قراءات نقدية في قضايا المرأة والتحولات المجتمعية
من العدالة الأداتية إلى تحصين التحول: ولوج النساء إلى العدالة والتغذية البنيوية لامتصاص الإنصاف
قراءات نقدية في قضايا المرأة والتحولات المجتمعية (8)
بقلم: د. إيمان غانمي

باحثة مغربية في قضايا النوع الاجتماعي
إذا كان تحليل الكوطا قد كشف أن التحول قد يُمتص عند عتبة التمثيلية، حين تتحول آلية يفترض أن توسع مجال الإنصاف إلى قناة لإعادة إنتاج الانتقاء عبر التزكية ورأسمال القرب وقابلية العبور إلى المؤسسة، وإذا كان تحليل مدونة الأسرة قد بيّن أن التحول قد يُمتص داخل النص نفسه، حين تسمح الاستثناءات والتأويلات بعودة المضمون القديم من داخل شكل قانوني أكثر حداثة، فإن سؤال الولوج إلى العدالة ينقلنا إلى مستوى ثالث أكثر تركيباً: مستوى لا يتعلق فقط بوجود الحق، أو بتطور التشريع، أو بتقدم الخطاب، بل بقدرة النساء على تحويل الحق المعلن إلى أثر قابل للتحقق.
وبناء عليه، ينبغي تجاوز سؤال: هل توجد حقوق للنساء في النصوص؟ إلى أسئلة أكثر عمقا: كيف يمكن لهذه الحقوق أن تصبح قابلة للاستعمال؟ ومن تستطيع فعلاً عبور الطريق من الحيف إلى الإنصاف؟ ومن تبقى حقوقها قائمة في اللغة القانونية، لكنها معلقة في الواقع، لأن المسار المؤدي إليها مليء بعتبات معرفية واجتماعية ومؤسساتية ورمزية لا تظهر دائماً في النص؟ إن هذا السؤال هو الذي يسمح بنقل النقاش من العدالة بوصفها إعلاناً معيارياً إلى العدالة بوصفها قدرة اجتماعية ومؤسساتية على إنتاج الأثر.
ولا يمكن، في هذا السياق، حصر العدالة في المحكمة. فالمحكمة ليست سوى لحظة مرئية ضمن مسار أطول. إن العدالة تبدأ حين تجد المرأة لغة تصف بها ما حدث لها، وحين تجد محيطاً لا يدفعها إلى الصمت باسم الصبر، أو السمعة، أو تماسك الأسرة، أو المصلحة العامة، أو وحدة التنظيم، أو الحفاظ على صورة المؤسسة…
وبناء عليه، يصبح اختزال العدالة في المحكمة اختزالاً مضللاً، لأنه يخفي المراحل التي يُمتص فيها الحق قبل أن يصبح ملفاً أو مطالبة أو مسطرة. فالمرأة قد لا تصل إلى القضاء، ليس لأنها لا تملك حقاً في النص، بل لأنها لا تملك شروط تحويل هذا الحق إلى مطالبة. فقد يحول دون ذلك ضعف المعلومة، أو الخوف من الكلفة، أو ضغط العائلة، أو هشاشة الوضع الاقتصادي، أو موقعها الاعتباري داخل فضاء مهني أو سياسي أو نقابي أو جمعوي، أو إحساسها بأن هذه المطالبة ستضعها في موقع مواجهة غير متكافئة مع منظومة اجتماعية ومؤسساتية تتجاوز قدرتها الفردية على الفعل. وهنا لا يغيب الحق، بل تتراجع قابليته للاستعمال، ولا تُغلق أبواب العدالة، بل تصبح شروط الوصول إليها أكثر تعقيداً.
لذلك ينبغي فهم الولوج إلى العدالة بوصفه مساراً اجتماعياً ومعرفياً ورمزياً ومؤسساتياً. إنه الولوج إلى المعلومة، واللغة، والثقة، والإنصات، والوساطة المنصفة، والحماية من التبخيس، والقدرة على الاستمرار في المطالبة دون أن تتحول الكلفة إلى سبب جديد للتراجع. فالعدالة لا تبدأ عند باب المحكمة، بل عند اللحظة التي تستطيع فيها المرأة أن تسمي الحيف، وأن تجد حولها ما يكفي من الاعتراف لكي لا تتحول تجربتها إلى معاناة فردية معزولة.
