الرقمي.

ثامناً: الذاكرة المحلية والذاكرة الوطنية، تكشف المقارنة بين الذاكرة المحلية في منطقة القصر الكبير والذاكرة الوطنية عن تباينات مهمة، فالذاكرة المحلية:

ترتبط بالأماكن، وتعتمد على الرواية الشفوية، وتحافظ على أسماء المواقع والمعالم. أما الذاكرة الوطنية:

فتُبنى عبر المدرسة، والإعلام، والكتب، والخطاب الرسمي. ومن ثم، فإن دراسة المعركة تستدعي الجمع بين هذين المستويين لفهم أكثر شمولاً.

تاسعاً: نحو ذاكرة متوسطية مشتركة، فقد شهدت العقود الأخيرة بروز اتجاه في الكتابة التاريخية يدعو إلى تجاوز السرديات الوطنية المنغلقة، والنظر إلى معركة وادي المخازن باعتبارها حدثاً متوسطيّاً مشتركاً. ويفتح هذا المنظور المجال أمام تعاون أكاديمي بين الباحثين المغاربة والبرتغاليين والإسبان، لإعادة قراءة المصادر الأصلية بعيداً عن منطق الانتصار والهزيمة، والتركيز على التفاعلات السياسية والثقافية والعسكرية التي أنتجها الحدث. ومن شأن هذا التوجه أن يحول المعركة إلى موضوع للحوار التاريخي، لا إلى مجال لإعادة إنتاج الصور النمطية أو السرديات المتنافسة.

في الحصيلة، تؤكد دراسة سياسات الذاكرة أن معركة وادي المخازن ليست مجرد صفحة من الماضي، بل هي عنصر فاعل في تشكيل الهويات الوطنية وإنتاج الخطابات التاريخية. ففي المغرب، أصبحت رمزاً للاستقلال واستمرارية الدولة، بينما مثلت في البرتغال مدخلاً للتأمل في معنى الإمبراطورية والهزيمة وإعادة بناء الهوية. وتكشف المقارنة أيضاً أن الذاكرة ليست معطى ثابتاً، بل بناء اجتماعي وسياسي وثقافي يتغير بتغير السياقات. ومن ثم، فإن مستقبل دراسة معركة وادي المخازن يكمن في تجاوز القراءات الأحادية، واعتماد مقاربة مقارنة ومتعددة التخصصات، تجمع بين التاريخ والأنثروبولوجيا ودراسات الذاكرة والآثار والإنسانيات الرقمية.

هوامش الفصل الخامس:

Maurice Halbwachs, La Mémoire collective, Paris, PUF, 1950.

Pierre Nora (dir.), Les Lieux de mémoire, Paris, Gallimard, 1984–1992.

Paul Ricoeur, La Mémoire, l’histoire, l’oubli, Paris, Seuil, 2000.

Jan Assmann, Cultural Memory and Early Civilization, Cambridge University Press, 2011.

Aleida Assmann, Cultural Memory and Western Civilization, Cambridge University Press, 2011.

Stephen Cory, Reviving the Islamic Caliphate in Early Modern Morocco, Routledge, 2018.

Mercedes García-Arenal, Ahmad al-Mansur: The Beginnings of Modern Morocco, University of Chicago Press, 2023.

Charles R. Boxer, The Portuguese Seaborne Empire, 1415–1825, London, 1969.

António Henrique R. de Oliveira Marques, History of Portugal, Columbia University Press, 1972.

François Hartog, Régimes d’historicité. Présentisme et expériences du temps, Paris, Seuil, 2003.

في الخاتمة،

أولاً: النتائج الرئيسة للدراسة، انطلقت هذه الدراسة من إشكالية مركزية مفادها: كيف تحولت معركة وادي المخازن من حدث عسكري سنة 1578م إلى ذاكرة تاريخية متعددة التمثلات في المغرب والبرتغال والعالم العربي إلى غاية سنة 2026؟ وقد أظهرت المقارنة بين المصادر والسرديات التاريخية والذاكرات الوطنية أن الحدث نفسه لم يحافظ على معنى واحد، بل خضع لعمليات متواصلة من إعادة التأويل وفق السياقات السياسية والثقافية والاجتماعية. ويمكن تلخيص أهم النتائج فيما يأتي:

1. تعدد الروايات التاريخية، حيث أثبتت الدراسة أن معركة وادي المخازن لا يمكن فهمها من خلال مصدر واحد، لأن كل رواية تعكس موقع كاتبها وسياقه: فالمصادر المغربية ركزت على تثبيت شرعية الدولة السعدية وإبراز النصر العسكري. والمصادر العربية أبرزت البعد الحضاري والإسلامي للمعركة. أما المصادر البرتغالية فاهتمت بتفسير الهزيمة وأسباب انهيار المشروع الإمبراطوري. ومن ثم، فإن الحقيقة التاريخية لا تُختزل في رواية وطنية واحدة، بل تُبنى عبر النقد المقارن للمصادر.

