أنا وشادي
نسرين مشاعلة

كاتبة من الأردن
كلما غنّت فيروز: “أنا وشادي”، ابتسمت… ودارت أصابع الزمن بي إلى الوراء، تعيدني إلى حينا القديم، إلى الأزقة الصغيرة، وإلى أجمل ذكريات الطفولة التي ظننت أنها رحلت، لكنها تختبئ دائما في زاوية دافئة من القلب، قبل ان تفتح لها السيدة فيروز الباب، لتنطلق مثل فرس جامح!
لكل طفل شاديه الخاص…ليس بالضرورة طفلًا يحمل الاسم نفسه، ولكنه الطفل الذي يعبر حياتنا ذات يوم، ثم يبقى فيها إلى الأبد. طفل لا يكبر في ذاكرتنا، مهما كبرنا نحن، وكأن الزمن قرر أن يترك له زاوية مضيئة لا يصل إليها النسيان.
طفل صغير يحمل معه شيئًا لا يشبه الآخرين؛ ضحكة مختلفة، أو حلمًا غريبًا، أو سحرًا خفيًا يترك أثره في أرواحنا، بعض اصدقاء الطفولة ليسوا مجرد رفاق لعب، ربما نتعلم منهم أهم الدروس، يشكلون شخصياتنا، يتركون لنا خطوات خفية نتبعها في دروب مستقبلنا.
وها أنا اليوم أروي قصة شادي الخاصة بطفولتي..
كان عمري خمس سنوات، وفي طريقي إلى البقالة حين رأيته أول مرة، يقف أمام أحد منازل الحي، وإلى جواره شاحنة محمّلة بالأثاث، يدير رأسه في أرجاء الحي بوجهٍ متجهم، كمن يبحث عن شيء يعرفه فلا يجد، رأني، ولا أدري حينها كيف بدوت له، ولكنه اطال النظر، وكأنه يحاول قراءة ذلك الكائن الصغير الذي ابتسم له دون سابق إنذار، مرسلا إليه عبارات ترحيب صامتة، لا اذكر تماما إن كان بادلني تلك الأبتسامة، ولكنني اذكر ملامحه جيدا، كان أشقر الشعر، تتورد وجنتاه بحمرة خفيفة، ويبدو مختلفًا عن كل الأطفال الذين عرفتهم.
عرفت لاحقًا أن اسمه شادي، وأن العائلة جاءت من ألمانيا، وأنه لا يعرف من العربية شيئًا.
في صباح اليوم التالي خرج مرتديًا حذاءً للتزلج، وكان ذلك أول حذاء تزلج أراه في حياتي، ولم أرَ يوما طفلًا يتحرك فوق الأرض بتلك الخفة. كان ينزلق كما لو أن الشارع تحول إلى نهر، وكأن العجلات الصغيرة الملتصقة بقدميه ليست عجلات، بل جناحين خفيين.
وقف أطفال الحارة يحدقون فيه بغرابة، ثم اكتشفوا أنه لا يتحدث العربية، وبدأت السخرية، كانوا يضحكون، يقلدون طريقته في الكلام، وينظرون إليه كأنه كائن هبط من عالم آخر، ورغم أنه لم يكن يفهم كلماتهم، إلا أنه كان يفهم وجوههم جيدًا، فالخذلان له لغة لا تحتاج إلى ترجمة.
أما أنا… فلم أرَ فيه طفلًا غريبًا، رأيت طفلًا يستطيع الطيران، كنت أراقبه كل يوم بانبهار، ويكبر حلم صغير في داخلي: أن أطير مثله.
وتحقق الحلم ! في أحد الصباحات أيقظتني أمي، وقالت إن أحدًا ينتظرني عند الباب، وقفت بذهول أنظر إلى شادي وهو يقف إلى جانب والده، وفي يده حذاء تزلج صغير، عرفت حينها أن شادي قرأ وجهي جيدا، وان عبارات الترحيب الصامتة، وتلك الأبتسامة، منحته الألفة، ربما وجد الطفل الغريب أحدا يعرفه في البلد الجديد!