وعند هذا المستوى تظهر المسافة الفاصلة بين وجود الحق وقابلية الحق للتحقق؛ فوجود الحق مسألة معيارية ونصية، أما قابلية الحق للتحقق فهي مسألة سوسيولوجية وإبستمولوجية. هل تعرف المرأة حقها؟ هل تستطيع تسميته؟ هل تستطيع المطالبة به؟ هل تملك السند والزمن والموارد؟ هل تجد مؤسسات ووسائط تفهم طبيعة الحيف الذي عاشته؟ أم أن الطريق نفسه يجعل الحق عاماً في النص وانتقائياً في الأثر؟ في هذه المسافة تحديداً يشتغل امتصاص التحول: لا عبر نفي الحق، بل عبر جعل استعماله مشروطاً بموارد ومواقع لا تتوزع بدورها بعدالة…
وهكذا تتضح خطورة ما يمكن تسميته ب “التغذية البنيوية لامتصاص التحول” ؛ فالنسق لا يكتفي أحياناً بمقاومة التحول من خارجه، ولا يرفض التشريعات المتقدمة رفضاً مباشراً، بل يتغذى على التحول نفسه. يأخذ من التشريعات المتقدمة شرعية الحداثة، ومن الخطاب المتقدم لغة الإنصاف، ومن وجود المؤسسات دليلاً على الانفتاح، ثم يعيد من خلال هذه العناصر نفسها إنتاج قواعد قديمة بصيغ جديدة. بهذا المعنى، لا يعود القديم دائماً في شكل منع صريح أو خطاب مكشوف، بل يعود تحت مسميات عديدة: المسطرة، والتدرج، والواقعية، والتوازنات، والمصلحة، وصعوبة الإثبات، وكلفة الانتظار، وحسابات الصورة، وضغط المحيط ونظرة المجتمع…
إن التغذية البنيوية للامتصاص تعني أن التحول نفسه قد يصبح وسيلة لإفراز القواعد القديمة من داخل الجديدة . فحين توجد تشريعات متقدمة، يمكن القول إن الحقوق منصوص عليها، وحين توجد مؤسسات، يمكن القول إن الأبواب مفتوحة، وحين ينتشر خطاب الإنصاف، يمكن القول إن الوعي حاصل. غير أن السؤال الأعمق يبقى قائماً: من تستطيع فعلاً التمتع بهذه النصوص والخطابات؟ من تستطيع تحويل الباب المفتوح نظرياً إلى عبور فعلي؟ ومن تجد نفسها أمام حق معلن، لكنه مشروط بموارد ومعايير وشروط لا تملكها؟
وحري بأن نلاحظ أن القواعد القديمة لا تشتغل ضد التشريعات المتقدمة فقط، بل قد تعمل من داخلها. فالقاعدة القديمة لا تقول دائماً للمرأة: لا حق لك. بل تقول لها: حقك موجود، لكن استعماله غير مناسب الآن؛ حقك موجود، لكن المصلحة تقتضي التريث؛ حقك موجود، لكن الإثبات صعب؛ حقك موجود، لكن لا ينبغي إرباك الأسرة أو المؤسسة أو التنظيم؛ حقك موجود، لكن الطريق إليه يحتاج إلى زمن وكلفة وقدرة على الاحتمال لا تملكها كل النساء. وهنا يصبح الاعتراف بالحق نفسه جزءاً من آلية امتصاصه.
وهذا ما يقودنا إلى مفهوم العدالة الأداتية. والمقصود بها هنا ليس العدالة بوصفها قيمة معيارية حية، ولا بوصفها إنصافاً فعلياً يعيد توزيع الاعتراف والحماية، بل المقصود هو مفهوم العدالة حين تتحول إلى أدوات وإجراءات ومؤشرات وخطابات تُستعمل لإثبات أن النسق يستجيب، دون أن تكون تلك الأدوات كافية بالضرورة لتغيير شروط الولوج إلى الحق. فالعدالة الأداتية تمنح لهذا النسق مظهراً تنظيمياً: هناك نص، هناك مؤسسة، هناك مسطرة، هناك خطاب، هناك إمكانية للطعن أو الشكاية أو اللجوء… لكنها قد لا تذهب بعيداً بما يكفي لتفكيك العوائق التي تجعل استعمال هذه الأدوات متفاوتاً بين النساء.
