فاروق الدباغ
في مثل هذا اليوم، قبل أحد عشر عامًا، لم يستيقظ أهل الموصل على خبر عادي من أخبار الحرب.
استيقظوا على قائمة موت.
في السابع من آب/أغسطس 2015 ظهرت أسماء 2070 شخصًا من أبناء الموصل ونينوى قال تنظيم داعش إنه أعدمهم خلال الفترة التي أعقبت احتلاله المدينة في حزيران 2014. ووفق تقارير حقوقية وإعلامية موثقة آنذاك، طُلب من دائرة الطب العدلي إصدار شهادات وفاة لهم، فيما لم تُسلَّم جثامين كثير منهم إلى عائلاتهم.
كان بينهم عسكريون وشرطة وموظفون وشخصيات محلية وأناس اتُّهموا برفض التعاون مع التنظيم أو بمخالفة أوامره.
هكذا عرف بعض الأهالي أن ابنهم أو أباهم أو أخاهم قد مات: ليس من قبر، ولا من جثمان، ولا من شاهد أخير، بل من اسم كُتب على قائمة.
أحد عشر عامًا مضت.
كبر أطفال وهم لا يعرفون أين يرقد آباؤهم، وشاخت أمهات وهن ينتظرن عظام أبنائهن، وظلت عائلات معلقة بين الموت والفقد؛ لأن الموت، مهما كان قاسيًا، له قبر يُزار، أما المفقود فتبقى أمه تنتظر احتمال عودته كلما طُرق الباب.
ولهذا فإن مأساة الموصل لم تنته يوم هُزم داعش عسكريًا.
فالمدن لا تتحرر فقط عندما يخرج المسلح من شوارعها، بل عندما تعرف عائلاتها أين ذهب أبناؤها، وحين تستعيد أسماء موتاها، وحين تتحول المقابر الجماعية من حفر مجهولة إلى قبور تحمل أسماء بشر كانوا ذات يوم جزءًا من هذه المدينة.
وهنا أتذكر تجربة تبدو بعيدة جغرافيًا عن الموصل، لكنها قريبة جدًا من السؤال الأخلاقي الذي أطرحه.
في بلدة توام الإيرلندية، مات 796 طفلًا في دار للأمهات والأطفال كانت تعمل بين عامي 1925 و1961. وبعد عقود طويلة، لم تقل الدولة الإيرلندية إن الملف أصبح قديمًا، وإن الذين تسببوا في المأساة رحلوا، وإن فتح الماضي لن يغير شيئًا.
بل فتحت الماضي.
اعتذرت الدولة رسميًا عام 2021 عما تعرض له النساء والأطفال في تلك المؤسسات، وبدأت عملية قانونية وعلمية للبحث عن رفات الأطفال والتعرف عليهم وإعادتهم إلى عائلاتهم.
وحتى قبل أسابيع قليلة، في تموز/يوليو 2026، كانت فرق الطب العدلي لا تزال تعمل في موقع توام. وقد ارتفع عدد الرفات المستخرجة منذ بدء العمليات إلى 99 طفلًا، مع استمرار تحليل الحمض النووي ومحاولات تحديد الهويات.
بعد قرابة قرن من بداية تلك المأساة، ما زالت أيرلندا تقول لموتاها: لم ننساكم.
وهنا يبدأ السؤال العراقي المؤلم:
من يقول ذلك لشهداء الموصل؟
صحيح أن الدولة العراقية لم تقتل هؤلاء الرجال والنساء. القاتل هو داعش، والمسؤول الأول عن الجريمة هو التنظيم الذي اختطف المدينة وحوّلها إلى سجن كبير.
لكن الاعتراف بمسؤولية داعش لا يلغي سؤالًا آخر:
كيف سقطت مدينة بحجم الموصل أصلًا؟
من يتحمل المسؤولية السياسية والعسكرية عن انهيار مؤسسات الدولة فيها؟
كيف تُركت مدينة يسكنها قرابة مليوني إنسان أمام تنظيم مسلح؟
من أصدر الأوامر؟ ومن أخطأ في التقدير؟ ومن ترك موقعه؟ ومن حوسب فعلًا بعد ذلك؟
طرح هذه الأسئلة لا يعني البحث عن الانتقام، ولا يعني تحميل الدولة جريمة ارتكبها داعش.
إنه يعني شيئًا أكثر بساطة وأهمية:
أن للدولة واجبًا تجاه مواطنيها، وعندما تفشل مؤسساتها في حمايتهم وتحدث كارثة بهذا الحجم، فمن حق الضحايا أن يعرفوا الحقيقة، ومن حق عائلاتهم أن يسمعوا اعترافًا واضحًا بما حدث وكيف حدث.
