بإعلام غائب دولياً.. المغرب يسمح للأعداء بكتابة قصته المخدومة!

1 أكتوبر 2026
بإعلام غائب دولياً.. المغرب يسمح للأعداء بكتابة قصته المخدومة!

د. عبدالرحيم أريري

كاتب وإعلامي من المغرب 

في لقاء سابق جمعني مع نبيل بنعبد الله، لمّا كان وزيرا للاتصال على هامش ورشة احتضنها فندق رويال منصور بالبيضاء آنذاك، قلت له: “بإمكانك السيد الوزير كمواطن مغربي أن تقتني جريدة «نيس ماتان» الفرنسية بـ 7 دراهم، و«نيوزويك» الأمريكية (النسخة العربية) بـ 12 درهما من الكشك الموجود بجوار الفندق بشارع الجيش الملكي بالبيضاء، علما بأن الجريدة الأولى تباع في فرنسا آنذاك بـ 13 درهما، بينما المجلة الثانية تباع باللغة الانجليزية في أمريكا بـ 100 درهم.

أجابني بأنه يتوصل بالجرائد بالوزارة ويجدها فوق مكتبه.

 قلت له: “هذا هو السبب الذي يجعل الحكومة لا تعرف تفكيك معادلة الحضور الإعلامي المغربي. إذ أن المواطن الفرنسي يقتني الجريدة في مدينة «نيس» بضعف المبلغ مقارنة مع ذاك الذي يقتنيها بالمغرب، بينما المطلوب منطقيا هو أن تباع تلك الجريدة بالمغرب بثمن مضاعف، لأن الثمن الأصلي بفرنسا يتعين أن تضاف له كلفة النقل الجوي والتوزيع المحلي وهامش ربح مالك نقطة البيع بالمغرب، فإذا العكس هو الذي يحصل.

أما في الحالة الأمريكية فالوضع أكثر إثارة، لأن النسخة العربية من «نيوزويك» (حينما كانت تصدر وتوزع ورقيا بالمغرب)، فهي تباع مترجمة إلى العربية بـ 12 درهما فقط، والحال أن ثمنها الأصلي (100 درهم)، يجب أن يضاف له ثمن الترجمة والنقل والطبع والتوزيع بمختلف دول العالم العربي.

لما سألني الوزير بنعبدالله عن السبب، قلت له إن هذه الدول لها أذرع مؤسساتية تابعة لوزارة الخارجية (وكالات التعاون أو صناديق وحسابات عمومية)، تتوفر على ميزانية مهمة مخصصة لدعم انتشار وحضور صحافة بلدانها في العالم بثمن بخس، وتتولى هذه الأذرع المؤسساتية تسديد الفارق (الخسارة) للشركات الناشرة أيا كان توجهها (يميني، يساري، مسيحي…إلخ)، فالمهم أن يتم توسيع إشعاع هذه الدولة الغربية أو تلك بمختلف بقاع العالم.

 عقب علي الوزير متهكما: “هل تريد من الحكومة المغربية أن توزع صحفكم كناشرين في فرنسا وأمريكا؟”

 أجبته: «لا يا سيادة الوزير، أريد فقط أن تتدخلوا لضمان توزيع الجرائد المغربية في ضاحية البيضاء التي يقطنها حوالي مليون نسمة من طماريس إلى أولاد حميمون، مرورا بدار بوعزة وأولاد عزوز وبوسكورة وتيط مليل وعين حرودة، لأن هذه الضاحية لا تتوفر سوى على 5 نقط بيع للصحف بمعدل نقطة بيع لكل 200 ألف نسمة. فأنتم فشلتم في تقريب الصحف للمغاربة بالعاصمة الاقتصادية، فأحرى أن تقربوها بالخارج.. فمغاربة المهجر (حوالي 5 ملايين نسمة) الله وحده العليم بتعطشهم لهذه الجريدة الورقية أو تلك».

استحضرت هذا النقاش مع الوزير نبيل بنعبد الله، وأنا أتابع اليوم حملة التشويه الإعلامي التي يتعرض لها المغرب في أكثر من بلد غربي وما يروج عن بلدنا من خرافات ومعطيات مغلوطة وأنباء مسمومة وروايات مخدومة (نموذج إسبانيا وفرنسا مثلا)، دون أن تتمكن اي مؤسسة إعلامية مغربية واحدة (أيا كان اصطفافها: سواء كانت مع الأصوليين أو مع التقدميين أو مع “الدوماليين” أو كانت رسمية)، من التواجد بهذا البلد الأوربي أو ذاك، لجعله تحت الأضواء الكاشفة وتفكيك منظومته وتأزيم خطاب سياسييه ولوبياته بمثل ما يفعلون مع قضايا المغرب، علما أننا الأكثر مشروعية في الحضور هناك، بحكم وجود 5 ملايين مغربي بالمهجر، أغلبهم بدول أوربا الغربية التي تحرك ماكينتها الإعلامية “المخدومة” ضد المغرب وفق مصالح دولها.

ليس هذا فحسب، بل سمحت لي متابعة أشغال دورات عديدة لمجلس حقوق الإنسان بجنيف، بالوقوف على الغياب التام لاعتماد الإعلام المغربي هناك بشكل دائم (سواء الإعلام العمومي أو الخاص أو الحزبي)، علما أن جنيف تعد أهم عاصمة أممية بالعالم، حيث تطبخ الملفات ضد المصالح الاستراتيجية للمغرب.

 ففي هذه المدينة السويسرية التي تأوي معظم الوكالات الأممية، نجد أن عدد الصحافيين الأجانب المعتمدين لديها يصل إلى 300 صحافي، جلهم من الدول الغربية، ولا يوجد ضمنهم أي مغربي يمثل مؤسسة صحفية (اللهم ممثل واحد لوكالة “لاماب”!).

 ولكم حز في نفسي أن أعاين استمرار تلكؤ المسؤولين المغاربة في تسهيل الحضور الإعلامي في الخارج، خاصة في العواصم والمدن التي يصنع فيها القرار الدبلوماسي والحقوقي والمالي عالميا (باريس، جنيف، لندن، نيويورك، بروكسيل، هونغ كونغ، برلين…إلخ).

 فباستثناء  وكالة المغرب العربي«لاماب»، التي تكون ممثلة عادة في بعض الدول بصحافي واحد وأوحد و«أعزل»، نجد الفراغ التام وغياب كلي لأي مؤسسة إذاعية أو تلفزية أو صحفية مغربية (ورقية كانت أو إلكترونية)، نتيجة الكلفة الباهظة لاعتماد صحافي أو أكثر لدى هذه العواصم والمدن الغربية(كراء مكتب كمقر، سكن، أجرة، ضرائب، إلخ..).

 وهذا ما يفسر لماذا لم يفلح المغرب في أن يكون له موطئ قدم، ليس في توجيه الرأي العام الدولي أو التأثير في مجريات الأمور، ولكن على الأقل حضور الصحافة المغربية بكثرة وطرح الأسئلة في الندوات واللقاءات وتسليط كشافات الضوء على البؤر الاجتماعية الملتهبة من داخل تلك الدول، والحرص على مواكبة وتغطية المنتديات الدولية ومحاورة قادة العالم وصناع الرأي العام، سيساعد على خلق الإحراج وإسماع الصوت المغربي ولو من زاوية إعلامية.

 فهل من آذان تسمع ومن مؤسسات تلتقط الميساج؟!

مقال خاص بصحيفة قريش – لندن 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com