((رؤية تاريخية تحليلية هادئة
إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ.
(140) ال عمران
د. توفيق رفيق آلتونچي

هذه رحلة في صحف التاريخ رغم ان رواية حوادثها نسبية، ويقال بن التاريخ لا يزور لان أساسه زور منذ بداية توثيقه بأمر السلطة، ولكن قد نجد في صفحاتها تجارب نستفيد منها في حاضرنا وتنير دربنا وقد تكون تلك التجارب درسا لنا في الحاضر ونتعلم منه ونعتبر، وللناس كامل الحرية في التصديق والتكذيب تلك الحوادث. ومن يريد يعجبه ويفتخر به وآخر يكره ويمقته وبتكرار حوادثه نعيش الماسي، ولكن القدر يرسم في مكان آخر والخالق وحده عز وجل عارف الغيب والشهادة.
ظاهرة البرامكة في العراق والمماليك في مصر والإنكشارية، مع الفارق التنظيمي في الدولة العثمانية منذ البداية وحتى نهايتهم المأساوية كقوة موازية داخل الدولة شبيهة تنظيميا مع فارق بان تلك التنظيمات الثلاث لم يكن افردها من أهل البلاد الذي حكموا فيها.
تلك القوى والفصائل المسلحة المتواجدة اليوم في العديد من دول المنطقة كقوة موازية للجيش النظامي وما تسمى ب الميليشيات هي ظاهرة وجدناها في دول الشرق وخاصة في العراق ومع تأسيس المملكة العراقية ومع توالي الحكومات المتعاقبة وبدا من العهد الجمهوري ١٩٥٨ تأسست تلك الفصائل أمثال؛
المقاومة الشعبية (الحزب الشيوعي)، الحرس القومي (الأحزاب القومية)، الجيش الشعبي (حزب البعث) والحشد الشعبي (القوى الشيعية) والتسميات المختلفة للميليشيات المسلحة للفصائل الشعبية المسلحة كما في جيش المهدي، النجباء، جيش القدس والعديد من التسميات لتلك المجاميع المسلحة كما هو عليها سراي السلام، عصائب اهل الحق ومنظمة بدر والعديد من الفصائل الأخرى المتواجدة على الساحة العراقية اليوم وكما نراه في ايران في قوات ما يسمى بالحرس الثوري وفي لبنان بتسميات مختلفة اي الجناح العسكري للأحزاب.
. الحوادث التاريخية وانعكاساتها تزودنا بدروس وعبر وتمثل عنصرا أساسيا لفهم جوهر الصراع حول “العراق ” منذ حضارات بلاد الرافدين الأولى وذلك الصراع المستمرة لحد يومنا هذا. لذلكً سنعود بالتاريخ إلى العصر العباسي، ولنتتبع حوادث مماثلة وبعائدات متشابهة هنا في عاصمة الخلافة العباسية ” بغداد ” ومع من سموا “البرامكة “.
لنبدأ من العراق اولا ومن العهد العباسي تحديدا وأيام حكم الخليفة العباسي الأشهر هارون الرشيد، والذي وافاه الأجل المحتوم في إيران ولا يزال مرقده هناك في مدينة مشهد وهو من الخلفاء الأكثر شهرة في تاريخ العباسيين في بغداد. لهذا علينا التوقف قليلا عند هذه الشخصية وسيرته.

الخليفة هارون الرشيد؛
هو ابو جعفر المعروف ب هارون الرشيد ، ابن الخليفة المهدي من أحفاد ابو جعفر المنصور. مكان مولده بمدينة الري الواقعة جنوب الشرقي للعاصمة الإيرانية طهران حين كان أبوه الهادي أميرا عليها وعلى خرا سان في سنة ١٤٨ هجرية وأمه السيدة خيزران، “أم ولد ” النجرانية الجدير بالإشارة ان الخليفة هارون الرشيد سمح لامه خيزران التدخل في شؤون الحكم والرعية وعدها في شؤون الدولة وحتى المشاركة في الحكم، ولذلك يمكن اعتبارها أول سيدة تحكم في الإسلام واعتمد الخليفة على رأيها علنًا إذا كانت تحضر ديوان الخليفة واجتماعاته وتتخذ القرارات .