والأهم أن ملف الموتى نفسه لم يُغلق بعد.
ففي جنوب الموصل تقع الخسفة، تلك الحفرة الطبيعية التي حولها داعش إلى واحد من أبشع مواقع القتل الجماعي في العراق.
بعد سنوات طويلة من الانتظار، بدأت السلطات العراقية في آب/أغسطس 2025 العمل الميداني في الموقع ورفع رفات وأدلة سطحية، تمهيدًا لعملية أوسع للتعرف على الضحايا بواسطة الحمض النووي. لكن طبيعة الموقع، والمياه الكبريتية والمخلفات الحربية وخطورة العمل داخله، جعلت المهمة معقدة وتحتاج إلى إمكانات وخبرات كبيرة. ولا تزال الأعداد الحقيقية لمن دُفنوا هناك غير محسومة، وإن كانت التقديرات تتحدث عن آلاف الضحايا.
وهذه خطوة مهمة، لكنها جاءت بعد سنوات طويلة كان خلالها أهل المفقودين يشيخون وهم ينتظرون.
المشكلة في العراق ليست أننا نفتقر إلى البيانات أو المؤتمرات أو لجان التحقيق.
نحن نفتقر أحيانًا إلى اللحظة التي تقف فيها الدولة أمام مواطنيها وتقول بوضوح:
أخطأنا.
أو:
فشلنا في حمايتكم.
أو حتى:
نعترف بأنكم انتظرتم أكثر مما ينبغي، وسنفعل كل ما نستطيع لإعادة أبنائكم إليكم.
الاعتذار لا يعيد ميتًا إلى الحياة.
والحمض النووي لا يمحو سنوات الانتظار.
والقبر لا يعوض أمًا عن ابنها.
لكن هناك فارقًا هائلًا بين أن يموت الإنسان مرتين: مرة عندما يُقتل، ومرة عندما يُنسى؛ وبين أن تأتي دولته بعد عشر سنوات أو خمسين أو مئة سنة لتبحث عنه، وتعيد اسمه، وتضعه في قبر يحمل هويته وتقول لعائلته: هذا ابنكم، وهذه قصته، ونحن لم ننسه.
هذا ما تفعله أيرلندا اليوم مع أطفال مات بعضهم قبل نحو قرن.
ولهذا، في الذكرى الحادية عشرة لقائمة الـ2070، لا أريد للموصل مزيدًا من الكلمات الرثائية وحدها.
الرحمة والخلود لشهدائها، نعم.
لكن الوفاء الحقيقي لهم يبدأ بعد الرثاء.
يبدأ بفتح كل المقابر الجماعية وفق المعايير الجنائية والطبّية الدولية، وبإنشاء قاعدة DNA شاملة لعائلات المفقودين، وبالتعرف على كل رفات يمكن التعرف عليه، وتسليمه إلى أهله، وحفظ أسماء الضحايا في سجل وطني دائم.
ويبدأ أيضًا بكشف الحقيقة السياسية والعسكرية الكاملة عن سقوط الموصل، وإعلان نتائج التحقيقات للرأي العام، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته أو تقصيره، مهما كان اسمه أو منصبه.
ثم يبقى شيء واحد ربما لا يكلف الدولة دينارًا واحدًا، لكنه يساوي كثيرًا بالنسبة إلى عائلات الضحايا:
اعتذار.
اعتذار رسمي لأهل الموصل ونينوى عن فشل الدولة في حمايتهم في تلك الأيام السوداء، وعن السنوات الطويلة التي اضطر فيها أهل المفقودين إلى انتظار أبسط حقوقهم: معرفة أين يرقد أبناؤهم.
الدول القوية لا تخاف من الاعتذار.
لأن الاعتذار لا يهدم هيبة الدولة، بل يؤكد أن للدولة ضميرًا وذاكرة.
وفي هذا اليوم، بعد أحد عشر عامًا، ربما لم يعد السؤال هو فقط:
من قتل أبناء الموصل؟
فنحن نعرف القاتل.
السؤال الذي ما زال ينتظر جوابًا هو:
من يعيد أسماءهم إلى عائلاتهم، ومن يكشف الحقيقة كاملة، ومن يملك شجاعة أن يقول لأهل الموصل: سامحونا… لقد تركناكم وحدكم يوم كان يجب ألا تكونوا وحدكم؟
الذكرى الحادية عشرة لقائمة الموت في الموصل… من يعتذر للمدينة؟
فاروق الدباغ
في مثل هذا اليوم، قبل أحد عشر عامًا، لم يستيقظ أهل الموصل على خبر عادي من أخبار الحرب.