وبذلك يتضح جليا أن المقاربة القانونية الضيقة لا تكفي لفهم الولوج إلى العدالة. فالقانون قد يتطور، لكن العدالة لا تصبح ممكنة إلا حين يتم تفكيك العتبات وتذليل العقبات التي تقف بين المرأة وبين استعماله. و أول هذه العتبات عتبة المعرفة: أن تعرف المرأة أن ما تعيشه قابل لأن يسمى حيفاً؛ وثانيها عتبة اللغة والقدرة على التواصل: أن تجد المفردات التي تنقل تجربتها من الصمت إلى التعبير؛ وثالثها عتبة الأمان المعنوي والاجتماعي: أي ضمان أن لا يتحول الكلام إلى حيف جديد وكلفة إضافية؛ ورابعها عتبة الوساطة: أن تجد من يؤازرها ليقودها نحو الإنصاف لا أن يقنعها بضرورة التنازل؛ وخامسها عتبة الإثبات: أن لا يطلب منها إثبات حيف مركب بأدوات لا ترى إلا الوقائع الصلبة والمباشرة؛ وسادسها عتبة الزمن: أن لا يتحول طول المسار إلى وسيلة لإضعاف قدرتها على الاستمرار.
تسمية الحيف هي العتبة الأولى: فكثير من أشكال اللامساواة لا تستمر فقط لأنها محمية بنص أو بسلطة مباشرة، بل لأنها لا تُسمى اجتماعياً باسمها. ما تعيشه المرأة داخل الأسرة قد يسمى صبراً أو حكمة أو حفاظاً على الاستقرار؛ وما تعيشه داخل العمل قد يسمى حساسية شخصية أو سوء تفاهم؛ وما تعيشه داخل التنظيم قد يسمى خلافاً أو اختلافاً في التقدير أو عدم انسجام مع المرحلة؛ وهكذا تفقد التجربة اسمها. وعندما تفقد التجربة اسمها، يصعب تحويلها إلى مطلب عادل. لأجل ذلك فإن أول عائق أمام العدالة ليس دائماً المؤسسة، بل اللغة الاجتماعية التي تحدد ما إذا كان ما وقع قابلاً للاعتراف به وتسميته أم سيعاد إدخاله في خانة الوارد والعادي والمحتمل والمقبول…
أما العتبة الثانية فهي عتبة الكلفة: فالمرأة قد تعرف حقها، لكنها تعرف أيضاً أن المطالبة به قد تفتح عليها مسارات طويلة مكلفة مرهقة: توتر عائلي، فقدان سند، تضييق مهني، عزلة داخل تنظيم، تشكيك في النوايا، أو استنزاف نفسي ومادي. لذلك فإن السؤال لا يكون فقط: هل تملك حقاً؟ بل: هل تستطيع استعماله دون أن تصبح كلفة الاستعمال أكبر من قدرتها؟ إذا كان الحق لا يمكن الوصول إليه إلا بثمن باهظ، فإنه يبقى حقاً قائماً في اللغة، لكنه غير متاح بالمعنى الاجتماعي الكامل. وهنا يشتغل الامتصاص لا عبر نفي الحق، بل عبر جعل استعماله مشروطاً بقدرة غير متكافئة على التحمل.
