أشخاص في ذاكرتي(*):
عمُّو أبو سليمان
ميَّادة مهنَّا سليمان

قاصة من سورية
هو عمِّي الأكبرُ، يليهِ أبي، اسمهُ مُصلِحٌ، وهوَ اسمٌ على مُسمَّىً، فكثيرًا ما لجأَ أهلُ القريةِ لِحكمتِهِ، ورجاحةِ عقلِهِ، عدَا عن ذلكَ، فأشِقَّاؤهُ يحترمونهُ، ويعاملونهُ كأبٍ، ويعملونَ بِمَشورتِهِ، ويسعدونَ بِحُسْنِ تدبيرِهِ للأمورِ.
عمُّو أبو سليمان، كانَ جارَنا عندما كُنَّا نُقيمُ في منطقةِ الحجرِ الأسودِ؛ إذ لمْ يكنْ بينَ بيتِنا، وبيتِهِ سوى جدارٍ قصيرٍ، وكنَّا بدلًا من أنْ نخرجَ منْ بابِ بيتِنا، ونذهبَ إلى الشَّارعِ العامِّ، لنصيرَ في حارتِهِ، وبدلًا منْ أنْ نصعدَ إلى سطحِ بيتِنا، ونجتازَ جدارًا قصيرًا جدًّا، لنصيرَ على سطحِ بيتِهِ، كنَّا نستعينُ بِسُلَّمٍ خشبيٍّ مسنودٍ إلى الجدارِ الفاصلِ بينَ بيتَينا، فننزلُ على سُلَّمٍ مماثلٍ وضعَهُ على الجدارِ ذاتِهِ من جهةِ بيتِهِ.
وفي بعضِ الأحيانِ إنْ أرادَ أن يسلِّمَ علينا، كانَ يُنادي: مين هون؟
فيقولُ لهُ والِدايَ: تفضَّل!
عندَها يصعدُ السُّلَّمُ، يظلُّ واقفًا هُنيهةً، يسألُ عنَّا جميعًا، ويحادِثُنا، وقُبيلَ أنْ ينصرفَ، يشيرُ لي:
أنْ تعالي!
أصعدُ بسعادةٍ، لأستمعَ إلى السِّرِّ الَّذي سيُوشوِشني بهِ، فأومئُ برأسي علامةَ الموافقةِ، ثمَّ أنزلُ أوشوِشُ أمِّي رحمها الله:
” قال عمُّو، بس يناموا (مازن ومنهل)، رح ياخدني مشوار لعند جماعة عندن بنت من عمري”!
وهكذا كنتُ أنتظرُ بفارغِ الصَّغيرِ نوْمَ أخوَيَّ، فتُلبِسُني أمِّي ثيابًا جميلةً، وأذهبُ معهم إلى سهرتِهم، أحشرُ نفسي قربَ زوجةِ عمِّي في السَّيَّارةِ السُّوزوكي البيضاء، أُمضي وقتًا جميلًا، وأستمتعُ باللعبِ مع ابنتِهم(هيفاءَ)، الَّتي أهلُها أقاربُ أمِّي أيضًا.
أمَّا في الأعيادِ، فكانَ عمُّو أبو سليمان، يخصُّني بعيديَّةٍ أكبرَ من عيديَّةِ أخوَيَّ، وفي كثيرٍ منَ الأحيانِ، كانَ يُهديني أقلامَ حِبرٍ جميلةً، ولوازمَ كتابةٍ.
عمُّو أبو سليمانُ الحنونُ، لمْ يهبهُ اللهُ، وزوجتَهُ الغاليةَ على قلبي- أولادًا، لكنَّهُ حوَّلَ قلبَهُ إلى روضةِ حُبٍّ غنَّاءَ؛ فاحتضنَنا أنا وشقيقايَ بحبٍّ عظيمٍ، وكذلكَ أبناءَ إخوتهِ جميعًا، لكنْ نحنُ أكثرَ مَنْ دلَّلَنا بِحُكمِ الجيرةِ الجميلةِ.
بعدَ مدَّةٍ منَ الزَّمنِ، انتقلَ عمِّي إلى مساكنَ عسكريَّةٍ في منطقةِ (الكسوةِ)، فاشترينا منزلَهُ، وبِعنا منزلَنا، لأنَّ جيرانَ حارتهِ كانتْ علاقتُنا بهم قويَّةً أكثرَ منَ الجيرانِ السَّاكنينَ حارتَنا، فقدْ كانَ كلُّ بيتٍ من بيتَينا نحنُ وعمِّي، يطلُّ على حارةٍ مختلفةٍ.
ولمَّا أقامَ عمِّي في الكسوةِ، لمْ نتخلَّ عن تعلُّقِنا بهِ، بلْ صرنا نزورُهُ كلَّ أسبوعٍ، وكمْ كانَ يُطعِمنا من داليةِ العنبِ المزروعةِ خلفَ البيتِ، الَّتي حبَّاتُها كالأصابعِ تباركَ اللهُ، فما زالَ طعمُها حلوًا في فمِ ذاكرتي.
أخبرًا، سأحدِّثكم عن يومِ عرسي، فحينَ وصلتُ إلى بيتِ أهلِ زوجي، قالَ النَّاسُ:
إجتْ سيَّارة العروس!
كانَ أهلي، وأعمامي قدْ وصلوا قبلي، وكانَ منْ بينِ الجُموعِ الغفيرةِ أمامَ البيتِ، رجلٌ طويلٌ يزيحُ النَّاسَ عنِ يمينِهِ، وشِمالِهِ بحركةٍ سريعةٍ، ولهفةٍ عجيبةٍ؛ نعم، كانَ عمُّو أبو سليمان، أوَّلَ مَنِ استقبلَني محتضنًا إيَّايَ، باكيًا بفرحٍ، وكأنَّ لسانَ حالِهِ يقول:
كبرت ميَّادة الصَّغيرة رفيقة مشاويري، وصارت عروس!
(*) هذا جزء من شلسلة قصصيَّةِ، كانَ أوَّلُها عن عمِّي المرحوم سلمان، والدِ زوجي رحمهما الله، والأخيرُ عن عمِّي شقيقِ أبي أطالَ اللهُ عُمريهِما، وكلاهُما دلَّلاني، وأكرَماني، أكرمَهما الله.
القصة خاصة لصحيفة قريش – ملحق ثقافات وآداب – لندن


















































