همس الذرة وصمت المجرة

7 يونيو 2026
همس الذرة وصمت المجرة

د محمد غاني

كاتب من المغرب. 
مقدمة
ألا ترى معي أيها القارئ العزيز أن  الكمال الإلهي يتجلى في كل ذرة من ذرات الوجود، وفي كل كائن حي على وجه البسيطة، بل حتى في كل جرم سماوي. إن التأمل في عظمة الخالق يقودنا إلى حقيقة معرفية عرفانية دقيقة، وهي أن الفعل الإلهي لا يتفاوت في ذاته وإن تفاوتت مظاهره. 
لا شك أن خلق البعوضة وخلق المجرة سواء في ميزان القدرة الإلهية؛ إذ لا يعجزه صغير ولا يثقله كبير، ولا يحتاج في إيجاد أحدهما إلى جهد يفوق الآخر. فالعظمة ليست في حجم المخلوق، بل في كونه مرآة تعكس أسماء الله وصفاته.
وقد عبرت الفيلسوفة الفرنسية سيمون فايل عن هذه الحقيقة حين  رأت أن الانتباه الخالص هو أندر أشكال الكرم و أنقاها وكأنها تشير إلى أن النظر المتأمل يكشف القداسة المختبئة في أدق تفاصيل العالم، فلا يعود الصغير صغيرا ولا الهامشي هامشيا.
البعوضة: آية في الصغر
يقول الله تعالى: “إِنّ اللّه لا يستحيِي أَن يضرِب مثلا ما بعوضة فما فوقها” [البقرة: 26].
فليست البعوضة مجرد حشرة صغيرة، بل هي في نظرنا كتاب إلهي مصغر من ضمن كتبه العديدة التي أمرنا ان نقرأها. فكل خلية فيها تنطق بالحكمة، وكل عضو يؤدي وظيفة دقيقة ضمن منظومة متكاملة. وهنا يدرك المتأمل بعين البصيرة أن العظمة لا تقاس بالأبعاد المادية، وإنما بظهور الإتقان الإلهي.
وقد رأت العارف بالله الصوفية الجليلة رابعة العدوية أن المحبة الصادقة تجعل القلب يرى الله في كل شيء، إذ كانت تقول: ما رأيت شيئا إلا رأيت الله قبله. وليس المقصود طبعا الرؤية الحسية، بل شهود أثره وتجليه في الموجودات. 
ومن هذا المنظور تصبح البعوضة بابا إلى معرفة الله كما تصبح النجوم والكواكب.
إن احتقار المخلوقات الصغيرة ليس إلا وجها من وجوه الغفلة عن سر الصنعة الإلهية. فالحق سبحانه لم يضع شيئا في الوجود عبثا، بل جعل لكل موجود وظيفة ورسالة ومقاما في نظام الكون.
إذا كانت البعوضة آية في الصغر، فإن المجرة آية في الاتساع. فالمجرة الواحدة تضم مليارات النجوم، وتسبح في فضاء يكاد العقل يعجز عن تصور حدوده. ومع ذلك فإن القوانين التي تحكم هذا الاتساع المهيب هي نفسها التي تشهد على وحدة النظام الإلهي.
لقد كتبت الأديبة والباحثة المغربية فاطمة المرنيسي عن ضرورة تجاوز الرؤية السطحية للعالم إلى رؤية تكشف العمق والمعنى. والكون في نظر المتأمل ليس مجرد مادة ممتدة، بل خطاب رمزي مفتوح يحدّث الإنسان عن خالقه.
وعندما ينظر الإنسان إلى المجرات يكتشف ضآلة حجمه، لكنه يكتشف في الوقت نفسه شرف انتمائه إلى هذا الكون العظيم الذي أبدعه الله بحكمة وإتقان، فيريد بذلك التحفيز ان يترك اثرا يذكر به في التاريخ سواء كان ذلك فنا او قطعة شعرية او نثرا او كتابا. 
من أعظم ما يحرر الإنسان من أوهام الكبرياء أن يدرك أن خلق البعوضة وخلق المجرة سواء أمام القدرة المطلقة. 