وتتجلى العتبة الثالثة في الوساطة، ذلك أن المرأة لا تنتقل من الحيف إلى العدالة انتقالاً مباشراً، بل تعبر عبر شبكة من الوسائط الأسرية والمؤسساتية والمهنية والمدنية والسياسية، من قبيل الأسرة، والإدارة، والجمعية، والمحامي أو المحامية، والتنظيم الجمعوي أو السياسي. وقد تؤدي هذه الوسائط وظيفة داعمة، فتسهم في ترجمة الحيف إلى مطالبة مشروعة وتفتح أمامها سبل الإنصاف، كما قد تتحول، في المقابل، إلى مجال لإعادة امتصاص المطلب وتحييد دلالته العادلة. فقد تدعوها الأسرة إلى الصمت حفاظاً على التوازن العائلي، أو تحثها الإدارة على عدم التصعيد، أو يطالبها التنظيم بمراعاة الظرفية، أو يعيد المحيط تأويل مطلبها باعتباره انفعالاً شخصياً أو سوء تقدير للموقف. ومن ثم، لا تكمن الإشكالية في غياب الوساطة في حد ذاتها، بل في طبيعتها ووظيفتها: هل تتلقى الحيف بوصفه مسألة عدالة تستوجب الاعتراف والمعالجة، أم تعيد تصنيفه باعتباره إزعاجاً ينبغي احتواؤه وإدارته بأقل كلفة ممكنة على البنية القائمة؟
أما عتبة الإثبات، فهي من أكثر العتبات دقة. فكثير من أشكال الحيف التي تعيشها النساء لا تترك وثيقة واضحة أو أثراً مادياً مباشراً. العنف المؤسسي، العنف الرمزي، التهميش، الإقصاء غير المعلن، مصادرة الرصيد النضالي، التمييز غير المباشر، التبخيس، الضغط العائلي أو التنظيمي، كلها ممارسات قد تكون عميقة الأثر، لكنها ضعيفة القابلية للإثبات وفق الأدوات التقليدية. وهنا يتغذى النسق على محدودية أدوات القراءة. فهو قد يقر نظرياً بأن هذه الممارسات غير عادلة، لكنه يطلب من المرأة أن تثبتها بمعايير لا ترى طبيعتها المركبة. فتضعف المطالبة ليس لأن الحيف غير موجود، بل لأن “ما” أو “من” يفترض أن يقرأه لا يملك دائماً الحساسية الكافية لالتقاطه…
ثم تأتي عتبة الزمن: فالعدالة ليست حقاً فقط؛ بل هي زمن أيضاً. والنساء لا يملكن الزمن نفسه. فالمرأة التي تعيل أبناءها، أو تعمل في وضع هش، أو تعتمد اقتصادياً على طرف آخر، أو تخشى طول المسار، لا تستطيع الانتظار بالطريقة نفسها التي تستطيعها امرأة ذات موارد. الزمن قد يصبح وسيلة لإفراغ الحق من قوته: كلما طال المسار، ازدادت الكلفة، وتراجعت القدرة على الاستمرار، وتغيرت موازين القوة. أحياناً لا يكون الطرف الأقوى هو الأكثر إقناعاً بالضرورة، بل الأكثر قدرة على الانتظار. وهكذا يصبح الزمن، في علاقته بالعدالة، عنصراً غير محايد، لأنه يوزع آثاره بحسب الموقع الاجتماعي والاقتصادي للنساء.
ولا يمكن فهم هذه العتبات بمعزل عن المقاربة التقاطعية، لا باعتبارها شعاراً توصيفياً، بل بوصفها أداة تحليل تكشف تفاوت المواقع التي تنطلق منها النساء في سعيهن إلى العدالة. فالنساء لا يلجن الحق من شروط اجتماعية واقتصادية ومجالية ومؤسساتية متماثلة؛ إذ تواجه بعضهن عائق الفقر، وتواجه أخريات العزلة المجالية أو التبعية الاقتصادية أو الهشاشة المهنية، فيما تتداخل لدى فئات أخرى معيقات مرتبطة بالسن أو الوضع العائلي أو الإعاقة أو ضعف السند الأسري والاجتماعي. ولا تقتصر هذه التفاوتات على النساء الأكثر هشاشة اقتصادياً، بل تشمل أيضاً نساء يمتلكن وعياً قانونياً وسياسياً وقدرة على التعبير، غير أنهن يصطدمن بمعيقات من طبيعة مختلفة، ترتبط بمواقعهن داخل فضاءات التنظيم والتمثيل والحضور في المجال العام، وبما يحكم هذه الفضاءات من تراتبيات وعلاقات قوة وحسابات مؤسساتية. ومن ثم، فإن العدالة التي تتعامل مع النساء باعتبارهن فئة متجانسة تظل عدالة مجردة؛ لأنها تعترف بالحق في صيغته العامة، لكنها لا تدرك تفاوت الشروط التي تجعل استعماله ممكناً لبعض النساء، ومكلفاً أو متعذراً بالنسبة إلى أخريات.
