ماذا جرى حين وقفتُ في الطابور في رومانيا خلال عهد تشاوشيسكو؟
د. توفيق رفيق آلتونچي

الحشر مع الناس، عيد
سلوكيات الشعوب ترتبط بنظرية القطيع وهم لا يهتمون حتى للقسم الذي يقسمون فيه بالولاء للحكم، للوطن واحترام القوانين او حتى طاعة الملك او القائد فتراهم ينقلبون عليه وينسون “القسم”.
اما الشاذ فهو من يختلف عن مسير القطيع وما يسمى كذلك “السير ضد التيار” وهذا الأخير هو المحرك الأساسي للتغير في الطبيعة كذلك الريح التي تهب ضد التيار فترفع بالطائرة بعشرات الأطنان كالريش فوق السحاب.
الإنسان كائن اجتماعي يعيش في مجتمعات قطيع (The herd) وهذا يعني بان الفرد منقاد إلى قرار الجماعة ويطبقه دون تفكير او نقاش ما دام الكل ياتي بنفس السلوك اي التقليد الأعمى والانصياع دون نقاش. الحكمةً أعلاه (الحشر مع الناس عيد) ينتج منه العديد من الأخطاء واذا رافق قرار القطيع تنفيذ أوامر طاغية وتنفيذ دون اي تفكير ونقاش فذلك مأساة. نموذجً الانقياد إلى الأوامر والقتل الجماعي نراه بوضوح في مجموعة كتائب الإعدامات هؤلاء لا يشعرون أبدا بتأنيب الضمير.
الكلمة، القطيع تأتي من عالم الحيوان حيث يسير القطيع وراء الراعي (القائد) ويترك امره ومصيره لذلك القائد على أساس انه الأدرى بمصلحة الجماعة وإذا كان ذلك القائد ذو مكانة دينية ‘ يلبس عمامةً فان الاقتياد يتحول إلى واجب ديني كما هي عليه في عند جميع الطوائف الدينية
. كنت قبل اكثر من أربعين عاما وانا أتحضر لكتابة أطروحتي العلمية للحصول على شهادة الدكتوراه في رومانيا التي كانت آنذاك دولة اشتراكية بحاكم دكتاتوري أراد البقاء في الحكم مدى الحياة ( نيكولاي شاوشيسكو ( أقول كنت أحيانا أرى الناس واقفين في طوابير طويلة وكم من مرة ساقتني قدماي لا إراديا كي اقف في تلك الطوابير والمشاركة مع الجماعة همومهمً وكي احصل ربما على علبة نسكافيه او ما شابه بعد ان كانت الحالة الاقتصادية كارثية في البلد ولا اجد حتى علبة حليب لأطفالي . هذا السلوك في المشاركة في الوقوف في الطوابير اقتياد تطبيقي لنظرية القطيع اي الحشر مع الناس ،وفي هذه المناسبة أتذكر بان احد الواقفين في الطابور لاحظ باني اجنبي ومن الغرابة ان يقف الأجانب في الطوابير ،لأن لديهم إمكانيات مالية يتمكنون من شراء ما يحتاجونه من محلات خاصة بهم بالعملة الصعبة تسمى (شوپ) او من محلات خاصة للهيئة الدبلوماسية وعائلتهم ولم أشأ ان أحدثه عن حالي وظلم الدولة، الوطن لي فتبرع مقابل بعض النقود القليلة ان يقوم بالوقوف يوميا بدلا عني وهو المتقاعد الذي لديه الوقت الكافي وأصبحنا أصدقاء.

