بيان تأسيسي لمنظومة اصلاح وتطوير في قلب الحوزة الشيعية بالنجف

31 يوليو 2026
بيان تأسيسي لمنظومة اصلاح وتطوير في قلب الحوزة الشيعية بالنجف

– قريش

اعلنت جماعة تخلع على نفسها ثوب الاصلاح والتنوير لتطوير خطاب الحوزة الشيعية في النجف بيانا تاسيسيا ذكرت فيه المباديء التي تستند اليها ، ولم تذكر الجماعة في بيانها الذي تسلمت – قريش – في لندن نسخة منه اي اسم صريح للموقعين على البيان ، وفي الاتي نص البيان :

بيان وثيقة المبادئ التأسيسية لمنظومة “الـتَّـيَّـارُ الْـحَـوْزَوِيُّ الْـوَطَـنِـيُّ الْإِصْـلَاحِـيُّ الْـحُـرُّ “

” بِأَصَالَةِ الْإِرْثِ وَوَعْيِ الْحَاضِرِ.. نُحَرِّرُ الْعَقْلَ، لِنَصْنَعَ مُسْتَقْبَلَ التَّنْوِيرِ وَالْكَرَامَةِ”

بسمِ اللهِ، وباللهِ، وعلى بركةِ الحقِّ المبين…

انطلاقاً من مبدأ المسؤولية الأخلاقية والمعرفية للكلمة، وتأكيداً على مركزية العقل بوصفه الحجة البالغة؛ واستجابةً للمتغيرات التاريخية والسياقات الراهنة التي تنطلق من النجف الأشرف والحواضر العلمية كمنارة للفكر المعاصر؛ تُعلن نخبةٌ من طلاب الحوزة الدينية التنويريين وبمؤازرةِ ومساندة ثلةٍ من المثقفين والأكاديميين ورجالِ الدين عن خطوتهم التاريخية، ليأتي:

“الـتَّـيَّـارُ الْـحَـوْزَوِيُّ الْـوَطَـنِـيُّ الْإِصْـلَاحِـيُّ الْـحُـرُّ” تعبيراً عن هذا الأفق الفكري الجديد، وسعياً نحو تحقيق تطلعاته المعرفية والوطنية. وفي منعطفٍ تاريخي تتشابك فيه التحولات الفكرية والاجتماعية، وتتسارع خطى الصيرورة الحضارية؛ يُعلن العالمون والمهتمون للعالم أجمع عن خطوة التأسيس التاريخية، حيث يبرز:

“الـتَّـيَّـارُ الْـحَـوْزَوِيُّ الْـوَطَـنِـيُّ الْإِصْـلَاحِـيُّ الْـحُـرُّ”

إن هذا الإعلان لا يُمثّل حراكاً مرحلياً عابراً، ولا استجابةً لانفعالات سوسيولوجية مؤقتة، بل يشكّل حتميةً موضوعية، وضرورةً بنيوية واعية، ولدت من رحم القراءة النقدية المعمقة للواقع المعاصر الذي نعيش تداعياته اليومية. إنه انبثاقٌ فكري يسعى، عبر أدوات النقد العلمي والمراجعة المنهجية، إلى صياغة استراتيجية معرفية شاملة، تتزاوج بكفاءة وعمق بين مقتضيات “الأصالة التراثية التاريخية” وتحديات “الحداثة والتحديث المعاصر”.

