حوار مع الشاعر والتشكيلي الكردي غارسيا ناصح: اشباع رغبات كامنة

31 يوليو 2026
حوار مع الشاعر والتشكيلي الكردي غارسيا ناصح: اشباع رغبات كامنة

   الشاعر الذي يسكنني نشأ من حوار طويل مع الوطن، والمنفى.. 

   غارسيا ناصح: تبدأ اللوحة في داخلي كإحساس شعري، وتولد القصيدة من صورة بصرية..

   حاوره: بسام الطعان

   شاعر وفنان تشكيلي يسير في دورب الغربة، وأينما يحط رحاله، يجعل من ذاكرته قصيدة، ومن ألوانه حكاية، ومن فنه جسرًا يمتد بين قلبه والعالم، وهو من مواليد مدينة السليمانية في كردستان العراق ومقيم في ألمانيا منذ عام 1992، عضو نقابة الفنانين، عضو جمعية التشكيليين، عضو دائرة الفن والمسرح غوتنغن ألمانيا، عضو مؤسسة الفنانين العراقيين، أقام العديد من المعارض في العراق وفي ألمانيا، وينشر نتاجه الشعري في العديد من الصحف والمجلات.

   ـ تمارس كتابة الشعر والمقالة بالإضافة إلى الفن التشكيلي، وأي جنس أدبي وعمل فني استلهام وعقيدة، همة وتجربة، يؤدي مجموعها إلى الاحتراف.. هل وصلت إلى ما تريد، أم ما زلت ترى نفسك هاوياً وأمامك طريق طويل لتنجز ما تتمناه؟

   * لا أؤمن بأن الفنان يصل إلى محطة أخيرة، لان الوصول يعني موت الفنان. فالإبداع طريق مفتوح لا يعرف التوقف. أشعر أنني قطعت مسافة مهمة في تجربتي الشعرية والتشكيلية، واكتسبت خلال سنوات طويلة من العمل والمعارض والكتابة معرفةً أعمق باللغة واللون، لكنني ما زلت أرى نفسي في بداية الطريق من ناحية البحث والتجربة. كل عمل جديد بالنسبة لي ليس نهاية مرحلة، بل بداية لسؤال جديد. فالفنان الحقيقي لا يبحث عن الوصول فقط، بل عن الاكتشاف المستمر، وعن الاقتراب أكثر من ذاته ومن الإنسان والجمال.

   ـ الفن التشكيلي إشباع لرغبات كامنة، وتكثيف للبعد الرابع، ومناجاة للخالق بلغة الخط واللون والرمز، فالخط ينقل رسالة، واللون مثير، والرمز درب ينقلنا إلى المجهول والى اللانهائي، ما رأيك؟

   * أرى أن الفن التشكيلي أكبر من أن يُحصر في تعريف واحد؛ فهو عندي فعل بحث عن الجمال والمعنى، ومحاولة لتحويل الإحساس والفكرة إلى صورة مرئية.

الخط واللون والرمز ليست مجرد وسائل تقنية، بل هي لغة تحمل الذاكرة والمشاعر والرؤية الفكرية. فالخط يمنح العمل حركته، واللون يمنحه روحه، والرمز يفتح أمام المتلقي أبواب التأويل.

أما الجانب الروحي في الفن، فأراه تجربة شخصية تختلف من فنان إلى آخر؛ فقد يكون العمل عند بعض الفنانين نوعًا من المناجاة والتأمل، وعند آخرين بحثًا إنسانيًا وجماليًا، وكلاهما يحمل قيمة إبداعية.

   ـ كيف تصف للقارئ الشاعر الذي بداخل غارسيا ناصح؟ طبعًا أنا لا أسأل عن “بيانات” تحفظها جيدًا ذاكرة الأوراق، فهي متاحة للجميع. أنا أسأل عن الذي لم يرد في مستند، عن المحفور بالصدر، ولا يستطيع رصده جهاز رسم القلب، ولا تلتقطه عيون الكاميرا.

   * الشاعر الذي يسكن غارسيا ناصح ليس مجرد صانع كلمات، بل هو إنسان يحمل ذاكرة وتجارب وأسئلة لا تنتهي. هو شاعر نشأ من حوار طويل مع الوطن، والمنفى، والحب، والزمن، والإنسان.