استيقظوا على قائمة موت.
في السابع من آب/أغسطس 2015 ظهرت أسماء 2070 شخصًا من أبناء الموصل ونينوى قال تنظيم داعش إنه أعدمهم خلال الفترة التي أعقبت احتلاله المدينة في حزيران 2014. ووفق تقارير حقوقية وإعلامية موثقة آنذاك، طُلب من دائرة الطب العدلي إصدار شهادات وفاة لهم، فيما لم تُسلَّم جثامين كثير منهم إلى عائلاتهم.
كان بينهم عسكريون وشرطة وموظفون وشخصيات محلية وأناس اتُّهموا برفض التعاون مع التنظيم أو بمخالفة أوامره.
هكذا عرف بعض الأهالي أن ابنهم أو أباهم أو أخاهم قد مات: ليس من قبر، ولا من جثمان، ولا من شاهد أخير، بل من اسم كُتب على قائمة.
أحد عشر عامًا مضت.
كبر أطفال وهم لا يعرفون أين يرقد آباؤهم، وشاخت أمهات وهن ينتظرن عظام أبنائهن، وظلت عائلات معلقة بين الموت والفقد؛ لأن الموت، مهما كان قاسيًا، له قبر يُزار، أما المفقود فتبقى أمه تنتظر احتمال عودته كلما طُرق الباب.
ولهذا فإن مأساة الموصل لم تنته يوم هُزم داعش عسكريًا.
فالمدن لا تتحرر فقط عندما يخرج المسلح من شوارعها، بل عندما تعرف عائلاتها أين ذهب أبناؤها، وحين تستعيد أسماء موتاها، وحين تتحول المقابر الجماعية من حفر مجهولة إلى قبور تحمل أسماء بشر كانوا ذات يوم جزءًا من هذه المدينة.
وهنا أتذكر تجربة تبدو بعيدة جغرافيًا عن الموصل، لكنها قريبة جدًا من السؤال الأخلاقي الذي أطرحه.
في بلدة توام الإيرلندية، مات 796 طفلًا في دار للأمهات والأطفال كانت تعمل بين عامي 1925 و1961. وبعد عقود طويلة، لم تقل الدولة الإيرلندية إن الملف أصبح قديمًا، وإن الذين تسببوا في المأساة رحلوا، وإن فتح الماضي لن يغير شيئًا.
بل فتحت الماضي.
اعتذرت الدولة رسميًا عام 2021 عما تعرض له النساء والأطفال في تلك المؤسسات، وبدأت عملية قانونية وعلمية للبحث عن رفات الأطفال والتعرف عليهم وإعادتهم إلى عائلاتهم.
وحتى قبل أسابيع قليلة، في تموز/يوليو 2026، كانت فرق الطب العدلي لا تزال تعمل في موقع توام. وقد ارتفع عدد الرفات المستخرجة منذ بدء العمليات إلى 99 طفلًا، مع استمرار تحليل الحمض النووي ومحاولات تحديد الهويات.
بعد قرابة قرن من بداية تلك المأساة، ما زالت أيرلندا تقول لموتاها: لم ننساكم.
وهنا يبدأ السؤال العراقي المؤلم:
من يقول ذلك لشهداء الموصل؟
صحيح أن الدولة العراقية لم تقتل هؤلاء الرجال والنساء. القاتل هو داعش، والمسؤول الأول عن الجريمة هو التنظيم الذي اختطف المدينة وحوّلها إلى سجن كبير.
لكن الاعتراف بمسؤولية داعش لا يلغي سؤالًا آخر:
كيف سقطت مدينة بحجم الموصل أصلًا؟
من يتحمل المسؤولية السياسية والعسكرية عن انهيار مؤسسات الدولة فيها؟
كيف تُركت مدينة يسكنها قرابة مليوني إنسان أمام تنظيم مسلح؟
من أصدر الأوامر؟ ومن أخطأ في التقدير؟ ومن ترك موقعه؟ ومن حوسب فعلًا بعد ذلك؟
طرح هذه الأسئلة لا يعني البحث عن الانتقام، ولا يعني تحميل الدولة جريمة ارتكبها داعش.
إنه يعني شيئًا أكثر بساطة وأهمية:
أن للدولة واجبًا تجاه مواطنيها، وعندما تفشل مؤسساتها في حمايتهم وتحدث كارثة بهذا الحجم، فمن حق الضحايا أن يعرفوا الحقيقة، ومن حق عائلاتهم أن يسمعوا اعترافًا واضحًا بما حدث وكيف حدث.