(*) المركزية المعرفية للحوزة والدور التفكيكي التنويري :

إننا نقف اليوم لنعيد الاعتبار للمركزية المعرفية والروحية للحوزة العلمية في النجف الأشرف، بوصفها المحرّك الحيوي للأمة، والنبض الفكري الذي صان هويتها الحضارية عبر القرون. إن دور الحوزة الحقيقي لا ينكفئ في حدود التكرار المعرفي أو الاجترار النصي، بل يكمن في تفعيل دورها الوظيفي والتنويري المستقبلي؛ لتطهير الفضاء المعرفي الشيعي الإثني عشري مما علق به عبر التحولات التاريخية من رواسب الميثولوجيا (الخرافات) والسلوكيات الدخيلة التي تكلّست بفعل الضغوط والعادات الاجتماعية العابرة. إن تلك الظواهر التي باتت تُطرح زيفاً في الفضاء العام بوصفها “ضروريات مذهبية” أو ركائز عقائدية، ليست في حقيقتها إلا تشويهاً للنسق التنويري الأصيل والعقلاني الذي تميّز به الفكر الجعفري الإمامي الإثني عشري؛ وهو ما يفرض مراجعتها وتفكيكها بأدوات النقد العلمي الرصين.

ففي سياق هذا التحرير المعرفي، يتصدى هذا التيار لظاهرة الفساد النسقي بمختلف تمظهراتها الهيكلية والوظيفية والسلوكية ، مع التركيز والتشدد الصارم على مواجهة الاستغلال النفعي للرموز المقدسة إلى أئمة آل البيت الاطهار وكذلك المؤسسات الدينية بمختلف مسمياتها، ومقاومة ما يسمون انفسهم بـ (رجال الدين ) أولئك الذين يعمدون عن سابق معرفة أو جهل , إلى توظيف عمامة رسول الله وآل بيته الأطهار خارج أطرها الشرعية والأخلاقية والإنسانية التي وجدت من أجلها . ونحن إذ نضع هذه اللبنة التأسيسية الأولى في صرح “الورقة البيضاء”، فإننا ننطلق من أبعاد فلسفية وقيمية إنسانية، غايتها الانتقال بالوظيفة المعرفية للمؤسسة الحوزوية من نمط الانكفاء البنيوي والنقاشات النخبوية المغلقة، إلى فضاء المجال العام والتنوير المجتمعي الشامل، بهدف إعادة هندسة البنية الاجتماعية وفق نموذج قيمي يرتكز على “مجتمع المعرفة والحداثة” بدلاً من أطر الإذعان والخوف والخنوع ، وتكريس مفهوم ” عدالة المواطنة الفاعلة” كبديل لروابط التبعية والتقليد السلبي الذي تفشى في عموم مفاصل حوزة النجف الأشرف كوباء أصبح يصعب التخلص منه .

وفي هذا السياق المتصل، يؤكد هذا التوجه التزامه الحتمي بالتصدي لظاهرة الفساد النسقي بمختلف تمظهراته الهيكلية والسلوكية؛ مع التركيز المطلق على مواجهة الاستغلال النفعي للرموز والمؤسسات الدينية، ومناهضة توظيفها خارج سياقاتها الشرعية وأطرها الأخلاقية والمعرفية. ويختتم “الـتَّـيَّـارُ الْـحَـوْزَوِيُّ الْـوَطَـنِـيُّ الْإِصْـلَاحِـيُّ الْـحُـرُّ” غاياته الفلسفية بالدعوة إلى ترسيخ قيم التعايش الإنساني المشترك، وتفعيل المثاقفة السلمية؛ وصولاً إلى تعزيز بنية مجتمعية متماسكة، تقوم على ركائز التعددية، والعدالة الاجتماعية، والرفض التام لآليات الإقصاء، والوصاية الفكرية، والتهميش.

يستلهم هذا التوجه ركائزه الفلسفية من الأدبيات السياسية والحقوقية للتراث الإسلامي المبكر، وتحديداً من «عهد الإمام علي بن أبي طالب إلى واليه على مصر مالك الأشتر النخعي»؛ وهي الوثيقة التاريخية التي تضع محددات بنيوية شاملة لإدارة الدولة في أبعادها الإدارية، والمالية، والقضائية، والإنسانية. ويتجلى العمق الحقوقي والإنساني في توجيهه المرجعي للوالي :

«وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ، وَالْمَحَبَّةَ لَهُمْ، وَاللُّطْفَ بِهِمْ. وَلَا تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضَارِياً تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ؛ فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، وَإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ».

