المواطنة القانونية و المواطنة الفاعلة في المغرب والعالم العربي

29 يوليو 2026
المواطنة القانونية و المواطنة الفاعلة في المغرب والعالم العربي

المواطنة في المغرب والعالم العربي: المفهوم الحاضر… الغائب -قراءة في إشكالية الانتقال من المواطنة القانونية إلى المواطنة الفاعلة-

إن مستقبل المغرب والعالم العربي لن يُقاس فقط بمعدلات النمو الاقتصادي أو بحجم الاستثمارات أو بالمؤشرات المالية، بل سيُقاس أيضًا بقدرتهما على صناعة المواطن

بقلم د. مصطفى الغاشي

كاتب مغربي في التاريخ والفكر السياسي والعلاقات الدولية

في التقديم:

   تبدو المواطنة اليوم من أكثر المفاهيم تداولًا في الخطاب السياسي والدستوري والإعلامي العربي، حتى أصبحت جزءًا من المعجم اليومي للدولة والأحزاب والمجتمع المدني. غير أن هذا الحضور المكثف للمفهوم لا يقابله بالضرورة حضور مماثل في الواقع الاجتماعي والسياسي، مما يجعل المواطنة تبدو وكأنها حاضرة في النصوص وغائبة في الممارسة، وموجودة في الدساتير أكثر من وجودها في المؤسسات، وفي الخطابات أكثر من تجسدها في السلوك العام.

   لقد عرفت أغلب الدول العربية، ومنها المغرب، منذ مطلع الألفية الثالثة، إصلاحات دستورية وسياسية تبنت لغة الحقوق والحريات وربطت المواطنة بالديمقراطية والتنمية والحكامة الجيدة. ففي المغرب، رسخ دستور 2011 منظومة واسعة من الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وأكد المساواة بين المواطنين، ووسع مجالات المشاركة. غير أن السؤال المركزي يبقى: هل أنتجت هذه المقتضيات مواطنًا فاعلًا، أم أنها ظلت في حدود المواطنة القانونية؟

   تكشف التجربة المغربية والعربية عن وجود فجوة واضحة بين المواطنة بوصفها وضعًا قانونيًا والمواطنة باعتبارها ممارسة يومية. فالمواطن في كثير من الأحيان لا يشعر بأن صوته الانتخابي قادر على التأثير في القرار العمومي، ولا بأن الخدمات الأساسية تقدم وفق مبدأ المساواة، ولا بأن الإدارة تتعامل معه باعتباره صاحب حق لا مجرد طالب خدمة. ومن هنا تنشأ أزمة الثقة بين المجتمع والمؤسسات، وهي إحدى أبرز تجليات غياب المواطنة الفاعلة.

   ولا يمكن فهم هذه الأزمة دون العودة إلى البنية التاريخية للدولة العربية. فقد تشكلت العلاقة بين الدولة والمجتمع، في كثير من الحالات، على أساس الولاء أكثر من المشاركة، وعلى منطق الرعية أكثر من منطق المواطن. ورغم تطور الدولة الحديثة، ما تزال بعض الممارسات الإدارية والسياسية تحمل آثار هذا الإرث، فتتراجع قيم الاستحقاق والشفافية أمام شبكات الزبونية والمحسوبية، مما يضعف الإحساس بالمساواة أمام القانون.

   في المقابل، لا تتحمل الدولة وحدها مسؤولية هذا الوضع؛ إذ إن المجتمع بدوره يعاني من ضعف الثقافة المدنية. فالمواطنة ليست مجرد المطالبة بالحقوق، بل هي أيضًا احترام القانون، وأداء الواجبات، والمشاركة في الشأن العام، والمحافظة على الممتلكات العامة، وقبول الاختلاف، والإيمان بالمصلحة المشتركة. ولذلك فإن بناء المواطنة يظل مشروعًا ثقافيًا وتربويًا قبل أن يكون مشروعًا قانونيًا.