الأمثلة الشعبية التراثية وتطبيقاتها توجد في جميع الثقافات. السوء حين ينقاد الشعوب اليوم وراء افكار عنصرية متطرفة تكون الحرب نتيجة مباشرة لانتشار تلك الأفكار أينما نمت. تحارب البشرية التاريخية مرآة تعكس سلوكيات الشعوب المنقادة في الحروب والنزاعات غير الطوعية الاستثناء هنا فيما يسمى ب الجهاد الديني الذي يعتبره المرء عبادة وفرضا دينيا كما شوهد في حروب المسلمين والمسيحيين ابان الحرب الصليبية ويتبع اليهود هذه السياسة اي الجمع بين الحرب والنازع الديني لتقوية الانتماء إلى قرار القطيع ويشجع الناس على الانخراط في السبل والطرق والمسالك المنحرفة والخاطئة واتخاذ القرارات المصيرية والخاطئة. هنا يأتي دور الأعراف والأمثال؛
“انصر أخاك ظالما ان مظلوما”
وأخاك طبعا يجب ان يكون من ديانتك فقط. ورغم صحة الحديث النبوي إلا ان تفسير نصرة الظالم مختلف عليه. لان نصرة الظالم مرفوض تماما، ولكن معناه ها هنا هو تقويم الظالم واصلاحه. القطيع في هذه الحالة يمشي وراء رأي يتفق عليه اما مدى صحته فليس مهما لديه لأنه يكره الاختلاف والتميز والمختلف في جميع الأحوال بدعة والبدعة ضلالة. هذا القطيع يرى في المعارض عدوا وتعديا لوجوده ولذا يحاول دوما ان يقف مع الجماعة، حتى لو كانت الجماعة من الفاسدين واللصوص (حرامية) والقتلة المجرمين . هذا السلوك الجماعي يبرر انتخاب الفاسدين في جميع الأنظمة في جميع دول العالم.
الملاحظ لتاريخ العراقي السياسي الحديث يرى غيابا كاملا لمفهوم الكيان السياسي الموحد ،كما يرى صراعا مريرا من اجل الهوية العراقية التي تسمى أحيانا بالوطنية وأخرى بالقومية و التبعية ( العثمانية و الإيرانية) وهذا الأخير ملفت للنظر لأنه رغم انه يعتبر الوطن القاسم المشترك والأعلى للتكوين هذا الشعب إلا انه يقسمهم كذلك ،وجاء الفكر القومي لينشر فكرة ان هذا الشعب جزء من أمة كبيرة تسمى عربية وبهذا تم تشتت الشعب اي انّ الجزء الأكبر من الشعب هم من العرب او المستعربين، لانّ القوميات الأخرى غير العربية ليست ممن ينتمون إلى الامة العربية وبذلك تم تهجير الملايين إلى ايران. وتجمع الناس تحت تسميات الطائفة والعشائر وتعدد الانتماء القومي والعقائدي وغاب الوطنية.
. الآية الكريمة:
– كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ –
الجغرافية السياسية وتاريخ المنطقة والطائفية مسيطر ومهيمن على نفسية هذا الشعب وتركيب جميع كياناته السياسية وحتى إلى التركيب السكاني لجميع مدنه. لهذا يقود كل مجموعة او قطيع راعي ولا يحتاج هذا الراعي إلى اي أيدلوجية سياسية وأحيانا يحتاج إلى راية وبلون معين ورجلا ملتحيا لبق الكلام، معسول.
كما ذكرت سابقا ان الجموع تسير كالعميان وراء ذلك الراعي. اما هؤلاء ممن قادوا البلاد خاصة بعد إعلان الجمهورية فقد كانوا يحصلون على ٩٩٪من الأصوات ويذكر بان احد رؤساء الدولة سأل عن عدد المنتمين لحزبه فقال ١٠٠٪ من الشعب وآخر رفع عصا حزبية قائلا كل العراقيين ينتمون للحزب حتى وان لم ينتموا. الغريب ان التجربة المريرة التي عاشها العراق منذ إعلان الجمهورية إلى يوم الاحتلال وسقوط النظام عام ٢٠٠٣ لم يأت بأي سياسي عراقي يعرف قدر الوطن ويبتعد عن خيمته الحزبية والطائفية الضيقة، والاستثناء ها هنا تؤكد القاعدة.

هؤلاء من أسسوا المملكة العراقية الحديثة
رجال دولة العراق ومنذ تأسيس البريطانيين للمملكة وما جاء به من تقسيم وتخطيط لكيانات المنطقة عن طريق اتفاقية سايكس- بيكو الذي يتغنى به القوميون لحد اليوم والتي جلبت الويلات للشعوب الغير عربية وكانت كلها نتيجة الوعود التي قطعها البريطانيون للشريف حسين بإنشاء كيان عربي له ولعائلته والتي فشلت في سوريا فانتقلوا الى العراق والى المملكة الأردنية الهاشمية تماشيا مع الوعود لليهود بإنشاء كيان لهم في فلسطين. القادة هم مجرد يمثلون مجموعة معينة يقودون قطيعا بشريا يسيرون كالعميان ورائهم. وهذا ما تمً عكسه لاحقا علىً تكوين الجمعية الوطنية وبات سنّ القوانين مرتبط مباشرة بأغلبية طائفية ونفس طائفي لكن يطبق على الجميع. للتاريخ دولة الطوائف فاشلة أينما أسس لأنه يمثل الجزء وليس الكل.