وتؤسس هذه القاعدة التراثية لرؤية مبكرة المواطنة الشاملة وحقوق الإنسان، حيث تُلزم الإدارة السياسية والشرعية بتبني معايير العدالة والمساواة، وتجاوز الانقسامات الأيديولوجية أو المذهبية لصالح الهوية الإنسانية المشتركة.

(*) وقد اقترنَ التوجه الإستراتيجي للحراك بتبني الآية الكريمة:

﴿نَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ ۚ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ كمرجعية مفاهيمية عليا، وشعار موجّه، ومنهاج فكري ملتزم؛ حيث تفكك دلالاتها صياغة المسارات العملياتية على النحو الآتي:

«بِالْحَقِّ»: تمثل الالتزام بمنهجية التحقيق العلمي وسلطان الدليل المعرفي لتفكيك الخطاب الخرافي، ودحض الأساطير السائدة عبر أدوات النقد العقلاني ونشر الوعي المعرفي.

«فِتْيَةٌ آمَنُوا»: تتجسد في الرهان على الطاقات الشبابية الأكاديمية والواعية المؤمنة بـالكرامة الإنسانية، لتجاوز حالة الركود الفكري والجمود العقائدي، وتحرير العقل الجمعي من أطر الانعزالية والوصاية التي قيدت حركته طيلة العقود الماضية.

«وَزِدْنَاهُمْ هُدًى»: تشير إلى تبني مسار التحديث المعرفي المستدام ومواكبة التطور الحضاري والإنساني، سعياً لبناء دولة المواطنة القائمة على التعايش السلمي المشترك، وضمان حرية المعتقد والتعددية الثقافية تحت المظلة الدستورية للمبدأ القرآني الشامل: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾.”

وتتأكّد في هذا السياق الاستقلالية البنيوية والحتمية لهذا الحراك، مع تحصينه التام ضد أي تبعية أيديولوجية، أو توجيه خارجي، أو مسارات مرسومة سلفاً؛ إذ تنحصر غايته الأسمى في دعم المعرفة العلمية، وتحفيز الفكر النقدي، وتفعيل قنوات الحوار المعرفي الرصين. وتستند هذه المقاربة الحوارية إلى تبني مناهج البرهنة اليقينية والمحاججة العقلانية الدامغة، التي تقطع الطريق على الممارسات السفسطائية والجدل العقيم؛ بما يضمن صيانة الفضاء العلمي من التسييس، والارتقاء بآليات التفكير الإنساني.

ويستحضر الحراك في هذا الصدد النموذج المعرفي القرآني للمحاججة الصارمة في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ففي هذه المناظرة التاريخية بين نبي الله إبراهيم (عليه السلام) والنمرود، تجلت معالم المنهجية العلمية التي تتجاوز الجدل القشري عبر تقديم الدليل الكوني القاطع الذي أفضى إلى إفحام الخصم وبَغْتِهِ معرفياً.

(*) الأفق الحسيني الكوني والرسالة الإنسانية للنهضة :

وفي هذا المسار التجديدي، يستمد هذا التوجه منطلقاته القيمية من النهضة الحسينية بوصفها حراكاً تحررياً وكونياً يتجاوز الأطر الزمانية والمكانية الضيقة. إن رسالة الإمام الحسين بن علي (ع) التي استُشهد في سبيلها، لم تكن مجرد واقعة تاريخية معزولة، بل هي مانيفستو أخلاقي وإنساني شامل، أرسى دعائم رفض الاستبداد النسقي، ومناهضة الاستلاب الفكري والسياسي، وانتصر للكرامة البشرية الأصيلة.