ابتسم والده وقال لي:
“شادي يريد أن يلعب معك… ولا تنسي أن تعلميه العربية.”
ضحكت أمي وقالت:
“هي أصلًا لا تتحدث كثيرًا.”
فابتسم الرجل وقال:
“لا يهم… المهم ألا يبقى الطفل وحيدًا، وانا على يقين ستجمعهما لغة ما.”
وبلا أدنى تفكير، هرولت لأتبع شادي مثل ظله، واطبق تعليماته وهو يحرك يديه ويشير إليّ لأرتدي حذاء التزلج، والذي كان أكبر قليلًا من قدمي الصغيرتين، وثقيلًا كأنني أرتدي عالمًا جديدًا.
أمسك بيدي، ثم تركها برفق، وما إن حاولت التقدم حتى انزلقت قدماي وسقطت على الأرض.
حاولت مرة أخرى، فسقطت، وثالثة، ورابعة، وفي كل مرة كان يبتسم، ويشير بيديه أن أحاول من جديد، كأنه يقول لي بعينين واثقتين، إن السقوط ليس المعضلة، بل التوقف عن المحاولة، وصدقته إلى أن جاءت اللحظة التي انزلقت فيها بضعة أمتار دون أن أسقط، لم تكن سوى ثوانٍ قليلة، لكنها كانت أطول وأجمل رحلة في طفولتي.شعرت أن الأرض أصبحت أخف، وأن الهواء صار أقرب، وأن قلبي يسبقني إلى الأمام.
صرخت فرحا وشاركني شادي فرحتي بالقفز، وهو يتحدث بالألمانية دون ان فهم حرفًا واحدًا، ولكنني فهمت حين فتح ذراعيه، وراح يحركهما كجناحي طائر، لم أفهم لغته…لكنني فهمت المعنى، كنت متأكدة ان قال:
“هيا… لنطِر.”
ومنذ تلك اللحظة اصبحنا اصدقاء لا نفترق، ولم يعد التزلج بالنسبة إليّ مجرد لعبة، لقد كان أول درس لي في السقوط، في تحمل ألم السقوط، في المحاولة مرة تلو مرة، وفي الطيران.
لم أحاول يومًا أن أجبره على التحدث بالعربية، ولم يحاول هو أن يعلمني الألمانية، كانت أيدينا تتحدث بدل ألسنتنا، وكانت الضحكات تترجم كل ما تعجز عنه الكلمات، وكنت أقضي معظم وقتي في بيتهم، حتى إن أمي إذا افتقدتني ذهبت إليهم، فتجدني نائمة هناك، فتبتسم وتعود.
بعد أشهر أحضر له والداه معلمًا للغة العربية، وصار يسألني عن أسماء الأشياء، ويعيد الكلمات حتى يتقنها. بعد سنتين، كان شادي يتقن العربية، ولكن بعض الكلمات كانت ثقيلة على لسانه، وكنت ابتسم وأصحح له، بينما يشعر بالضيق والحرج من الكلام أمام أطفال الحي، كي لا يتعرض للسخرية والتنمر.
ثم جاء صباح مختلف، ومعه قدر جديد، وقف شادي أمام بيتنايومها، وعيناه تحملان حزنًا عميقا، قال إن عائلته قررت العودة إلى ألمانيا، وإنه يريد أن يهديني جميع ألعابه، قفزت من الفرح حينها، كنت طفلة، لا تفهم معنى الفراق، ولم أعرف كيف أحزن على صديق، الا بعد أن غادربأيام ، تاركا فراغا في الحي وفي طفولتي، وخفت وهج الفرح بالألعاب، ولكنني لم اتوقف عن التزلج، وفي داخلي احساس بأن ظل شادي يرافقني، سيمسكني كلما اوشكت على السقوط.