واستمرت في إدارة الدولة فعليًا، وضُربت النقود باسمها، وسُميت منشآت باسمها، ولدت في جرش على الحدود مع اليمن ، تلك الأقوام دخلوا الإسلام سلميا مبكرا ودون حرب في عهد النبي صلى الله عليه وسلم. والصبي ابن الولد ولادة دون زواج من الأَمَة (المملوكة) اشتراها ابو جعفر المنصور ثم أهدى هذه الجارية إلى ابنه المهدي وامً الولد تطلق على المملوكة التي تلد من سيدها الذي يملكها وبمجرد ولادتها من مولود ذكر تصبح حرةً مع الصبي باتفاق العلماء، وتكتسب هي وضعاً خاصاً يُعرف بـ”الاستيلاد” من الولادة، حيث لا يجوز لسيدها بيعها أو إهدائها لاحد، وتُعتق تلقائياً اي تصبح حرة بمجرد وفات السيد، المالك. هذه السيدة تسمى “الخيزران بنت عطاء ” وهى أم الخليفة هارون الرشيد وأخيه موسى الهادي. مات هارون الرشيد ودفن في مدينةً طوس التاريخيّة الان مدينة “مشهد” الإيرانية حيث قبره في العتبة الرضوية المقدسة في عام 809 مـيلادية أثناء حملته العسكرية لإخماد تمرد في إقليم خراسان والتي تضم مرقد الإمام علي بن موسى الرضا عليه أفضل السلام (ثامن أئمة الشيعة الإثني عشر) . اما اخيه الخليفة موسى الهادي الذي دام حكمه سنةً وشهرًا وثلاثة وعشرين يومًا فقط حتى وفاته، إذ مرض واشتدت علته، ثم تُوفي في عيسى أباد وهي منطقة في شرقي مدينة بغداد في عام 786 ميلادية وعمره لم يتجاوز الثالثة والعشرين، عرف بالشجاعة والقوة، وقاد الحملات في عهد أبيه، وكان مقربا من والده لكنه لم يكن على وفاق مع والدته التي كانت تتدخل في شؤون الدولة والحكم كما تذكر كتب التاريخ.

البرامكةً؛
يجب ان نعرف من هم البرامكة أولا اذ تذكر كتب التاريخ أنهم من أسرة فارسية نافذة من مدينة بلخ، مدينة مولانا جلال الدين الرومي وهو القائل؛
يَا مَنْ تَهْجُرُنَا بِلَا سَبَبٍ، وَتَمْضِي فِي الطَّرِيقْ تَعَالَ.. تَعَالَ، فَلَا غَنَاءَ لَنَا عَنْكَ وَلَا تَطِيقْ لَا تَعِشْ بِمُفْرَدِكَ، بَلْ دَعْنَا نَسِيرُ مَعاً فِي الطَّرِيقْ إِلَى أَنْ يَحِينَ الوِصَالُ، فَإِنَّ الشَّوْقَ لَا يَنْتَهِي!
يعتقد بان البرامكة من أسرة تعود أصولها إلى مدينة بلخ، كما ذكرت و كانوا في الأصل أتباع الديانة الزردشتية (الـمَجوسًية) ثم دخلوا الإسلام، وهُم ينتسبون إلى جدهم الأكبر برمك، الذي كَانَ سادنًا في أحد معابد النار ويسمى معبد نوبهار، وهوَ أحد أشهر المعابد في مدينة بلخ في آسيا الوسطى. كانت المدينة عاصمة دولة باكتريا اليونانية ابان احتلال المنطقة من قبل جيوش ألكسندر المقدوني ولطالما كانت مدينة بلخ مركزًا قديمًا للديانة البوذية والزردشتية ثم الإسلام منذ فجر التاريخ، ويعيش فيها اقوام من الترك والطاجيك و الأوزبك والأفغان والفرس إحدى أهم مدن محافظة خراسان الكبرى في الماضي اليوم تقع المدينة في حدود دولة أفغانستان الحالية. وكانوا يتحدثون اللغة الدرية وهي قريبة للفارسية القديمة ويتحدث بها الأفغان وتعلموا العربية بعد دخولهم إلى الإسلام لكنهم بقوا يتخاطبون فيما بينهم باللغة الدرية.