   كما أن التحولات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي أوجدت شكلًا جديدًا من المواطنة يمكن وصفه بـ”المواطنة الرقمية”. فقد أصبح المواطن قادرًا على التعبير والاحتجاج والتأثير في الرأي العام عبر الفضاء الرقمي، لكن هذا الفضاء نفسه أصبح أيضًا مجالًا لانتشار الأخبار الزائفة وخطابات الكراهية والاستقطاب، وهو ما يطرح تحديات جديدة أمام ترسيخ ثقافة المواطنة المسؤولة.

   وفي السياق العربي، أظهرت التجارب التي أعقبت موجة الاحتجاجات منذ عام 2011 أن المطالبة بالكرامة والعدالة والحرية كانت، في جوهرها، مطالبة بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن. إلا أن كثيرًا من هذه التجارب اصطدم بإشكالات بنيوية مرتبطة بضعف المؤسسات، واستمرار الأزمات الاقتصادية، وتراجع الثقة، مما جعل مشروع المواطنة الديمقراطية يواجه تحديات كبيرة.

   أما في المغرب، فقد أحرزت الدولة خطوات مهمة في مجال الإصلاحات الدستورية والمؤسساتية، وتوسيع الحقوق، وتعزيز الجهوية المتقدمة، وإطلاق ورش الحماية الاجتماعية، غير أن نجاح هذه الأوراش يظل رهينًا بقدرتها على تحويل المواطن من متلقٍ للسياسات العمومية إلى شريك في صناعتها وتقييمها. فالمواطنة الحقيقية لا تتحقق فقط عبر الانتخابات، وإنما عبر المشاركة اليومية في مراقبة الشأن العام، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وترسيخ العدالة المجالية والاجتماعية.

   إن أزمة المواطنة في المغرب والعالم العربي ليست أزمة مفهوم، وإنما أزمة تنزيل وممارسة. فالنصوص القانونية والدساتير قطعت أشواطًا مهمة في الاعتراف بالحقوق، لكن الانتقال من المواطنة القانونية إلى المواطنة الفاعلة ما يزال يواجه عوائق ثقافية وسياسية ومؤسساتية واقتصادية.

   ولذلك فإن بناء مواطنة حقيقية يقتضي إعادة الاعتبار للمدرسة والجامعة والإعلام والأسرة باعتبارها مؤسسات للتنشئة المدنية، وتعزيز استقلال المؤسسات، وترسيخ العدالة وسيادة القانون، وإشراك المواطن في صناعة القرار العمومي. فعندما يشعر الفرد بأن صوته مؤثر، وأن حقوقه مصونة، وأن واجباته ذات معنى، تتحول المواطنة من مجرد مفهوم حاضر في النصوص إلى واقع حي يصنع التنمية والاستقرار والديمقراطية.

المحور الاول، في التجربة المغربية: المواطنة في المغرب… من النص الدستوري إلى الواقع المعيش، بين رهانات الإصلاح وإكراهات التنزيل

   يشكل المغرب إحدى التجارب العربية التي سعت إلى إعادة بناء مفهوم المواطنة من خلال إصلاحات دستورية ومؤسساتية متتالية، بلغت ذروتها مع دستور 2011، الذي جعل من المواطنة محورًا لمشروع الإصلاح السياسي والديمقراطي. غير أن مرور أكثر من عقد على هذا التحول يفرض سؤالًا جوهريًا: هل نجح المغرب في الانتقال من مواطنة دستورية إلى مواطنة فعلية؟

إن الإجابة تقتضي التمييز بين المواطنة كما تنص عليها الوثائق الرسمية، والمواطنة كما يعيشها المواطن في حياته اليومية.

أولًا: دستور 2011… ميلاد مواطنة دستورية جديدة:

   جاء دستور 2011 بمجموعة من المقتضيات التي نقلت مفهوم المواطنة من مجرد شعار سياسي إلى مبدأ دستوري مؤسس للدولة. ومن أهم مرتكزاته: ربط المسؤولية بالمحاسبة، المساواة بين المواطنين. وتوسيع الحقوق والحريات، وحماية الكرامة الإنسانية، والديمقراطية التشاركية، والحق في تقديم الملتمسات والعرائض، وتعزيز دور المجتمع المدني، ودسترة الحكامة الجيدة، والجهوية المتقدمة.