2. المعركة منعطف في تاريخ المغرب، فقد أكدت الدراسة أن معركة وادي المخازن شكلت نقطة تحول كبرى في تاريخ المغرب، إذ ترتب عليها تثبيت استقلال الدولة المغربية، وتعزيز شرعية الدولة السعدية، وصعود السلطان أحمد المنصور الذهبي، وانتقال المغرب إلى مرحلة جديدة من القوة السياسية والعسكرية والاقتصادية. وأيضا، توسيع الحضور المغربي في إفريقيا جنوب الصحراء. وبذلك لم تكن المعركة مجرد انتصار عسكري، بل أسست لتحول إستراتيجي في موقع المغرب داخل المجال المتوسطي والإفريقي.

3. نهاية المشروع البرتغالي في المغرب، حيث أظهرت الدراسة أن الهزيمة البرتغالية لم تكن خسارة ميدانية فحسب، بل كانت بداية أزمة دولة انتهت بفقدان البرتغال استقلالها سنة 1580م. كما أن وفاة الملك سيباستيان فتحت الباب أمام تشكل أسطورة سياسية استمرت عدة قرون، وهو ما يجعل معركة وادي المخازن واحدة من أكثر الهزائم تأثيراً في التاريخ الأوروبي الحديث.

4. الذاكرة ليست التاريخ، حيث توصلت الدراسة إلى أن الذاكرة الجماعية تختلف عن المعرفة التاريخية. فالتاريخ يقوم على الوثيقة، والنقد، والمقارنة، والتفسير. أما الذاكرة فتقوم على: الانتقاء، والرمز، والهوية، والاستعمال السياسي للماضي. ولهذا فإن دراسة معركة وادي المخازن تستوجب الفصل المنهجي بين التاريخ والذاكرة، مع تحليل العلاقة التفاعلية بينهما.

5. تحولات التمثلات عبر الزمن، فلم تبق صورة المعركة ثابتة منذ القرن السادس عشر، بل مرت بعدة مراحل:

– الذاكرة السعدية.

– الذاكرة العلوية.

– الذاكرة الوطنية المغربية.

– الذاكرة البرتغالية الإمبراطورية.

– الذاكرة الأكاديمية الحديثة.

– الذاكرة الرقمية في القرن الحادي والعشرين.

ويكشف هذا التطور أن معنى الحدث يتغير باستمرار تبعاً لتحولات المجتمع والدولة والثقافة.

في الختام، بعد مرور أكثر من أربعة قرون على معركة وادي المخازن، لا تزال هذه الواقعة تمثل إحدى أكثر المحطات التاريخية حضوراً في الذاكرة المغربية والبرتغالية. غير أن أهميتها لا تكمن فقط في نتائجها العسكرية، وإنما في قدرتها على الكشف عن العلاقة المركبة بين الحدث التاريخي والذاكرة الجماعية.

وقد بينت هذه الدراسة أن التاريخ والذاكرة لا يتعارضان بالضرورة، بل يتكاملان؛ فالتاريخ يسعى إلى إعادة بناء الماضي وفق قواعد النقد العلمي، بينما تمنح الذاكرة ذلك الماضي معنى داخل الحاضر. ومن ثم، فإن معركة وادي المخازن ليست مجرد صفحة من تاريخ القرن السادس عشر، بل هي فضاء تتقاطع فيه أسئلة الدولة والهوية والسيادة والتمثلات الثقافية.

وفي ضوء ذلك، فإن إعادة قراءة المعركة بمنهج مقارن ومتعدد التخصصات لا تسهم فقط في تجديد المعرفة بتاريخ المغرب، بل تفتح أيضاً آفاقاً لفهم أعمق لتاريخ البحر الأبيض المتوسط والعلاقات بين أوروبا والعالم الإسلامي في العصر الحديث المبكر.

مقال خاص لصحيفة قريش – لندن

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com