لهذا نرى سهولة واضحة لجميع الأحزاب السياسية لقيادة المجاميع المسلحة وما يسمى الميليشيات وكل جماعة جمع مجموعة مسلحة تنصاع إلى قرارات القائد الديني والسياسي. وهذه الطريقة قديمة استخدمها النازيون والفاشيون والشيوعيون كذلك وهي تركيبة عصابة كما عليها المافيا ومعظمهم يعيشون من الرواتب التي يدفعا ذلك الفصيل السياسي او الدولة لهم وينفذون دون نقاش قراراتهم في القتل والتنميل والارهاب وهناك تسميات لهم كثيرة الحرس القومي، الجيش الشعبي، الفصائل ، الصحوة، العصائب، أنصار الاسلام، المقاومة الشعبية، قوات…، المقاومة الإسلامية ، الحشد الشعبي ( يتجمع تحت رايتها العديد من الفصائل المسلحة)، الحرس الثوري، كتائب سيد الشهداء، الجناح العسكري لمنظمة بدر، داعش، كتائب حزب الله واخرون كثيرون. الاستثناء في قوات البيشمركة فهم ليسوا تابعين لفصيل او حزب او طائفة وحتى قومية وعقيدة لان تركيبهم كقوات تحمي مصالح الشعب وانطلقت من رحم شعب كوردستان ونضاله عبر العقود دون اي قرار من جهة معينة ففيها؛ اكثرية كوردية تابعة لجميع الأحزاب ودون اي استثناء، ( قومية، إسلامية واشتراكية) ، وهناك فصائل توركمانية كانت تحت قيادة السياسي العراقي المرحوم عزالدين قوجه وه وفصائل من البيشمركة من المسيحيين وكذلك قوات الأنصار التابعة حصرا بالحزب الشيوعي العراقي وهم من ابناء كافة قوميات وعقائد الشعب العراقي. وهي اليوم قوات نظامية تابعة لوزارة الدفاع تحت تسمية قوات الحدود العراقية وتسليحها حكومي. كنت قد اشرت إلى الخارطة السياسية العراقية عشية الانتخابات العراقيةً إذا اجريت في وقتها المحدد و المقبلة في مادة سابقة:

كنت قد أشرت إلى أسس التقسيم السياسي للشعب العراقي وهي على الأكثر نفسها حين دراستنا تتكون من المجاميع البشرية ذي الانتماءات التالية:
اولا:
الدين والعقيدة الطائفة الشيعية الأكبر عددا ترضخ أبناءها بالكامل إلى سياسة التقليد للمرجع الديني ويعتبر من ناحية المنهج السياسي الرأسمالي الديني دون نقاش اي المرجعية هم الأدرى بشؤون الطائفة. هذه الطائفة مهما كانت تفرعاتها فلها قاسم مشترك اعلى وهو المرجعية الدينية وولاية الفقيه المنقسمة اليوم بين الولاء بين مرجعية النجف الأشرف في العراق والمرجع الأعلى في مدينةً قم في ايران. هذه المجموعة تعتبر الأكثرية عدديا والسهلة الانقياد دائما لوجود عصا “راعي واحد ” الطاعة العمياء ودونً اي نقاش للقطيع ولا جدال لقرار نائب او ظل الامام على الارض اي المرجعية الدينية. كما ذكرت في مادة سابقة هذه الطائفة يمثلها اكثرية من القومية العربية ومن ثم الأكراد والتوركمان.