إننا نرى في الثورة الحسينية مرجعيةً معرفية وأخلاقية تفكك آليات القهر والتسلط، وتدعو إلى إعلاء سلطة الحق والعدالة الاجتماعية؛ ومن ثم، يسعى الحراك إلى استنقاذ هذا الإرث النبيل من مقاربات الاختزال الطقوسي أو التوظيف الأيديولوجي الضيق، وإعادة تقديمه كمنطلق تنويري يؤمن بالانفتاح على المشترك الإنساني، ويؤسس لثقافة المقاومة المعرفية ضد كل أشكال الوصاية والفساد والتهميش؛ تحقيقاً للجوهر الأخلاقي الذي ثار من أجله سيد الشهداء حريةً، وعدالةً، وكرامةً إنسانية مطلقة.»

وبناءً عليه، يلتزم هذا الحراك بإرساء دعائم الحوار المعرفي البنّاء الذي يتسع لمختلف الرؤى والقراءات دون إقصاء أو تهميش؛ شريطة ألّا يكون هذا الانفتاح الحواري على حساب الحقيقة العلمية والرصانة الموضوعية، أو مسوغاً لتمرير الخطاب الميثولوجي (الخرافي) والسرديات الدخيلة، ومحاولة مأسستها قسراً بوصفها ركائز ثبوتية أو ضرورات عقائدية في المذهب الشيعي الإثني عشري.

(*) استشراف المستقبل والآفاق المعرفية القادمة :

إننا إذ نُعلن عن انبثاق هذا الحراك، لا ننظر إلى الواقع الراهن بوصفه بنيةً مغلقة أو ثابتة، بل نستشرف أفقاً مستقبلياً واعداً، يُعاد فيه تحويل “العقل الرعوي” إلى “عقل جمعي نقدي”، يكون فاعلاً في التنوير الاجتماعي ومُنتِجاً للمعرفة. ومن هذا المنطلق، يفتح “الـتَّـيَّـارُ الْـحَـوْزَوِيُّ الْـوَطَـنِـيُّ الْـإِصْـلَاحِـيُّ الْـحُـرُّ” آفاقه ومساراته لكل الطاقات العلمية، والنخب الأكاديمية، والشباب التنويري، والباحثين عن الحقيقة؛ ليكون هذا الحراك منصةً رائدة للانتقال نحو مجتمع تسوده المؤسساتية، وتحكمه المنهجية العلمية، ويقوده الوعي الارتيادي. مجتمعٌ يثق بمكنوناته الذاتية، ويحمي مقدساته وقيمه من التوظيف الأيديولوجي والاستغلال النفعي، ويتحرك بثبات نحو التجديد المعرفي والازدهار الحضاري الإنساني.

ومن الحاضرة المعرفية لمدينة النجف الأشرف، بما تمثله من عمق تاريخي وإرث علمي، يُعلن هذا البيان التدشيني لمنطلق فكري متجدد، يرتكز على قيم الحقيقة، التنوير، والوعي النقدي. تهدف هذه الوثيقة إلى تحرير الفضاء التداولي والعقل الجمعي مما اعتراه من قراءات خارج السياق وسلوكيات لا تتسق مع الأصول الكبرى للدين، ولا تتطابق مع المرتكزات المعرفية للمذهب الجعفري الإثني عشري. إننا نسعى نحو صياغة أفق مستقبلي يتخذ من الحوار العقلاني ركيزة أساسية؛ مستلهمين ذلك من المأثور المعرفي للإمام علي بن أبي طالب في محاججته للمنهج البرهاني في مقابل الانسداد المعرفي: “لو خاطبني ألف عالم لغلبتهم، ولو خاطبني جاهل واحد لغلبني”، لتأكيد انتصار الحجة العلمية والبرهان الفلسفي على العقل المنغلق.

وَمِنَ اللهِ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ وَالسَّدَاد..

الْعِرَاق

مُحَافَظَةُ النَّجَفِ الْأَشْرَف

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com