في هذا السياق، تبرز المرأة المناضلة بوصفها نموذجاً كاشفاً، لا لأنها تختزل تعدد تجارب النساء، بل لأنها تضعنا أمام مفارقة دقيقة مؤداها أن الوعي بالحق لا يكفي، في ذاته، لضمان الوصول إلى العدالة. فقد تمتلك المرأة المناضلة لغة حقوقية، وتجربة تنظيمية، وقدرة على تسمية الحيف وتفكيك آلياته، بل قد تكون قد أسهمت بنفسها في إنتاج خطاب الإنصاف داخل المجتمع والدفاع عنه. غير أنها، حين تطالب بالعدالة داخل تنظيم سياسي مثلا، أو داخل مؤسسة مهنية أو إدارية، قد تكتشف أن هذا الوعي لا يحميها بالضرورة من الحيف المركب، وأن قدرتها على التعبير عنه قد تجعل مطلبها أكثر إرباكاً للنسق القائم. فهي لا تواجه، في الغالب، رفضاً صريحاً لمبدأ الإنصاف، بل تصطدم بخطاب يبدو مسؤولاً وعقلانياً في ظاهره، يستدعي الحفاظ على وحدة الصف، وتقدير حساسية المرحلة، وعدم التشويش على القضية، واحترام التوازنات، وتجنب الإحراج، وصيانة صورة المؤسسة، وانتظار اللحظة المناسبة. وبذلك لا يُنفى الحق بصورة مباشرة، وإنما يُعاد تأجيله أو تخفيف مضمونه أو إخضاعه لأولويات تُقدَّم بوصفها أسمى منه، فيتحول الإنصاف من استحقاق قائم إلى مطلب مشروط بحسابات النسق وتوقيته.
وفي هذه الحالة يتجلى شكل خاص من أشكال امتصاص التحول، يمكن توصيفه ب “امتصاص العدالة باسم القضية”. فقد يُطلب من المرأة المناضلة أن تؤجل حقها حفاظاً على التنظيم، أو أن تخفف مطلبها باسم المصلحة العامة، أو أن تمتنع عن تسمية الحيف حتى لا تُتهم بإرباك المسار الجماعي أو إضعافه. وعلى هذا النحو، لا يُرفض حقها بصورة صريحة، بل يُعاد ترتيب موقعه داخل سلم من الأولويات يجعل الإنصاف المؤجل أدنى مرتبة من ضرورات التوازن واستمرارية البنية القائمة. وكأن العدالة تظل مقبولة ما دامت خطاباً عاماً ومبدأً مجرداً، لكنها تفقد إلحاحها حين تتحول إلى مطالبة ملموسة تصدر عن امرأة بعينها داخل موقع تنظيمي أو مؤسساتي محدد. وفي هذه الحالة، لا تُعاد إنتاج القواعد القديمة في مواجهة الخطاب المتقدم، بل من داخله؛ إذ يتحول هذا الخطاب نفسه إلى مورد رمزي يتيح للبنية القائمة أن تستمر، لا عبر إعلان رفضها للإنصاف، وإنما عبر إعادة تأويله وتأجيله وتقييده باسم القيم التي يفترض أن تحققها.
وتتضح هذه الآلية حين يتحول صوت المرأة إلى موضوع للتأويل بدل أن يكون مدخلاً لفهم الحيف. فإذا طالبت بالإنصاف، قد يقال إنها تبالغ؛ وإذا أصرت، قد يقال إنها تسعى إلى موقع؛ وإذا كشفت اختلالاً، قد يقال إنها تضر بصورة المؤسسة؛ وإذا دافعت عن حقها، قد يقال إنها لا تراعي التوازنات. وإذا صمتت، يُستعمل صمتها دليلاً على عدم وجود مشكل. إنها تجد نفسها داخل حلقة تأويلية تضيق إمكان الكلام: الكلام يُثقل موقعها، والصمت يُلغي حقها. وفي هذا المستوى، لا يكون الولوج إلى العدالة مسألة معرفة أو شجاعة فقط، بل مسألة قدرة النسق على إعادة تفسير المطالبة نفسها.
ولا يقتصر هذا المنطق على المرأة المناضلة وحدها، وإن كان يظهر لديها بوضوح خاص. ففي الأسرة، قد تأخذ آليات الامتصاص لغة الصبر والستر والخوف على الأبناء. وفي العمل، قد تأخذ لغة الانضباط وتجنب المشاكل والحفاظ على المسار المهني. وفي الإدارة، قد تأخذ لغة المسطرة والملف الناقص والتدرج. وفي التنظيم السياسي أو الجمعوي، قد تأخذ لغة المصلحة العامة والوفاء الجماعي والتوازنات. تختلف اللغة، لكن الصيغة واحدة: تحويل مطلب العدالة من حق مشروع إلى عنصر ينبغي تهدئته أو تأجيله أو إعادة صياغته بما لا يربك النسق.