ثانياً:
حملة الفكر القومي هذه المجموعة متغيرة والأكثر مرونة من الناحية الأيديولوجية ففيها اكثرية سنية وبانتماء قومي وديني وعشائري. تتمركز هذه المجموعة في النصف الشمالي من العراق، الديلم على خط الرمادي بغداد خانقين وشمالا. هولاء تاريخيا شاركو في جميع الحكومات المتعاقبة حتى عام ٢٠٠٣ وبقوا دوما اوفياء للخط الذي رسمه الاستعمار البريطاني (راجع تاسيس العراق في اتفاقية سايكس بيكو) وتحت جميع الحكومات المتعاقبة والقيادات. هذه المجموعة صعبة القيادة ولكنها تعتبر اسهل في اقليم كوردستان لوجود الحزب الديمقراطي الكوردستاني ذو التاريخ السياسي والقيادة الثابتة القومية من ناحية والكوردستانية الشاملةً من ناحية اخرى لكون شعب كوردستان ذو تكوين قومي، ثقافي وعقائدي تعددي ولا يجوز تمثيلها عن طريق فكر قومي واحدة.* اما السنة منهم يقودهم فكرين أساسيين نابعين كذلك من التجربة السياسية العراقية القومية العربية بجميع تفرعاته الناصرية و العراقية العفلقيةً ( من مسيحيي سوريا) من ناحية والدينية السنية من ناحية اخرىً والانتماء إلى المذهب الحنفي القريب من المذهب الرسمي للدولة العثمانية في الانتماء إلى مذهب الامام ابو حنيفة النعمان.
هؤلاء السنة لا يقودهم قائد ديني معين اي لا يقلدون اي رجل دين وجل ما لديهم هو “الوقف السني ” كمؤسسة دينية لها تقاليدها العثمانية التي تبقى قراراتها غير ملزمة بالكامل واستشارية. لهذا سياسيا هذه المجموعة متفرقة وفيها اكثرية كوردية ، عربية ووتركمان. العديد ممن يتهمون بالانتماء إلى البعث لا يزالون في هذه المجموعة وهم عاطفيون يحلمون ب العودة وإنشاء دولتهم القومية الموحدة العاطفية رغم فشلها الذريع نموذجيها المصري والسوري. لم ولن يتمكن الفكر القومي فهم تركيب الشعب العراقي التعددي لان أفكاره مستوردة وليست نابعة من فكر عراقي وطني يحترم تكوين شعب العراق. هذا ما جعلهم يعادون الشعب العراقي مع استلامهم للحكم وتعريب المجتمع تحت راية أمه عربية واحدة.
ثالثاً :
مجموعات اخرى هذه المجموعة الأكثر انقساما في التركيب السياسي للبيت العراقي وهم غير موحدين، بل منقسمون تحت راية عقائدهم وقلة عددهم ويعتبر المسيحيون الأكثر عددا فيهم ويقودهم الفكر الديني الطائفي ومن ثم الايزيدون والشبك المندائيون الصابئة وجماعة الكسنزانين والنقشبنديين وأهل الحق والكاكائيين واليهود ومجاميع صغيرة من حركة البيئة و الزرادتشتيون ومجاميع صغيرة ملكية التوجه يحلمون بعودة الملكية للعائلة الهاشمية وكان آخرهم المرحوم الشريف علي بن حسين* وهم قلة اخرى.
آخر مجموعة والأسهل انقيادا لان أعضاء هذه الجماعة من الحزبين العقائديين ولم يتركوا افكارهم منذ تأسيس حزب الشيوعي العراقي ورديفها أ الكردستاني. هذه التركيبة الموزايك ستبقى ثابتة ولا تتغير حتى وان كان هناك من يدعي اليوم ان عودة الدكتاتورية قد توحد القطيع والسؤال يتكرر وهل كان القطيع موحدا ايام الدكتاتور؟
لماذا لا يفهم رجال الدولة ومنذ تأسيس الدولة العراقية هذا التركيب مكررين الأخطاء تلو الأخطاء مع العلم يرون بان أعينهم مصير الأسلاف؟
السويد
٢٠٢٥
إشارات :
المرحوم الشريف علي بن الحسين (١٩٥٦ – ٢٠٢٢) سياسي عراقي، وابن خالة ملك العراق المرحوم فيصل الثاني الذي استشهد في الانقلاب عليه عام 1958 . من مواليد العاصمة بغداد والده الحسين بن علي، ووالدته الأميرة بديعة بنت الملك علي بن الحسين الأول، وهي خالة الملك فيصل الثاني. تزعم الحركة الملكية الدستورية التي كانت أحد أحزاب المعارضة العراقية في الخارج، قبل أن تعود إلى العراق ثم تغير اسمها عام 2010 إلى الحركة الدستورية، وتتحد مع الائتلاف الوطني العراقي. *
الحزب الديمقراطي الكوردستاني أسس عام في 16 آب عام 1946 بقيادة زعيم الأمة الخالد المرحوم الملا مصطفى البارزاني في البداية كان اسم الحزب هو (الحزب الديمقراطي الكردي) ولكن في المؤتمر الثالث بتاريخ 26/1/1953 المنعقدة في مدينة كركوك، تقرر تغيير الاسم إلى الحزب الديمقراطي الكوردستاني كي يشمل تحت جناحه جميع ابناء شعب كوردستان بعيدا عن التعصب القومي.