   لقد شكل ذلك انتقالًا نوعيًا في التصور الدستوري للعلاقة بين الدولة والمواطن، حيث لم يعد المواطن مجرد ناخب، بل أصبح شريكًا نظريًا في إعداد السياسات العمومية وتتبعها. لكن الإشكال الحقيقي لم يكن في النص، وإنما في سرعة وفعالية تنزيله.

ثانيًا: المواطنة في الواقع اليومي:

   رغم المكاسب الدستورية، ما يزال المواطن المغربي يقيس المواطنة انطلاقًا من علاقته اليومية بالإدارة والخدمات العمومية. فالمواطن لا يحاكم النصوص، بل يحاكم: جودة المدرسة، فعالية المستشفى، ونزاهة الإدارة، واستقلال القضاء، وجودة النقل، والأمن، والعدالة المجالية. ولهذا فإن المواطنة تتحول في وعي الناس إلى سؤال بسيط: هل أشعر أن الدولة تعاملني بكرامة ومساواة؟ إذا كانت الإجابة بالإيجاب، ترسخت المواطنة.

أما إذا كانت بالنفي، فإن المواطن يبدأ في فقدان الثقة، حتى وإن كانت النصوص القانونية متقدمة.

ثالثًا: أزمة الثقة… أخطر تحديات المواطن:

   تكاد أغلب الدراسات السوسيولوجية تتفق على أن الثقة هي الرأسمال الحقيقي لأي دولة حديثة، فكلما ارتفعت الثقة: ارتفعت المشاركة السياسية، وارتفع احترام القانون، وارتفع أداء المؤسسات، وتراجعت الشعبوية. وتراجع العنف.

   أما عندما تنهار الثقة، فإن المواطن يبحث عن بدائل خارج المؤسسات، كالعلاقات الشخصية أو شبكات الوساطة، وهو ما يضعف منطق دولة القانون.

   إن بناء الثقة لا يتم عبر الخطاب، وإنما عبر العدالة والشفافية والنجاعة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

رابعًا: الشباب المغربي… بين الانتماء والعزوف:

   يمثل الشباب أكثر من ثلث المجتمع المغربي، لكنه في الوقت نفسه الفئة الأقل انخراطًا في الأحزاب والتنظيمات السياسية. وهنا تظهر مفارقة مهمة: فالشباب المغربي حاضر بقوة في: المبادرات التطوعية، وريادة الأعمال، والفضاء الرقمي، والأنشطة الثقافية والرياضية.

لكنه أقل حضورًا في المؤسسات التمثيلية.

وهذا لا يعني غياب الحس الوطني، بل يعكس تغيرًا في أشكال المشاركة، حيث أصبحت الأجيال الجديدة تفضل المبادرات المباشرة والمشاريع الميدانية على الأطر التنظيمية التقليدية. ومن ثم، فإن تجديد المواطنة يقتضي تجديد أدوات المشاركة السياسية، وربطها بالتحولات الرقمية والاجتماعية.

خامسًا: الجامعة المغربية… الفاعل الغائب في صناعة المواطنة:

   من المفارقات الكبرى أن الجامعة، التي يفترض أن تكون فضاءً لإنتاج النخب وترسيخ قيم الحوار والنقد والمشاركة، لم تؤدِّ دائمًا هذا الدور بالفاعلية المطلوبة.

فالجامعة ليست مؤسسة لتلقين المعارف فقط، بل هي مدرسة لإنتاج المواطن المسؤول. غير أن عدداً من التحديات ما يزال يحد من هذا الدور، منها: ضعف ثقافة النقاش العمومي، ومحدودية مشاركة الطلبة في تدبير الحياة الجامعية، وضعف الارتباط بين التكوين الجامعي وقضايا المجتمع، وتراجع الفضاءات الثقافية والفكرية داخل الجامعات. وهنا تبرز الحاجة إلى إعادة تعريف رسالة الجامعة باعتبارها مؤسسة لإنتاج المواطنة، لا مجرد مؤسسة لمنح الشهادات.

سادسًا: المجتمع المدني… من الوساطة إلى الشراكة:

   عرف المغرب تطورًا ملحوظًا في حضور المجتمع المدني، خاصة بعد دستور 2011 الذي عزز أدواره في الديمقراطية التشاركية. غير أن نجاح المجتمع المدني يظل مرتبطًا بعدة شروط: كالاستقلالية، والحكامة.