هكذا نصل إلى المعنى الأعمق للتغذية البنيوية لامتصاص التحول: حين يستعمل الجديد لإعادة إنتاج القديم.حين يؤكد التشريع المتقدم أن الحقوق موجودة، والخطاب المتقدم أن الوعي حاصل، والمؤسسة أن الباب مفتوح، ثم تظل شروط الوصول إلى هذه الحقوق والخطابات والمؤسسات غير متكافئة. لذلك لا يعود القديم محتاجاً إلى الظهور بوجهه السابق: لقد تعلم لغة الحاضر، فأصبح يتكلم عن الإنصاف، لكنه يؤجله؛ وعن العدالة، لكنه يجعلها مكلفة؛ وعن المساواة، لكنه يربطها بالتوازنات؛ وعن المؤسسات، لكنه يترك الطريق إليها صعباً بالنسبة إلى الحلقة الأضعف. وهذا هو الامتصاص في صيغته الأكثر تطوراً: أن يتحول التحول نفسه إلى مادة لإعادة إنتاج الاستمرارية.
وعند بلوغ هذا الحد من التحليل، تتجلى ضرورة تحصين التحول لتصبح مسألة موازية للتطور التشريعي، لا لاحقة عليه. فالتشريع المتقدم ضروري، لكنه لا يكفي وحده لتفعيل الإرادة الإنصافية العليا للمرأة. فهذه الإرادة تحتاج إلى نصوص، لكنها تحتاج أيضاً إلى ضمانات تحقق، وإلى مؤسسات قادرة على قراءة الحيف المركب، وإلى وسائط لا تمتص المطالب، وإلى تخفيف كلفة الولوج، وإلى حساسية تقاطعية تجعل العدالة قابلة للوصول للنساء في اختلاف مواقعهن. فتحصين التحول يعني أن لا يترك الحق وحده في مواجهة العتبات الاجتماعية والمؤسساتية التي قد تفرغه من أثره. ويعني أن لا تكون العدالة مجرد إعلان أو أداة، بل مساراً ميسراً، مفهوماً، قريباً، ومحمياً من إعادة التأويل المحافظ أو الإداري أو التنظيمي.
ويقتضي تحصين التحول، أولاً، الانتقال من منطق “الحق المنصوص عليه” إلى منطق “الحق قابل للتحقق”. فكل مقتضى قانوني أو مؤسساتي ينبغي أن يُساءل: من تستطيع استعماله؟ ما كلفته؟ ما زمنه؟ ما شروط إثباته؟ ما الوسائط التي يمر عبرها؟ ما أثره على النساء الأكثر هشاشة؟ هل يخدم فقط من يملكن رأسمالاً معرفياً ومادياً، أم أنه مصمم أيضاً لمن لا يملكن إلا حاجتهن إلى الإنصاف؟ بهذا المعنى، يصبح معيار قابلية الحق للتحقق معياراً مركزياً في كل تطوير تشريعي أو مؤسساتي.
ويقتضي، ثانياً، بناء آليات للمعرفة القانونية القريبة من النساء، لا معرفة نخبوية أو حضرية أو مؤسساتية بعيدة. فالمرأة التي لا تعرف حقها لا تستطيع استعماله. والمرأة التي تعرفه بلغة معقدة قد لا تستطيع تحويله إلى قرار. لذلك ينبغي التفكير في تبسيط المعلومة القانونية، وتقريبها من النساء في مجالات متعددة: الأسرة، العمل، التنظيمات، الفضاءات الجمعوية… فالمعلومة ليست تفصيلاً تقنياً؛ إنها أول شرط للعبور من الحيف الصامت إلى المطالبة الواعية.
ويقتضي الأمر، ثالثاً، تخفيف كلفة الولوج إلى العدالة بمعناها الواسع، فهي لا تقتصر على الجانب المالي، بل تشمل كلفة نفسية ورمزية ومهنية وعائلية وزمنية قد تثني المرأة عن المطالبة بحقها أو مواصلة المسار. لذلك، تبرز الحاجة إلى آليات للمواكبة تحول دون تحوّل الحق نفسه إلى عبء إضافي. ولا تعني المواكبة ممارسة الوصاية على المرأة، بل توفير الشروط التي تمكّنها من اتخاذ قرارها بحرية واستقلال، من خلال الاستشارة والإنصات والتوجيه والدعم الاجتماعي والحماية من الضغوط، إلى جانب تيسير المساطر متى أصبح اللجوء إلى المحكمة أو إلى مؤسسة مختصة ضرورياً.