نظرية القطيع ( The herd)؛
هي ظاهرة نفسية واجتماعية تصف ميل الأفراد في جماعة إلى اتباع سلوك أو معتقدات الآخرين دون تفكير نقدي أو تقييم منطقي، بدافع الخوف من العزلة أو الحاجة للانتماء، وهي مستوحاة من سلوك الحيوانات في قطعانها لكن معظم الناس يظنون أنهم أحرار، لكن الحقيقة أنهم يتحركون كما يتحرك القطيع، خطوة بخطوة، بلا وعي. بدأ من عالم النفس “غوستاف لوبون” الذي كتب قبل أكثر من قرن: تختلف سيكولوجيا الفرد في الجمهور عن سيكولوجيا الفرد المنعزل. نفسية الجمهور هي، بالطبيعة، لاشعورية. لا يمكن التأثير في الجمهور إلا بالخيالات، لأنه لا يفكر إلا بالخيالات؛ لا يفهم بالتالي الفكر العقلاني والمفهومي. الخيالات لا بد أن تكون مثارة بالاستعانة بالمنطق الساذج. حين يذوب الفرد في الجماعة، يتنازل عن عقله ويستعير عقل القطيع. هناك تجارب علميةً تثبتً هذا التوجه ففي تجربة “آش” الشهيرة ، 75٪ من الناس غيّروا رأيهم الواضح لمجرد أن الأغلبية قالت العكس. فيما أطاع الأمر في تجربة اخرى القطيع الأوامر حتى أوامر القتل. عالم اعلم النفس الحديث النمساوي سيغموند فرويد يسمّى سلوك الفرد في القطيع:انصهار الأنا ( Ego). الفيلسوف فردريك نيتشه” حذّر من أخلاق القطيع التي تقتل كل تفرّد رغم انه كان يومن بقيادة الرجل الخارق الذي مهد للدكتاتورية النازية وصعود هتلر كقائد للقطيع. يقول غوته: «لا شيء أكثر إثارة للاشمئزاز من الأغلبية: لأنها تتكون من قلة من الأسلاف الأقوياء، ومن الأوغاد الذين يتكيفون، ومن الضعفاء الذين يخضعون، ومن الجموع التي تقلد دون أن تعرف على الإطلاق ما تريده.» بمعنى أن ما يسمى بـ”رأي الأغلبية” ليس بالضرورة معيارًا للحقيقة أو الحكمة. فالأغلبية، في نظر غوته، خليط غير متجانس: قلة لها قوة السبق والتأثير، والبقية إمّا تتلون خوفًا، أو تخضع عجزًا، أو تقلد بلا وعي. في علم الاجتماع يُسمى هذا بـ ديناميكية القطيع (Herd Mentality)، حيث يتخلى الأفراد عن عقولهم المستقلة ليتبعوا الصوت الأعلى أو الاتجاه الأكثر شيوعًا. أما في الفلسفة النقدية، فهي دعوة إلى تحرير الذات من سطوة الكثرة، والتفكير بعقل فردي قادر على إدراك ما وراء ضوضاء المجموع. إنها رؤية قاسية وصادمة: أن الأغلبية ليست ضمانًا للعدالة أو للحق، بل قد تكون أداة لتكريس الرداءة. ومن هنا تصبح مهمة المثقف والمفكر ليست إرضاء الجمع، بل مقاومة الانقياد الأعمى وصون العقل من ذوبانه. في “الرأي العام”.
















