والكفاءة، والشفافية، والقدرة على التأثير في السياسات العمومية. فالجمعيات ليست بديلًا عن الدولة، وإنما شريك في بناء المواطنة وتعزيز المشاركة المجتمعية.

سابعًا: نحو مواطنة تنموية:

   إن المواطنة في القرن الحادي والعشرين لم تعد تقاس فقط بالحقوق السياسية، بل أصبحت تقاس أيضًا بقدرة الدولة على تحقيق التنمية، فكلما تحسن التعليم، والصحة، والعدالة، والتشغيل، والبيئة، والرقمنة، شعر المواطن بأنه شريك في مشروع وطني مشترك. ولهذا يمكن الحديث اليوم عن مفهوم “المواطنة التنموية”، التي تجعل التنمية حقًا ومسؤولية في آن واحد، وتربط بين المشاركة المجتمعية وجودة السياسات العمومية.

في الخلاصة، تكشف التجربة المغربية أن بناء المواطنة لا يتوقف عند إصدار الدساتير أو سن القوانين، بل يتطلب تحولًا عميقًا في الثقافة السياسية والإدارة والمؤسسات وآليات المشاركة. وقد حقق المغرب خطوات مهمة في هذا المسار، غير أن الانتقال إلى مواطنة مكتملة يظل رهينًا بترسيخ الثقة، وتقوية المؤسسات، وتوسيع المشاركة، والارتقاء بجودة الخدمات العمومية.

وفي المحور الثاني، “المواطنة في عصر التحولات الكبرى: الذكاء الاصطناعي، الرقمنة، والديمقراطية التشاركية”.

لم تعد المواطنة في القرن الحادي والعشرين تُختزل في التصويت أو احترام القانون أو أداء الواجبات التقليدية، بل أصبحت مفهومًا ديناميًا يتأثر بالثورة الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والتحولات الاقتصادية العالمية، وتصاعد المخاطر العابرة للحدود. لذلك فإن الحديث عن المواطنة اليوم يقتضي الانتقال من المواطنة التقليدية إلى المواطنة الذكية، التي تجعل المواطن شريكًا في إنتاج المعرفة وصناعة القرار العمومي.

أولًا: الثورة الرقمية وإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن: أحدثت الرقمنة تحولًا جذريًا في طبيعة الإدارة العمومية، فلم يعد المواطن مضطرًا إلى الحضور المادي لإنجاز مختلف الخدمات، بل أصبح بإمكانه التفاعل مع الإدارة عبر المنصات الإلكترونية. وقد أفرز هذا التحول ثلاث نتائج رئيسية:

1. تسريع الخدمات العمومية، حيث ساهمت الرقمنة في تقليص الزمن الإداري، وتقليل الاحتكاك المباشر، والحد من بعض مظاهر البيروقراطية.

2. تعزيز الشفافية، حيث كلما أصبحت المعطيات والإجراءات متاحة إلكترونيًا، ازدادت قدرة المواطنين على تتبع تدبير الشأن العام، وتعززت فرص المساءلة.

3. توسيع المشاركة، حيث أصبحت المنصات الرقمية فضاءات للنقاش العمومي، وتقديم المقترحات، والتفاعل مع المؤسسات، مما فتح آفاقًا جديدة للديمقراطية التشاركية. غير أن الرقمنة ليست غاية في ذاتها، بل هي أداة لا تكتسب قيمتها إلا إذا اقترنت بضمان الولوج المتكافئ إلى الخدمات، وحماية المعطيات الشخصية، وتعزيز الثقة الرقمية.

ثانيًا: الذكاء الاصطناعي… هل يهدد المواطنة أم يعززها؟

يمثل الذكاء الاصطناعي أحد أكبر التحولات التي ستعيد تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع خلال العقود المقبلة.