   أكتب لأن هناك مشاعر لا تستطيع البقاء في الصمت، ولأن بعض الأشياء لا تُرى بالعين ولا تُقاس، لكنها تترك أثرها العميق في الروح.

   قصيدتي ليست استعراضًا للغة، بل محاولة لفهم الحياة ومصالحة الإنسان مع ما فقده وما يحمله في داخله. إنها نافذة أطل منها على ذاتي وعلى العالم.

   ـ العمل الفني هو قصيدة لونية، وأنت بارع في الفن والشعر، لماذا اخترتِ الشعر والفن التشكيلي لتبدع من خلالهما، وأيهما تجده الأجمل؟

   * الشعر والرسم بالنسبة لي طريقان يخرجان من نبع واحد. اخترت الشعر لأن الكلمة قادرة على الوصول إلى أعماق الإنسان، واخترت الرسم لأن اللون والخط يستطيعان التعبير عن أشياء تعجز اللغة أحيانًا عن حملها.

   لا أستطيع أن أفضّل أحدهما على الآخر؛ فالشعر يرسم بالكلمات، والرسم يكتب بالألوان. أحدهما يمنحني صوتًا، والآخر يمنحني صمتًا مليئًا بالمعنى.

   أحيانًا تبدأ اللوحة في داخلي كإحساس شعري، وأحيانًا تولد القصيدة من صورة بصرية. لذلك هما ليسا مجالين منفصلين، بل وجهان لتجربة إبداعية واحدة.

   ـ ما من فنان اختار لنفسه طريق الرسم والإبداع، إلا وقد أرسى في أولوياته موقف المتلقي والناقد منه، حين تمسك الريشة، هل يكون المتلقي أو الناقد في مخيّلتك، إلى جانبكِ، ويرسم معك بداية القصيدة، وجهة الريشة، وخارطة اللوحة؟

   * في لحظة البداية لا يكون المتلقي أو الناقد حاضرًا في ذهني، لأن العمل الفني يولد أولًا من علاقة داخلية بين الفنان وفكرته وذاكرته وإحساسه. في تلك اللحظة أبحث عن الصدق مع نفسي قبل البحث عن رضا الآخرين.

   لكن هذا لا يعني أنني أعزل اللوحة عن العالم؛ فالعمل الفني لا يكتمل إلا عندما يلتقي بعين تشاهده وروح تتفاعل معه. المتلقي شريك في اكتشاف المعنى، فقد يرى في اللوحة ما لم يكن حاضرًا حتى في وعي الفنان أثناء إنجازها.

   (أنا أحترم دور الناقد في قراءة العمل وتحليله، لكنه لا يقود الريشة؛ لأن الإبداع في لحظته الأولى يحتاج إلى حرية وصوت داخلي مستقل.)

   ـ في نصك الشعري ” أنا شاعر” تتحدث عن نفسك كشاعر يحمل المنفى في قلبه ويكتب للحب كأنه وطن، وللوطن كأنه حبيب بعيد؛ كيف تتداخل ثنائية المنفى/الوطن والحب/الغياب في تجربتك الإبداعية، وهل تراها قد شكّلت هويتك الفنية والشعرية؟

   * المنفى بالنسبة لي لم يكن مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل أصبح تجربة داخلية تحمل الذاكرة والأسئلة والحنين. فالإنسان عندما يبتعد عن وطنه لا يتركه خلفه بالكامل، بل يحمله في تفاصيله الصغيرة وذكرياته وصوره الأولى.

   أما الحب، فقد كان الوجه الإنساني للحنين؛ فكما يبحث الإنسان عن وطن يمنحه الانتماء، يبحث عن حب يمنحه الدفء والقرب. لذلك تداخل الوطن والحب في كتابتي، فأصبح الوطن أحيانًا صورة لحبيب بعيد، وأصبح الحب مساحة لاستعادة معنى الوطن.

   هذه التجربة شكّلت جزءًا أساسيًا من هويتي الشعرية، لأنها جعلتني أكتب من منطقة بين الغياب والحضور، بين ما فقدته وما ما زلت أحمله داخلي.