رحل شادي، مرت السنوات، كبرنا، انتقلنا من الحي، واختفت وجوه كثيرة، لكن الطفل الأشقر الذي كان يطير فوق عجلات التزلج بقي في ذاكرتي.
وبعد عشرين عاما، وفي حفل زفاف، سجمعنا القدر مرة أخرى، كان الأمر اشبه بمعجزة، كان شادي يقضي اجازته الصيفية في البلد مع عائلته، وسنلتقي في حفل زفاف لأحد الجيران من الحي القديم .
وفي الحفل وامام إحدى الطاولات، كان يجلس رجل اشقر وزوجته وعائلته، اقتربت بخطوات مترددة، وانا افكر ماذا سأقول، ولكنه وقف على الفور، نظر إليّ مبتسمًا وقال بلغة عربية سليمة تماما:
“نسرين… ما زلتِ قصيرة.”
ضحكت وقلت:
“شادي… ما زلت أشقر.”
وانفجرنا جميعًا بالضحك.
وكأن الزمن أعاد لنا صفحة قديمة من طفولتنا، واخذنا نتحدث ونتجول فيها، ثم قال لي شيئًا لم أنسه، اعترف بأنه كان يتألم لأنه لا يستطيع الحديث معي، وأنه هو من طلب من والده أن يحضر له معلمًا للعربية، لأنه كان يريد أن يزيل ذاك العائق بيننا، ثم ابتسم وقال:
“تخيلي… انتهى بي الأمر بدراسة اللغة العربية في الجامعة.”
ذهلت! اخبرته انه ترك أثرًا عميقا في داخلي أيضا. قلت له: وأنت أيضًا غيّرت حياتي، بسببك التحقت بنادٍ للتزلج، وتعلمت القفز والدوران، وأخبرت الجميع أنني سأصبح بطلة تزلج، ولم يعد يخيفني السقوط اطلاقا.
ضحكنا طويلًا، تحدثنا كثيرا، واذهلني اننا ما زلنا نحتفظ بتلك الذكريات، وكأنها حفرت في مكان ما، ولا يمكن للزمن ان يمحوها!
في طريق عودتي إلى المنزل، ظل سؤال واحد يرافقني:
كم شخصًا مرّ في حياتنا وظنناه عابرًا، بينما كان يرسم بصمت ملامح مستقبلنا؟
لم يكن شادي يعلمني التزلج فقط، كان يعلمني أن الاختلاف لا يمنع الصداقة، وأن اللغة ليست دائمًا كلمات.
وأن التنمر لا يكسر المختلف، بل يكشف ضيق أفق من يمارسه.
علّمني أن الإنسان قد يمنح إنسانًا آخر جناحًا دون أن يدري، ولهذا، كلما غنّت فيروز “أنا وشادي”، أتذكر أن لكل واحد منا شاديه الخاص… ذلك الذي جاء صغيرًا، لكنه ترك في الروح شيئا عميقا، شيئا رائعا، هو رفيق الطفولة الذي لا يكبر، شادي.
—————————
نسرين مشاعلة، في سطور …
السيرة الذاتية والأدبية
– نسرين مشاعلة ، كاتبة وروائية من الأردن
الأعمال الأدبية :
• رواية ابنة آدم (منشورة)
• رواية مراتع الظلام (منشورة)
• ذاكرة الماء – قصة قصيرة
• حارس شجرة اللوز – قصة قصيرة
الجوائز :
• جائزة اتحاد الأدباء العرب للقصة القصيرة عن ذاكرة الماء
• المركز الأول في مسابقة ديوان العرب الأدبية عن قصة حارس شجرة اللوز .
——
تركز نسرين في أعمالها على السرد الإبداعي الذي يمزج بين الذاكرة الفردية والجماعية، الهوية، الصمود، والقصص التاريخية الإنسانية.
القصة خاصة لصحيفة قريش – ملحق ثقافات وآداب – لندن


















