ويقتضي، رابعاً، إعادة بناء الوساطة حتى لا تتحول إلى قناة لامتصاص الحق. فالوساطة العائلية أو الإدارية أو التنظيمية أو القضائية يمكن أن تكون مفيدة إذا كانت محكومة بمعيار الإنصاف، لكنها قد تصبح مجالاً لإعادة إنتاج التنازل إذا كانت غايتها الأساسية هي تهدئة النزاع أو حماية الصورة أو الحفاظ على التوازنات. لذلك ينبغي أن تكون الوساطة منصفة لا مهدئة فقط؛ حاملة للحق لا ضاغطة على صاحبته؛ قادرة على تمييز التسوية العادلة من التسوية التي تعيد إنتاج الحيف بلغة التوافق.
ويقتضي، خامساً، تطوير أدوات قراءة الحيف المركب. فالتمييز غير المباشر، والتهميش، والعنف المؤسسي، والعنف الرمزي، ومصادرة الرصيد النضالي، وصعوبة إثبات الضغط العائلي أو التنظيمي، كلها قضايا تحتاج إلى حساسية مؤسساتية ومعرفية أعمق. العدالة الأداتية تكتفي غالباً بالوقائع السهلة القراءة، أما العدالة القابلة للتحقق فتحتاج إلى أدوات تفهم الحيف حين يكون موزعاً، متكرراً، غير معلن، أو متخفياً داخل لغة المصلحة والتوازن. ومن دون تطوير هذه الحساسية، سيظل جزء كبير من حيف النساء خارج نطاق الاعتراف العملي.
ويقتضي، سادساً، حماية مطلب العدالة داخل الفضاءات التي تنتج الخطاب المتقدم نفسه. فالحزب، والمؤسسة، والإدارة… لا يكفي أن ترفع خطاب المساواة والإنصاف؛ عليها أن تخلق داخلها مسارات واضحة ومنصفة للإنصات والتظلم والمعالجة. فالمجال الذي ينتج خطاباً تقدمياً ثم لا يحتمل مطالبة النساء بالإنصاف داخله، يساهم في تغذية الامتصاص. لذلك فإن تحصين التحول يمر أيضاً عبر مساءلة البنيات التي تتكلم باسم العدالة: هل تمارسها داخلياً؟ هل تستمع للنساء حين يطالبن بها؟ هل تمنع تحويل مطلب العدالة إلى إرباك تنظيمي أو شخصنة للنقاش؟
إن تفعيل الإرادة الإنصافية للمرأة لا يتحقق فقط بإنتاج نصوص أكثر تقدماً، رغم أهمية ذلك، بل بتحويل هذه الإرادة إلى بنية تحقق. أي إلى مؤسسات ووسائط ومعايير وممارسات تجعل الحق أقرب إلى النساء، وتجعل الولوج إليه أقل كلفة، وتجعل العدالة أقل قابلية للاختزال في أدوات شكلية. فالإرادة الإنصافية، إذا لم يتم تحصينها وحمايتها من الامتصاص، قد تتحول إلى خطاب قوي في الواجهة، ومفعول محدود عند القاعدة. أما حين تُحصَّن بالتدابير الموازية، فإنها تصبح قوة فعلية لتغيير شروط العبور من الحيف إلى الإنصاف.
وهنا تتضح العلاقة بين التطور التشريعي والبدائل العملية؛ فالبديل لا يكمن في التقليل من أهمية التشريع، بل في عدم تركه يعمل منفصلاً عن شروط تفعيله. كما لا يتعلق باستبدال القانون بخطاب اجتماعي عام، وإنما بربطه بالشروط التي تجعل استعماله ممكناً وفعّالاً. ولا تكتمل العدالة بالاحتكام إلى المحكمة وحدها، بل تقتضي بناء منظومة متعددة المداخل، قوامها معرفة قانونية متاحة، ووساطة منصفة، ومواكبة اجتماعية، ومؤسسات مستوعبة للتقاطعية، وآليات داخلية للإنصات داخل التنظيمات، وتخفيف فعلي لكلفة المطالبة بالحق. عندئذ فقط يصبح الانتقال ممكناً من العدالة الأداتية إلى العدالة الممكنة: من عدالة تكتفي بإثبات وجود النصوص والمؤسسات والمساطر، إلى عدالة تجعل هذه الأدوات قابلة للاستعمال الفعلي من قبل النساء اللواتي وُضعت أصلاً لضمان حقوقهن وحمايتهن.