   ـ قلتَ إنك تحمل المنفى في حقيبة القلب؛ هل تخشى أن زوال هذا المنفى قد يطفئ جزءًا من نار الإبداع لديك، أم أنك قادر على خلق فنّ لا يعتمد على الألم كمحرّك أساسي؟

   * لا أعتقد أن انتهاء المنفى يمكن أن ينهي الإبداع، لأن الإبداع لا يقوم على الألم وحده. صحيح أن الغربة والغياب كانا مصدرين مهمين في تجربتي، لكن الفنان لا يعيش فقط على الجرح، بل يعيش أيضًا على الدهشة والحب والجمال والتأمل.

   المنفى ترك أثره في رؤيتي للحياة، لكنه ليس قيدًا أريد البقاء داخله. أنا أحمله كجزء من تاريخي، وأحوّله من تجربة مؤلمة إلى معنى إنساني وجمالي.

   (الفنان لا يبدع لأنه يتألم فقط، بل لأنه يرى في التجربة الإنسانية ما يستحق أن يتحول إلى صورة أو قصيدة.)

   ـ تتنقّل في تجربتك بين القصيدة واللوحة، وكأنك تكتب بالألوان وترسم بالكلمات؛ كيف تنجح في الحفاظ على هذا التوازن الإبداعي بين الفنين، وما الذي يضيفه كل منهما إلى الآخر في رحلتك الفنية؟

   * لا أرى الشعر والرسم مجالين منفصلين في تجربتي، بل هما لغتان مختلفتان لروح واحدة. الشعر يمنحني القدرة على التعبير بالكلمة، والرسم يمنحني القدرة على التعبير بالصورة واللون.

   أحيانًا تولد اللوحة من إحساس شعري، وأحيانًا تتحول صورة بصرية إلى قصيدة. فالعلاقة بينهما ليست منافسة، بل تكامل؛ فاللوحة تمنح الشعر فضاءً بصريًا، والشعر يمنح اللوحة عمقًا داخليًا.

   لهذا لا أعيش كفنان تشكيلي فقط أو كشاعر فقط، بل أرى نفسي في المساحة التي تلتقي فيها الكلمة باللون.

   ـ في أعمالك يبدو أن اللغة تمتد لتصبح لونًا، وأن اللون يتحوّل إلى جملة شعرية؛ كيف تصف العلاقة الداخلية بين الكلمة والفرشاة في تجربتك، وهل يبدأ الإبداع لديك من القصيدة أم من اللوحة؟

   * العلاقة بين الكلمة والفرشاة في تجربتي هي علاقة بين صورتين: صورة تُكتب، وصورة تُرى. الكلمة تحمل لونًا داخليًا، واللون يحمل معنى شعريًا.

   لا توجد قاعدة ثابتة لبداية الإبداع لدي؛ فقد تبدأ الفكرة أحيانًا من بيت شعري، وأحيانًا من مشهد أو إحساس يتحول إلى لوحة. المهم ليس نقطة البداية، بل الرحلة التي تتحول فيها الفكرة إلى عمل يحمل روحًا خاصة.

القصيدة مرئية

   أحاول دائمًا أن أجعل القصيدة مرئية، وأن أجعل اللوحة قابلة للقراءة؛ فاللون عندي قصيدة صامتة، والكلمة لوحة تتحرك في الخيال.

   ـ ما هي المنابع التي تستقي منها طاقتك الإبداعية، وهل تختلف مصادر الإلهام لديك عندما تكتب الشعر عنها عندما ترسم، أم أن هناك نهرًا واحدًا يغذي الفنين معًا؟

   * تأتي طاقتي الإبداعية من الذاكرة والتجربة الإنسانية والطبيعة ولحظات التأمل التي يعيشها الإنسان مع نفسه. كما أن الغربة تركت أثرًا عميقًا في رؤيتي، لأنها جعلتني أكثر انتباهًا للتفاصيل وللأسئلة الإنسانية.

   لا أرى أن للشعر مصدرًا وللرسم مصدرًا آخر؛ هناك نهر واحد يغذي الفنين معًا. قد تتحول الفكرة نفسها إلى ٨قصيدة في لحظة، وإلى لوحة في لحظة أخرى.

   (أنا لا أبحث عن موضوع فقط، بل أبحث عن إحساس صادق؛ فإذا وجد طريقه إلى الكلمات أصبح شعرًا، وإذا وجد طريقه إلى اللون أصبح فنًا تشكيليًا.)