فمن جهة، يمكن أن يسهم في تحسين جودة الخدمات العمومية، ودعم اتخاذ القرار بالاعتماد على تحليل البيانات، وتطوير التعليم والصحة والنقل، ومكافحة الفساد عبر الأنظمة الذكية، وتسريع الاستجابة لطلبات المواطنين. ومن جهة أخرى، يثير تحديات أخلاقية وقانونية، منها حماية الخصوصية، ومخاطر التحيز الخوارزمي، وتوسيع الفجوة الرقمية، واحتمال تراجع بعض فرص العمل، واستخدام تقنيات المراقبة بصورة تمس الحقوق والحريات. لذلك، فإن المواطنة في عصر الذكاء الاصطناعي تتطلب إطارًا قانونيًا وأخلاقيًا يوازن بين الابتكار وحماية الحقوق الأساسية.

ثالثًا: المواطنة الرقمية… من الحق في الاتصال إلى المسؤولية الرقمية: أصبح المواطن اليوم يعيش في فضاءين متداخلين: الفضاء الواقعي، والفضاء الرقمي.

ومن ثم، ظهرت حقوق جديدة، مثل: الحق في الوصول إلى الإنترنت، والحق في حماية البيانات الشخصية. والحق في الأمن السيبراني، والحق في الوصول إلى المعلومات. وفي المقابل، ظهرت واجبات جديدة، منها:

احترام الخصوصية، ومكافحة الأخبار الزائفة، ونبذ خطاب الكراهية، واحترام الملكية الفكرية، والاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي.

ومن هنا، فإن المواطنة الرقمية ليست مجرد استعمال للتكنولوجيا، وإنما هي ثقافة قانونية وأخلاقية ومدنية.

رابعًا: المغرب والتحول الرقمي: شهد المغرب خلال السنوات الأخيرة تسارعًا في مشاريع الرقمنة، سواء على مستوى الإدارة أو العدالة أو الاستثمار أو الخدمات العمومية. وتنسجم هذه الأوراش مع التوجه نحو تحديث الإدارة وتعزيز الحكامة، لكنها تطرح في المقابل تحديات ينبغي معالجتها، من أبرزها: تقليص الفجوة الرقمية بين المدن والقرى، والرفع من الكفايات الرقمية للمواطنين. 

وتعزيز الأمن السيبراني، وحماية المعطيات الشخصية.

وإدماج الذكاء الاصطناعي في إطار قانوني وأخلاقي واضح. إن نجاح هذه المشاريع يتوقف على جعل الرقمنة وسيلة لتقوية الثقة بين المواطن والإدارة، لا مجرد تحديث تقني للإجراءات.

خامسًا: المواطنة البيئية… البعد الجديد للمسؤولية: لم تعد المواطنة تقتصر على العلاقة بين الفرد والدولة، بل امتدت إلى علاقة الإنسان ببيئته، فالتغير المناخي، وندرة المياه، والتلوث، وفقدان التنوع البيولوجي، جعلت من حماية البيئة واجبًا مدنيًا.

وفي الحالة المغربية، تزداد أهمية هذا البعد في ظل تحديات الإجهاد المائي، والانتقال الطاقي، وحماية الموارد الطبيعية. ومن ثم، فإن المواطن البيئي هو من يشارك في حماية الموارد، وترشيد الاستهلاك، ودعم السياسات البيئية المستدامة.

سادسًا: نحو مفهوم جديد… “المواطنة المنتجة”: من أبرز أوجه القصور في الخطاب العربي حول المواطنة اختزالها في المطالبة بالحقوق، بينما تقوم المواطنة الحديثة على معادلة متوازنة بين الحقوق والواجبات والإسهام في الإنتاج. فالمواطن المنتج هو الذي:

يشارك في الاقتصاد، ويحترم القانون، ويدفع الضرائب وفق القانون، ويساهم في الابتكار، ويراقب الشأن العام.

ويحافظ على الممتلكات العامة، ويبادر إلى العمل التطوعي، ويدافع عن المصلحة العامة. وبذلك تصبح المواطنة رصيدًا تنمويًا ينعكس على تنافسية الدولة واستقرارها.

سابعًا: نحو عقد اجتماعي جديد: تكشف التحولات الراهنة أن العقد الاجتماعي التقليدي لم يعد كافيًا لمواجهة تحديات العصر، مما يستدعي بناء عقد جديد يقوم على خمسة مرتكزات:

– الإنسان أولًا: جعل كرامة المواطن محور السياسات العمومية.