فالله تعالى يقول: “مَا خلقكم وَلا بعْثكم إِلا كَنفس واحدة” [لقمان: 28].
 لا يختلف اثنان على أن التفاوت قائم في أعيننا نحن، أما بالنسبة إلى القدرة الإلهية فلا وجود لصعوبة هنا وسهولة هناك. فالذي أوجد الذرة أوجد المجرة، والذي أبدع الجناح الرقيق للبعوضة هو نفسه الذي أدار الأفلاك في مداراتها.
وتشير الفيلسوفة الألمانية حنة آرندت إلى أن الدهشة هي أصل التفكير. والعارف بالله يجعل من هذه الدهشة سلما للترقي الروحي؛ فيندهش من الصغير كما يندهش من الكبير، لأن كليهما يحمل ختم الصانع الواحد.
حين يفهم الإنسان مساواة الفعل الإلهي، يسقط عنه وهم التعالي. فكيف يتكبر من خلق من تراب، وهو يعيش في كون تحيط به أسرار لا تنتهي؟ وكيف يزدري مخلوقا صغيرا وهو عاجز عن الإحاطة بحقيقته؟
وقد عبّرت الأديبة اللبنانية مي زيادة عن هذا المعنى حين رأت أن المعرفة الحقيقية تبدأ بالتواضع أمام اتساع الوجود وغناه. فكلما ازداد الإنسان علما ازداد شعورا بحدود علمه.
إن البعوضة والمجرة تقفان على طرفي المشهد الكوني: واحدة في غاية الصغر، والأخرى في غاية الاتساع. لكنهما في الحقيقة تشتركان في أمر جوهري واحد: أنهما تجليان للفعل الإلهي الكامل.
فالعارف بالله لا يقف عند الأحجام، بل ينفذ إلى المعاني. يرى في البعوضة سر الحكمة، وفي المجرة سر العظمة، وفي كليهما سر الوحدة. وحينئذ يدرك أن الكبرياء لا يليق إلا بالله، وأن أعظم أبواب المعرفة هو التأمل في قوله تعالى: ﴿صنع الله الذي أَتقنَ كل شيء﴾.
ومن هذا المنطلق ذاته، كان اختيار هذا المقال للاستشهاد بأقوال وتأملات عارفات وفيلسوفات وأديبات ومفكرات، لا من باب المجاملة أو التمييز الإيجابي، بل من باب الوفاء لمنطق الموضوع نفسه. فإذا كانت القدرة الإلهية لا تفرق بين البعوضة والمجرة في مقام الإيجاد، فإن الفيض الإلهي في العطاء والعلم والحكمة لا يُحصر في جنس دون جنس، ولا في رجل دون امرأة. فالله تعالى يهب الفهم لمن يشاء، ويفتح أبواب المعرفة لمن يشاء، ويجعل الحكمة ضالة المؤمن والمؤمنة على السواء.
لقد شهد تاريخ الإنسانية والإسلام على السواء بنساء بلغن مقامات رفيعة في المعرفة والتفكير والذوق الروحي والإبداع الأدبي، فكنّ منارات تهدي العقول والقلوب. وإن استحضار أصواتهن في هذا المقام هو تذكير بأن القيمة الحقيقية للإنسان ليست في جنسه، بل في اجتهاده وصدق طلبه وسعة عطائه. فالسماء لا تمطر المعرفة على فئة دون أخرى، وإنما تتنزل أنوارها على القلوب المستعدة لتلقيها.
وهكذا، فإن مساواة الفعل الإلهي في الخلق تقودنا إلى الإيمان بمساواة فرص الترقي في مدارج العلم والمعرفة والقرب من الله. فمن جد وجد، ومن أخلص وصل، ومن طرق الباب بصدق فتح له، رجلا كان أو امرأة. وتلك سنة الله في عباده، وحكمة من حكم تجليه في هذا الوجود الذي تتنوع صوره وتتوحد أنواره في حضرة الواحد الأحد.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com