لعب البرامكةً دوراً محورياً في إدارة الدولة العباسية وكانوا من خيرة الإداريين. تاريخياً، عُرف البرامكة، رغم اصولهم من خراسان بعدائهم وتآمرهم على أئمة الشيعة، مثل الإمام موسى الكاظم (عليه السلام)، حيث كان لهم دور في التحريض عليه واعتقاله، مما أدى إلى دعاء الأئمة عليهم . بلغوا أوج قوتهم في عهد هارون الرشيد، حيث تولى “يحيى بن خالد” وابناه “جعفر البرمكي” و”الفضل” الوزارة وإدارة شؤون ومفاصل الدولة وسيطروا على الجيش واقتصاديات الدولة. انتهى عصرهم بـ “نكبة البرامكة” عام 803 ميلادية بسبب تضخم نفوذهم. الغريب ان لقب برمكي لا يزال يستخدم في اللهجة العراقية وتعني الكريم الطائي المبذر للأموال والسخي. يعتقد بان الأغنياء من البرامكة بنوا القصور وبذروا منفقين الأموال العامة وأموال الدولة وفسدوا كما هو في عراق اليوم
نكبة البرامكة؛
لكي نفهم أسباب النكبة وإزاحة البرامكة من مصادر القوة والسلطة السياسية والاقتصادية وطبعا العسكرية علينا معرفة ان تزايد نفوذهم خاصة في خراسان و الجزيرة وفي ادارة شؤون الدولة مع انحسار نفوذ الترك والعرب فأصبحوا في موقع حسد الجميع ولذلك كونوا قوة موازية داخل الدولة. اختلف المؤرخون في تحديد الأسباب الحقيقية لهذه النكبة، لكن سيطرتهم على الجيش وقادته والخراج ومراكز السلطة لكن هناك رواية اخرى رواها ابن خلكان حول قصة زواج جعفر من العباسة: مفاده أن الرشيد زوّجه من أخته “العباسة” شكلياً ليتمكن من مجالستهما معاً، مشترطاً ألا يخلو بها، إلا أنهما خالفا الشرط وأنجبا سراً، مما أغضب الرشيد. وقد انتبه الرشيد وبتحريض من والدته إلى تنامي قوة البرامكة و انتبه اليه الرشيد وبدا باستخدام سلطة اكثر مركزية والانفراد في اتخاذ القرارات وسرا وما يسمى اليوم ب الدكتاتورية في الحكم الانفرادي الذي نعرف نحن العراقيين نتائجه جيدا لكن الرشيد كان يعد العدة ويخطط سرّا فبدا بتغير حاشيته شيئا فشيئا بتقريب الأقربون حوله وخاصة قادة الجيش هؤلاء هم ممن سيكونون راس الحربة في إبادة البرامكة لاحقا. لا بد ذكر ان النكبة جاءت كذلك بنتائج سلبية اقتصادية، ثقافية، اجتماعية وعسكرية وخاصة في دوواين ادارة الدولة التي كانت تحت سيطرة البرامكة لا مكان ها هنا لشرح التفاصيل راجع الإشارات. اما السبب التالي فكان فيما سمي تاريخيا بصراع الأخوين الأمين والمأمون على السلطة وهما ابناً الرشيد الاول من ام عربية ، زبيده والثاني من ام جارية فارسية وانتهى الصراع كما هو معروف بمقتل الامين وبدا عهد “الحرب العصبيه القبلية” بينهم. يمكّن رؤية انعكاساتها حتى إلى يومنا هذا.
لنقرأ ما حصل في تلك الليلة الدامية، تقول المصادر التاريخية إلى أنه ؛ “في ليلة صفر من عام 187 للهجرة المصادف لعام 803 ميلادية، تحركت الأحداث بسرعة مذهلة. لكنها كانت مخططة بإحكام ويروي لنا ابن الأثير في (الكامل في التاريخ )أن الرشيد دعا جعفر بن يحيى البرمكي إلى قصره بحجة التشاور في أمر مهم، وما إن دخل جعفر حتى أمر الخليفة بالقبض عليه. وفي الوقت نفسه، تحركت فرق عسكرية خاصة لمحاصرة قصور البرامكة في بغداد، حيث تم اعتقال البرامكة. وحالا امر الرشيد السياف مسرور بإعدام جعفر، ومسرور السياف عاش طويلا وخدم أربع خلفاء مهمته كانت جلاد يقطع الرقاب، كل معارض، وقد ورد اسمه كذلك في حكايات الف ليلة وليلة الشهيرة فتحول إلى أسطورة. وقتل مسرور جعفر فورا وقطعً جسده وتم التمثيل بجسده اما يحيى مربي الخليفة وأستاذه وابنه الفضل فقد سجنوا في الرقة وماتا في السجن وتمً مصادرة جميع أموال واملاك وقصور البرامكة وهؤلاء ممن كانوا من أبناء الأسرة البرمكي.” وكما أسلفت من يرها بدا عهد الحرب العصبية القبلية بينهم. تلك العصبية التي لا تزال آثارها ويمكّن رؤية انعكاساتها حتى إلى يومنا هذا وآخرها كانت فبي ثماني سنوات من الحرب العراقية الإيرانية وما تلاها.
يبقى التاريخ سلسلة من الحوادث تتكرر احيانا لكنها تكون مأساة او ملهاة ،وما نشاهده اليوم ما هو إلا انعكاس لذلك الماضي وسوف يحصل في المستقبل انعكاسات لهذا التاريخ يعلم البارئ تفاصيلها، فويل لمن لم يتعظ من التاريخ.
الإشارات؛
المصادر التاريخية.
مقدمة ابن خلدون
الجاحظ البيان والتبيين
ابن الأثير الكامل في التاريخ
المسعودي ، مروج الذهب
ابن خلكان وفيات الأعيان


















