– الثقة المتبادلة: بين الدولة والمجتمع، عبر الشفافية والمساءلة.

– العدالة المجالية والاجتماعية: لضمان تكافؤ الفرص بين جميع المواطنين.

– المعرفة والابتكار: باعتبارهما أساس التنمية المستدامة.

– المشاركة الفعلية: بتمكين المواطنين من الإسهام في صياغة وتتبع وتقييم السياسات العمومية.

في الخلاصة، إن مستقبل المواطنة في المغرب والعالم العربي لن تحدده النصوص القانونية وحدها، بل ستحدده القدرة على مواكبة التحولات الرقمية والاقتصادية والبيئية، وإعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات، وترسيخ ثقافة المشاركة والمسؤولية. فالمواطنة في القرن الحادي والعشرين لم تعد مجرد صفة قانونية، بل أصبحت رأسمالًا استراتيجيًا يحدد قدرة الدول على تحقيق التنمية والاستقرار والابتكار.

في الختام: تكشف هذه المحاولة أن أزمة المواطنة في المغرب والعالم العربي لا تتمثل في غياب المفهوم، بل في الفجوة القائمة بين الاعتراف الدستوري والتجسيد العملي. فخلال العقود الأخيرة، شهدت أغلب الدول العربية إصلاحات دستورية وتشريعية مهمة، وتبنت خطابًا يقوم على حقوق الإنسان، والمشاركة، والحكامة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، غير أن الممارسة اليومية ما تزال تكشف عن تحديات تتعلق بضعف الثقة، واختلالات العدالة الاجتماعية، وتفاوت جودة الخدمات العمومية، ومحدودية المشاركة المواطنة.

لقد انتهت القراءة إلى أن المواطنة ليست مجرد صفة قانونية تمنحها الدولة، ولا مجرد علاقة شكلية بين الفرد والمؤسسات، وإنما هي عقد اجتماعي حي يقوم على الثقة، والكرامة، والمساواة، والمشاركة، والمسؤولية المشتركة في بناء المستقبل.

وفي الحالة المغربية، يمكن القول إن البلاد قطعت خطوات معتبرة نحو بناء مواطنة دستورية حديثة، خاصة مع دستور 2011، والجهوية المتقدمة، وأوراش الحماية الاجتماعية، والرقمنة الإدارية، وتعزيز الديمقراطية التشاركية. إلا أن هذه المكتسبات تحتاج إلى استكمالها بإصلاحات عميقة في المدرسة، والجامعة، والإدارة، والحياة الحزبية، والإعلام، بما يجعل المواطنة ممارسة يومية وليست مجرد نصوص قانونية.

كما بينت القراءة أن التحولات العالمية، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، والثورة الرقمية، والتغيرات المناخية، تفرض إعادة تعريف مفهوم المواطنة، بحيث لم يعد المواطن مطالبًا فقط باحترام القانون والمشاركة السياسية، بل أصبح مطالبًا أيضًا بالإسهام في إنتاج المعرفة، وحماية البيئة، والالتزام بالأخلاقيات الرقمية، وتعزيز الأمن المعلوماتي، والانخراط في الاقتصاد القائم على الابتكار.

ومن هذا المنطلق، تقترح القراءة الانتقال من مفهوم “المواطنة القانونية” إلى مفهوم أكثر شمولًا هو “المواطنة المنتجة”؛ وهي مواطنة تجعل من الإنسان شريكًا في التنمية، لا مجرد مستفيد منها، ومن الفضاء العام مجالًا للمسؤولية المشتركة، لا ساحة للصراع أو اللامبالاة. ويقوم هذا النموذج على خمسة أبعاد متكاملة:

أولًا: المواطن المنتج للمعرفة من خلال، دعم البحث العلمي والابتكار، وترسيخ التفكير النقدي، وتشجيع التعلم مدى الحياة.

ثانيًا: المواطن المنتج للقيمة الاقتصادية، من خلال، نشر ثقافة المبادرة، وتشجيع المقاولة والاقتصاد الاجتماعي.

