صباح البغدادي

(*) الأصفاد هنا ليست تعبيرًا مجازيًا، بل هي حقيقية واقعة. فهي ليست مجرد نفوذ سياسي، وإنما سيطرة ميدانية وأمنية فعلية على جزء كبير من القوة المسلحة في العراق، وهي مدعومة خارجيًا. احتكار قرار السلم والحرب — أي احتكار العنف المسلح — هو جوهر الدولة الحديثة، وهذا الاحتكار مفقود حاليًا في العراق.
(*) المشكلة الأعمق والتي ليس لها حل جذري لغاية هذه اللحظة هي أن العراق لا يزال يعاني من “دولة داخل الدولة ” وأي رئيس وزراء يحاول استعادة السيطرة يواجه مخاطر حقيقية ليس أقلها إسقاط حكومته من خلال مجلس النواب ؟.
(*) هجوم اليوم بطائرة مسيرة واحدة على الأقل وذلك باستهداف منشآت أمريكية لتخزين الغاز الطبيعي المسال في دمياط بمصر . وإذا ثبت أن هذه المسيرة انطلقت من اليمن أو العراق أو لبنان، فمن غير المتوقع أن يقف سلاح الجو المصري مكتوف الأيدي كما فعلت بعض دول الخليج سابقاً. الرد المصري في مثل هذه الحالة سيكون فورياً وحاسماً، لأن القاهرة تعتبر أمن منشآتها الاستراتيجية خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه.
(*) تمادي الفصائل منذ اشهر عديدة بقصف منشات الطاقة والنفط لدول الخليج العربي والرد السعودي فجر هذا اليوم الاربعاء أثبت لنا بصورة قطعية وليست ظنية بأن اي رئيس وزراء عراقي ليس هو من يقرر السلم والحرب. القرار الحقيقي موزع بين قادة طهران السياسيين والحرس الثوري بالتنسيق مع قادة الفصائل الولائية على الأرض. لان كسر الأصفاد يحتاج مزيجاً من :” إرادة داخلية قوية , ودعم خارجي مستمر , ولحظة تاريخية مناسبة سواء اكان ضعف إيراني أو الاهم انتفاضة شعبية جماهيرية واسعة عراقية تقف خلف رئيس الوزراء ” وبدون ذلك، سيبقى أي رئيس وزراء عراقي قادم “مكبلاً ” إلى حد كبير، وستظل قرارات السلم والحرب تُتخذ خارج قصر السلام أو المنطقة الخضراء.
كما توقعنا في مقالات سابقة، وذكرنا في أكثر من مناسبة، أن الرد السعودي على استمرار استهداف منشآتها النفطية والطاقوية من قبل الفصائل الولائية العراقية لن يستمر إلى الأبد . كان واضحاً وجليا بأن الصبر السعودي له حدود وتاريخ انتهاء صلاحية ، وأن الرد سيأتي حتماً بهدف إعادة الأمور إلى نصابها الصحيح. إلا أن الكثيرين تجاهلوا هذا التحذير، معتبرين أن السعودية لا تريد الانجرار إلى الحرب الدائرة في المنطقة بفضل سياستها الحكيمة ــ وإن كانت ــ لكن لكل شيء نهاية، ولكل صبر حد . اليوم بدأت الدول المعنية تعيد رسم قواعد الاشتباك بوضوح، وتضع نقاط ردودها العسكرية على حروف الفصائل الولائية، حتى لا تتمادى أكثر. وبما أن الحكومة العراقية لا تزال عاجزة كليآ عن كبح جماح هذه الفصائل الولائية وضبطها عند حدها، فإننا لا نستبعد أن نسمع خلال الأيام القادمة أخباراً عن ضربات جوية تطال مقرات الفصائل والحشد الشعبي، سواء من سلاح الجو الملكي الأردني أو الكويتي، أو حتى من بقية دول الخليج وحتى سوريا فبرميل البارود سوف يتفجر عاجلآ أم أجلا إذا لم يتم إطفاء النيران التي تقترب منه من خلال الدبلوماسية الرصينة والحكمة السياسية . فقد انتهى زمن ضبط النفس فجر هذا اليوم الأربعاء 29 تموز ، وبدأت معادلة جديدة تفرض نفسها : “تضربني … أضربك بقوة أشد”.
في تطور جديد يعكس عمق الأزمة السيادية في العراق، شنت الفصائل الولائية (الموالية لإيران) هجمات بطائرات مسيرة على منشآت نفطية سعودية، مما دفع السعودية —بالتعاون مع الولايات المتحدة— إلى الرد بضربات استهدفت مواقع هذه الفصائل داخل الأراضي العراقية. اللافت أن هذه الضربات تمت بالتنسيق وإبلاغ الجانب العراقي، كما صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. هذا الحدث يسلط الضوء على ازدواجية المعايير التي تمارسها بعض الفصائل المسلحة، ويضع رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في موقف حرج، كأن “الأصفاد” قد وضعت في يديه أمام نفوذ هذه الجماعات.