   ـ تعيش منذ سنوات طويلة خارج وطنك العراق، هل تشعر أن الغربة صقلت هويتك الفنية أم أنها سرقت جزءًا منها، وكيف ينعكس هذا الصراع الداخلي على قصائدك ولوحاتك؟

   * الغربة لم تسرق هويتي الفنية، بل جعلتني أكتشف جوانب جديدة منها. الابتعاد عن الوطن كان مؤلمًا، لكنه منحني فرصة لرؤية نفسي ووطني والعالم من زاوية مختلفة.

   حملت معي العراق في الذاكرة: الأماكن الأولى، الوجوه، التفاصيل الصغيرة، وكل ما شكّل بداياتي. هذه العناصر لم تختفِ، بل تحولت إلى حضور في قصائدي ولوحاتي.

   الغربة جعلتني أعيش بين عالمين؛ عالم الذاكرة والانتماء ، وعالم التجربة الجديدة، ومن هذا التداخل ولدت رؤيتي الفنية الخاصة.

   ـ يظهر المنفى في نصوصك كحالة شعورية أكثر منه مكانًا جغرافيًا، وأيضاً يظهر الحنين في أعمالك الفنية كقوة دافعة لا تهدأ؛ كيف يتجلى هذا المنفى في ابداعك؟ وهل تخشى أن يتحوّل الحنين إلى عبء يقيّدك، أم أنك ترى فيه وقودًا لا يمكن الاستغناء عنه في رحلتك الشعرية والتشكيلية؟

   * المنفى في أعمالي ليس مكانًا جغرافيًا فقط، بل حالة شعورية مرتبطة بالذاكرة والبحث عن المعنى. هو ذلك الشعور بالمسافة بين ما كان وما أصبح.

   يظهر المنفى في قصائدي ولوحاتي من خلال الحنين واستعادة التفاصيل والأسئلة التي يحملها الإنسان عن المكان والهوية والزمن.

   أما الحنين فلا أراه عبئًا، بل طاقة إبداعية عندما يتحول من ألم إلى جمال. المهم ألا يبقى الإنسان أسير الماضي، بل أن يجعل من ذاكرته جسرًا نحو الحاضر.

   ـ بين الوطن الذي تركته والغربة التي تعيشها اليوم، أيهما كان أكثر قسوة وأيّهما كان أكثر سخاء عليك كفنان؟ وهل تشعر أن الغربة منحتك مساحة أوسع للإبداع شعراً وفناً، أم أنها مجرد جرح جميل تتكئ عليه لتواصل الكتابة والرسم؟

   * لا يمكنني أن أضع الوطن والغربة في ميزان واحد، لأن لكل منهما أثره المختلف في حياتي. الوطن منحني الجذور الأولى واللغة والذاكرة، والغربة منحتني تجربة جديدة ورؤية أوسع للإنسان والعالم.

   في الوطن عشت معنى الانتماء، وفي الغربة تعلمت معنى البحث عن الذات. كانت الغربة قاسية بما حملته من بعد وغياب، لكنها كانت أيضًا مساحة للتأمل والنضج.

كتابة بالالوان

   لذلك لا أراها مجرد جرح أستند إليه، بل تجربة إنسانية تحولت إلى مادة للفن. فالفنان لا ينقل ألمه فقط، بل يحوله إلى معنى وجمال.

   ـ ما أجملك أيها المبدع وأنت تكتب بالألوان وترسم بالكلمات، الكلمة الأخيرة لك، قل ما تريد..

   * أود أن أقول إن الشعر والفن بالنسبة لي لم يكونا يومًا مجرد هواية أو مهنة، بل كانا طريقة لفهم الحياة ومقاومة النسيان.

   حملت الوطن في الذاكرة، وحملت التجربة الإنسانية في القلب، وحاولت أن أحول ما عشته من أسئلة وأحلام وحنين إلى قصيدة ولوحة.

   أنا أؤمن أن الشاعر يرسم بالكلمات، والفنان يكتب بالألوان. فالكلمة عندي ليست مجرد حروف، واللون ليس مجرد مساحة؛ كلاهما يحمل روح الإنسان وأحلامه وذكرياته.

   وفي النهاية، إذا أردت أن أختصر رحلتي: 

   (أنا إنسان أحاول أن أجعل من الذاكرة قصيدة، ومن اللون حكاية، ومن الفن جسرًا بين القلب والعالم.)

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com