والأهم أن ملف الموتى نفسه لم يُغلق بعد.
ففي جنوب الموصل تقع الخسفة، تلك الحفرة الطبيعية التي حولها داعش إلى واحد من أبشع مواقع القتل الجماعي في العراق.
بعد سنوات طويلة من الانتظار، بدأت السلطات العراقية في آب/أغسطس 2025 العمل الميداني في الموقع ورفع رفات وأدلة سطحية، تمهيدًا لعملية أوسع للتعرف على الضحايا بواسطة الحمض النووي. لكن طبيعة الموقع، والمياه الكبريتية والمخلفات الحربية وخطورة العمل داخله، جعلت المهمة معقدة وتحتاج إلى إمكانات وخبرات كبيرة. ولا تزال الأعداد الحقيقية لمن دُفنوا هناك غير محسومة، وإن كانت التقديرات تتحدث عن آلاف الضحايا.
وهذه خطوة مهمة، لكنها جاءت بعد سنوات طويلة كان خلالها أهل المفقودين يشيخون وهم ينتظرون.
المشكلة في العراق ليست أننا نفتقر إلى البيانات أو المؤتمرات أو لجان التحقيق.
نحن نفتقر أحيانًا إلى اللحظة التي تقف فيها الدولة أمام مواطنيها وتقول بوضوح:
أخطأنا.
أو:
فشلنا في حمايتكم.
أو حتى:
نعترف بأنكم انتظرتم أكثر مما ينبغي، وسنفعل كل ما نستطيع لإعادة أبنائكم إليكم.
الاعتذار لا يعيد ميتًا إلى الحياة.
والحمض النووي لا يمحو سنوات الانتظار.
والقبر لا يعوض أمًا عن ابنها.
لكن هناك فارقًا هائلًا بين أن يموت الإنسان مرتين: مرة عندما يُقتل، ومرة عندما يُنسى؛ وبين أن تأتي دولته بعد عشر سنوات أو خمسين أو مئة سنة لتبحث عنه، وتعيد اسمه، وتضعه في قبر يحمل هويته وتقول لعائلته: هذا ابنكم، وهذه قصته، ونحن لم ننسه.
هذا ما تفعله أيرلندا اليوم مع أطفال مات بعضهم قبل نحو قرن.
ولهذا، في الذكرى الحادية عشرة لقائمة الـ2070، لا أريد للموصل مزيدًا من الكلمات الرثائية وحدها.
الرحمة والخلود لشهدائها، نعم.
لكن الوفاء الحقيقي لهم يبدأ بعد الرثاء.
يبدأ بفتح كل المقابر الجماعية وفق المعايير الجنائية والطبّية الدولية، وبإنشاء قاعدة DNA شاملة لعائلات المفقودين، وبالتعرف على كل رفات يمكن التعرف عليه، وتسليمه إلى أهله، وحفظ أسماء الضحايا في سجل وطني دائم.
ويبدأ أيضًا بكشف الحقيقة السياسية والعسكرية الكاملة عن سقوط الموصل، وإعلان نتائج التحقيقات للرأي العام، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته أو تقصيره، مهما كان اسمه أو منصبه.
ثم يبقى شيء واحد ربما لا يكلف الدولة دينارًا واحدًا، لكنه يساوي كثيرًا بالنسبة إلى عائلات الضحايا:
اعتذار.
اعتذار رسمي لأهل الموصل ونينوى عن فشل الدولة في حمايتهم في تلك الأيام السوداء، وعن السنوات الطويلة التي اضطر فيها أهل المفقودين إلى انتظار أبسط حقوقهم: معرفة أين يرقد أبناؤهم.
الدول القوية لا تخاف من الاعتذار.
لأن الاعتذار لا يهدم هيبة الدولة، بل يؤكد أن للدولة ضميرًا وذاكرة.
وفي هذا اليوم، بعد أحد عشر عامًا، ربما لم يعد السؤال هو فقط:
من قتل أبناء الموصل؟
فنحن نعرف القاتل.
السؤال الذي ما زال ينتظر جوابًا هو:
من يعيد أسماءهم إلى عائلاتهم، ومن يكشف الحقيقة كاملة، ومن يملك شجاعة أن يقول لأهل الموصل: سامحونا… لقد تركناكم وحدكم يوم كان يجب ألا تكونوا وحدكم؟



















