حيث تُعد الضربة السعودية–الأمريكية على مقرات الحشد الشعبي والفصائل الولائية ( فجر يوم الأربعاء 29 تموز 2026 وبين الساعة الثالثة والرابعة ” الامتحان الصعب والجدي لرئيس الوزراء الزيدي. فالأصفاد التي وضعتها الفصائل في يده ستُصعّب عليه الكثير من الخطوات، ولا سيما جهوده في ملف حصر السلاح، الذي سيواجه الآن ردوداً قوية تقول إن هذا الملف لم يعد يتناسب مع الضربات المتكررة التي يتعرض لها العراق.بل إن أي حديث جدي في هذا الموضوع قد يُعرّض صاحبه للتخوين والتسقيط السياسي، وربما لمخاطر أمنية أكبر، في أجواء مشحونة متوقعة خلال الأيام المقبلة. ويبدو لنا من خلال قراءة متانية بأن ما يجري الان يندرج ضمن سيناريوهات الحرس الثوري الإيراني، التي تهدف إلى تعقيد المشهد الإقليمي وإفشال أي تقدم حقيقي في مشروع حصر السلاح بعد نهاية أيلول المقبل.ومن غير المستبعد أن تكون زيارة الزيدي إلى السعودية قد أُلغيت، أو على الأقل تأجلت، لأن العوائق أصبحت عراقية وسعودية في آن واحد. فعلى المستوى الداخلي، سيجد الزيدي نفسه مضطراً للدفاع عن موقعه أمام حملة إعلامية شرسة من وسائل الإعلام الولائية ومنصات التواصل الاجتماعي ومن خلال سيل الإدانات والاستنكار التي قرأناها والتي ما تزال لغاية هذه اللحظة تكتب وباسلوب هجومي وعصبي غير مسبوق ولكن بتنسيق واعداد ممنهج. وبدل أن يهاجم الفصائل لنزع سلاحها في الموعد المحدد، أصبح “الزيدي” اليوم في موقف دفاعي، متهماً بعدم الرد العسكري وبموافقته الضمنية على الضربة، خاصة بعد سقوط عشرات الضحايا والجرحى .وسيطرح خصومه سؤالاً قاسياً: «كيف تزور السعودية وهي قتلت شبابنا؟». أما على الجانب السعودي، فمن المرجح أن يكون المانع هو رفض استقبال أي مسؤول عراقي دون موقف واضح وحازم تجاه الهجمات المتكررة التي تعرضت لها منشآتها من داخل الأراضي العراقية.وتبقى الولايات المتحدة تراقب ملف حصر السلاح بعين مترقبة، خاصة أنها شاركت فعلياً في الضربة فجر اليوم.يبرز المشهد اليوم حالة واضحة من الكيل بمكيالين. عندما شنت إيران هجمات على أهداف عراقية أو حقول نفط في السابق، سارعت الفصائل الولائية وقنواتها الإعلامية إلى تأييدها وتبريرها بـ”المقاومة” و”محور الممانعة”. أما عندما تتعرض السعودية لهجمات متكررة على منشآتها النفطية الحيوية —التي تمثل شريان اقتصادها— وترد دفاعاً عن نفسها، فإن هذه الفصائل وقنواتها تحول الحدث فوراً إلى “عدوان على السيادة العراقية” و”انتهاك للأراضي”.الأمر الأكثر تناقضاً هو التحول السريع في الهوية:
- عندما تهاجم هذه الفصائل دول الجوار (السعودية أو غيرها) وتستهدف منشآت الطاقة، نلاحظ فورا بأنها تتبنى شعارات “محور المقاومة والممانعة” والرد على “الإمبريالية الأمريكية والصهيونية “.
- أما عندما تُستهدف رداً على أفعالها والتي تاتي من خلال اوامر الحرس الثوري ، فإنها تتحول فجأة لغرض الاحتماء تحت مظلة “الحشد الشعبي الرسمي” التابع للدولة، مطالبة بحماية السيادة والوحدة الوطنية.
هذا التناقض يثير تساؤلاً جوهرياً: كيف يستقيم الأمر؟ كيف يمكن لفصائل تدّعي الدفاع عن العراق أن تستخدم أراضيه منصة لمهاجمة جيرانه بل وحتى منشاته النفطية والغازية ، ثم تطالب الدولة العراقية بالدفاع عنها عندما تدفع الثمن؟ هذا السلوك لا يضعف فقط موقف الحكومة العراقية أمام المجتمع الدولي، بل يعمق الانقسام الداخلي ويجعل رئيس الوزراء رهينة لتوازنات إقليمية معقدة، خاصة مع محاولاته استعادة السيادة وتحسين العلاقات مع دول الخليج.
اليوم ما يزال يظل العراق ضحية هذا التناقض : دولة غنية بالموارد والتاريخ، لكنها مقيدة بنفوذ فصائل خارجة عن السيطرة الكاملة للدولة. استعادة السيادة الحقيقية تتطلب أكثر من بيانات إدانة؛ إنها تحتاج إلى قرارات جريئة بفرض احتكار السلاح بيد الجيش والقوات الرسمية، وإنهاء استخدام الأراضي العراقية كساحة لتصفية حسابات إقليمية. وبدون ذلك، سيبقى رئيس الوزراء —مهما كانت نواياه— في موقف “مكبل بالأصفاد صنعت خارج الحدود ” والعراقيون هم الخاسر الأكبر في لعبة المكيالين هذه.
ونحن نرى أن التطورات خلال الساعات والأيام القادمة في بغداد وباقي المحافظات قد تنجر — لا سامح الله — إلى صدام مسلح في الشارع . فقد شهدت مواقع التواصل الاجتماعي دعوات كثيفة ومنسقة، وبعضها يبدو استباقيًا، لتنظيم تظاهرات جماهيرية صاخبة أمام السفارة السعودية في بغداد، مع احتمالية اقتحامها أو إحراقها. لذلك، ندعو جميع القوات الأمنية إلى أقصى درجات الحذر والمهنية في التعامل مع حشود المتظاهرين، حتى لا تتحول الأمور إلى فتنة طائفية تحرق ما تبقى من لحمة وطنية بين أطياف الشعب العراقي ونسيجه الاجتماعي.

















