وبهذا المعنى، يواصل سؤال الولوج إلى العدالة الخيط النظري الذي بدأ مع الكوطا ومر عبر مدونة الأسرة. ففي الكوطا كان السؤال: من تعبر إلى المؤسسة باسم النساء؟ وفي مدونة الأسرة كان السؤال: كيف يعبر المضمون القديم إلى النص الحديث عبر الاستثناء؟ أما هنا، فالسؤال يصبح: من تعبر من الحق إلى الإنصاف؟ في الحالات الثلاث، لا يتعلق الأمر بغياب خطاب المساواة، بل باقتصاد العبور. فالنساء لا يعبرن إلى التمثيلية بالشروط نفسها، ولا يعبرن إلى حماية النص بالشروط نفسها، ولا يعبرن إلى العدالة بالشروط نفسها. وفي كل مرة، يتدخل النسق ليعيد ترتيب العبور وفق موارده ومصالحه وموازين قوته.
لذلك، فإن سؤال الولوج إلى العدالة ليس ملحقاً إجرائياً بالتحولات القانونية، بل معياراً إبستمولوجياً لقياس عمقها وفاعليتها. فالتشريع الذي لا يصل إلى النساء في اختلاف مواقعهن الاجتماعية والاقتصادية والمجالية والمؤسساتية، ولا يستوعب تفاوت قدرتهن على استعمال الحق، يظل محدود الأثر. والخطاب الذي لا يحمي المرأة حين تسمي الحيف وتطالب بالإنصاف يبقى قابلاً للاستهلاك الرمزي. والمؤسسة التي تفتح أبوابها من دون أن تقلص كلفة العبور إليها تترك امتصاص الحق يشتغل عند العتبة. أما الفضاءات التي ترفع شعار الإنصاف ثم تعيد تأجيله حين تطالب به امرأة بعينها، فتكشف أن الخطاب المتقدم قد يتحول، إذا لم يخضع لمساءلة نقدية دائمة، إلى واجهة ناعمة تستمر من خلفها قواعد قديمة.
وتأسيسا على ما ذكر، تبرز ضرورة الانتقال في المقال المقبل إلى معضلة الشأن السياسي وعلاقتها بامتصاص التحول. فإذا كان الولوج إلى العدالة يكشف كيف يمكن للحق أن يبقى محدود الأثر رغم تطور التشريعات والخطابات، فإن الشأن السياسي يكشف كيف يمكن للتحول الاجتماعي والحقوقي أن يدخل إلى الحقل السياسي، لا دائماً كقوة تغيير، بل أحياناً كرصيد قابل للاستعمال وإعادة الترتيب. فالحقل السياسي يستقبل مطالب المساواة والإنصاف والتمثيلية وتجديد النخب، لكنه يعيد إدخالها في منطقه الخاص: منطق التوازنات، والولاءات، وقابلية الاحتواء، وحسابات الصورة، وإدارة الحضور الرمزي.
وعند هذه النقطة ينفتح السؤال اللاحق: كيف يتغذى المجال السياسي على التحول ليعيد إنتاج قواعده القديمة بلغة حديثة؟ وكيف يستوعب الخطاب المتقدم حول المشاركة والمناصفة والكفاءة وتجديد النخب، بينما يحافظ، في عمقه، على منطق القرب والضبط والاصطفاف والولاء؟ ثم كيف تتحول المطالب الاجتماعية والحقوقية، بمجرد دخولها إلى الحقل السياسي، من طاقة للمساءلة وتغيير القواعد إلى مورد لإنتاج الشرعية وتعزيز قابلية البنية السائدة للاستمرار؟ هنا ينتقل التحليل من العدالة الممكنة إلى السياسة الممكنة: أي من مساءلة قابلية الحق للتحقق الفعلي إلى مساءلة قدرة التحول على إعادة تشكيل قواعد السلطة، بدلاً من أن يمدها فقط بخطاب حديث يمنح ممارساتها القديمة صورة أكثر قبولاً. (يتبع)
مقال خاص لصحيفة قريش – لندن
















