وربط المواطنة بالإنتاج والإبداع.

ثالثًا: المواطن المنتج للثقة، من خلال، احترام القانون.

والشفافية، ومكافحة الفساد، وتعزيز ثقافة الحوار.

رابعًا: المواطن المنتج للتضامن، من خلال العمل التطوعي، والمبادرات المدنية، وحماية الفئات الهشة. وترسيخ قيم التماسك الاجتماعي.

خامسًا: المواطن المنتج للمستقبل، من خلال، حماية البيئة، والاستخدام المسؤول للتكنولوجيا، والانخراط في التحول الرقمي، والمساهمة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة.

أما فيما يخص التوصيات الاستراتيجية،

أولًا: على مستوى الدولة من خلال، جعل المواطنة محورًا لجميع السياسات العمومية، وربط تقييمها بمدى تعزيزها للمساواة والثقة.

ثانيًا: على مستوى المدرسة، من خلال الانتقال من تدريس المواطنة إلى ممارستها داخل المؤسسة التعليمية، عبر المجالس المنتخبة، والحوار، والتطوع.

ثالثًا: على مستوى الجامع، من خلال إنشاء مراكز جامعية متخصصة في دراسات المواطنة، والديمقراطية، والسياسات العمومية، وربط البحث العلمي بحاجات المجتمع.

رابعًا: على مستوى الأحزاب السياسية، من خلال تجديد النخب، وتمكين الشباب والنساء، وتعزيز الديمقراطية الداخلية، واستعادة وظيفة التأطير السياسي.

خامسًا: على مستوى الإعلام، من خلال دعم إعلام مهني يعزز التربية المدنية، ويواجه الأخبار الزائفة وخطابات الكراهية.

سادسًا: على مستوى المجتمع المدني، من خلال تطوير قدرات الجمعيات في مجالات الترافع، وتتبع السياسات العمومية، وصناعة المبادرات المجتمعية.

سابعًا: على المستوى الرقمي، من خلال إدماج التربية الرقمية في المناهج التعليمية، وترسيخ أخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي وحماية البيانات الشخصية.

ثامنًا: على المستوى الاقتصادي، من خلال ربط المواطنة بالعدالة الاجتماعية، وتقليص الفوارق المجالية، وتعزيز تكافؤ الفرص.

تاسعًا: على المستوى البيئي، من إدماج المواطنة البيئية في السياسات التعليمية والإعلامية، وربطها بالسلوك اليومي للمواطن.

عاشرًا: على المستوى الثقافي، من خلال بناء ثقافة وطنية تعتبر المواطنة قيمة حضارية، تتجاوز الانتماءات الضيقة، وتؤسس لوحدة المجتمع في إطار التنوع.

الخاتمة الاستشرافية، إن مستقبل المغرب والعالم العربي لن يُقاس فقط بمعدلات النمو الاقتصادي أو بحجم الاستثمارات أو بالمؤشرات المالية، بل سيُقاس أيضًا بقدرتهما على صناعة المواطن. فالدول التي ستنجح في القرن الحادي والعشرين ليست بالضرورة تلك التي تمتلك أكبر الثروات الطبيعية، وإنما تلك التي تنجح في بناء مواطن حر، واعٍ، مبدع، ومسؤول. ولذلك، فإن الرهان الحقيقي ليس في الانتقال من دولة الرعاية إلى دولة الخدمات فحسب، بل في الانتقال إلى دولة المواطنة، حيث تصبح العلاقة بين الدولة والمجتمع قائمة على الثقة والكرامة والمساءلة والشراكة.

إن المواطنة ليست شعارًا سياسيًا يُرفع في المناسبات، ولا نصًا دستوريًا يُقرأ في الوثائق، وإنما هي ثقافة وممارسة ومشروع حضاري. وكلما اقتربت السياسات العمومية من الإنسان، وتحولت الحقوق إلى واقع ملموس، والواجبات إلى سلوك يومي، اقترب المغرب والعالم العربي من بناء دولة حديثة، قوية بمؤسساتها، ومتجذرة بمواطنيها.

مقال خاص لصحيفة قريش – لندن

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com