ترجمة : سعيد بوخليط

تقديم : صدر كتاب ستيفاني غوناند عن مدام دي ستايل :”جيرمين دو ستايل،ثمن الحريّة”(منشورات بيران،2026)،بحيث تقترح إعادة قراءة مسار فكر دي ستايل كوجه بارز على مستوى الحياة الفكرية الأوروبية.
ستيفاني غوناند أستاذة الأدب الفرنسي للقرن الثّامن عشر في جامعة باريس،وإحدى قدامى طالبات المدرسة العليا للأساتذة في فونتيناي ومبرّزة في الآداب الحديثة، لكنّها عرفت أساسا بتخصّصها في تراث شخصيتين هما: جيرمين دو ستايل و ماركيز دو ساد.
هكذا أنجزت حول ماركيز دي ساد عملا سيريا صدر عن غاليمار سنة (2018)، ثمّ دراسات عن مدام دي ستايل،منها : ”الغرفة السوداء،جيرمين دو ستايل والفكر السلبي”(2017) ، ”أنس الليل” (2022) ،”أبجدية جيرمين دي ستايل”(2023).
ترأّست خلال سنوات (2015–2024)”هيئة الأبحاث في دي ستايل” وأشرفت على منشورات انصبت مضامينها على كتابات دي ستايل.
س- ولدت جيرمين دي ستايل سنة 1766، جسّدت وحدها صورة الكاتبة، والمثقّفة والمسؤولة عن صالون أدبي خلال القرن الثّامن عشر، وبمثابة رمز مهمّ من رموز الرّومانسية والفكر اللّيبرالي بحيث يستمرّ أثرها وانخراطها السّياسي في ممارسة سحرهما. راكمتِ منذ خمسة عشر سنة أبحاثا انصبّت على تراث دي ستايل : فما الذي استمالكِأكثر بهذا الخصوص؟ وما المكان الذي تشغله دي ستايل ضمن تطوّركِ الذّهني؟
ج-عندما اكتشفتُ أعمال دي ستايل 2010، انجذبتُ منذ الوهلة الأولى لقوّة تحليلها : امرأة خبرت وقائع سياسية مثيرة وأحداثا قوية دون التّنازل قط عن تمرين فكرها.بالعكس، سعت إلى الاستدلال على كلّ شيء، حتى وإن عملت مبدئيا منظومة القائم على كبح تأويلاتها: الخسارات، الحاضر، الألم، الأسرة،ثمّ مشاعرها الخاصة أو دلالة كونها فرنسية. استأثر باهتمامي أكثر إلحاح تبصّرها، فازداد تطلّعي نحو تراث مسار ”اشتغل عند العتبات” : كتبت مدام دي ستايل مؤلّفاتها وعاشت عند حدود عدّة دول، وأجناس متباينة، ونماذج مختلفة عَبَرتها بانتظام، مما جعلها خارج إطار التّصنيف. أعجبتُ منذ البداية بشجاعتها الفكرية وجرأتها على الانعتاق. تزامن هذا الاكتشاف مع بلوغي حقبة النّضج على المستوى الشّخصي وكذا الحياة المهنية، لذلك أرست حميما قيم مدام دي ستايل،وأفكارها بل وكلماتها نفسها معالم بناء تكويني. أمدّتني كتبها بثراء، وأضاءتني غاية هيكلة مجمل فكري ووجودي، وإن اجتهدت على مستوى مراعاة مسافة نقدية نحو دي ستايل.
س-ماهي بحسبكِ، الأفكار الكبرى وكذا القيم التي دافعت عنها جيرمين دوستايل؟ وإذا اقتضى المقام استعادة أحد نصوصها، فأيّها تختارين ولماذا؟
ج-تدعو نصوص دي ستايل إلى الحرّية، صفاء الذّهن والشّجاعة. بل تمثِّل بالنّسبة إليّ مختبر استبصار: يلزم الإبقاء على العيون مفتوحة ونستسيغ بأنّنا لسنا كائنات عقل، بل المشاعر قصد النّجاة من أشكال الاستلاب التي تهدّدنا عبر مختلف الجهات من خلال مؤسّساتنا السّياسية، عائلاتنا، قنواتنا الاجتماعية، علاقاتنا الثّنائية. يملي الاهتمام، الطّموح، الأنانية أغلب تصرّفاتنا ويستدعي الأمر العيش أوّلا بطريقة حرّة كي ندرك بوعي أوجه قصورنا. بمجرد استساغة معطيات هاته الهشاشة – تجرح باستمرار كبرياءنا، وتسليط الضّوء عليها يثير هجومات أو رفضا- يمكننا رسم حافة ضيقة، نمضي وفقه قدما بين عثرات فردية وجماعية تهدّدنا بالتّحطيم.تعتبر حرية دي ستايل في الوقت نفسه رفيعة وهشّة: توازن محفوف بالمخاطر يتطلّب يقظة خلال كل لحظة. أستحضر من بين مختلف نصوص مدام دي ستايل اللاّفتة للنّظر، كتابها: ”تأثير الانفعالات على سعادة الأفراد والأوطان”(1796) الذي ألّفته خلال فترة لم تتجاوز سنة واحدة بعد الرّعب النّاجم عن سياق الثّورة،تضع أطروحات الكتاب دون تساهل أمام المعاصرين مِرآة بخصوص الانفعالات التي تنغمس بهم في الشّقاء دائما باعتبارهم كائنات بشرية وكذا مواطني جمهورية فتيّة. نستشفّمن خلال ذلك بصيرة مدام دي ستايل، فلسفته الأخلاقية، مفهومها الحديث للذات، المهمومة بشكل واضح، المتمرّدة عن كل مرجعية يقينية أو الانقياد خلف مشاعر مندفعة.
س-كيف أمكن جيرمين دي ستايل التّوفيق بين الحرّية الشخصية والالتزام السّياسي،خلال حقبة لم تترك غير مكان صغير جدّا للمرأة؟
ج-استفادت دي ستايل من وضع غير نمطي : فقد كانت الفتاة الوحيدة لعائلة نيكر،هكذا عاينت منذ شبابها شخصيات تنتمي لأعلى دوائر السلطة.بدت شغوفة أكثر بالوظائف الوزارية لأبيها،بحيث لم تنصرف خلال تربيتها،عن عالم السياسة.استلهمت من أمّها،سوزان نيكر،جملة مبادئ ضمن وجهة مغايرة عن التي طوّرها روسو في كتابه”إيميل”،بمعنى الاطّلاع على مجالات معرفية متعدّدة،ومجالات أقلّ نسائية خلال تلك الحقبة كما الشّأن مع السّياسة.هذا مايميّز فرادة طفولة وكذا وضع أرسيا سبيلا لمدام دي ستايل كي تشغل موقعا طبيعيا ضمن المشهد السّياسي،وإن افتقد ذلك لأيّ شرعية مجتمعية.مدام دي ستايل،وفق مفاهيم أخرى منحت نفسها حقّ التّفكير في الحياة العمومية ورهانات الدّيمقراطية الدّستورية أو الاجتماعية،بينما يهاجم الفضاء المجتمعي والإعلامي بعنف الاقتحام أو الخلل الشّاذ الذي جسّدته.هكذا حظيت دي ستايل بوضع موقعا لم يمنحه قط إيّها أيّ شخص.
س-هل يمكن القول بأنّ مدام دي ستايل جعلت من الجرأة نهجا سلوكيا وتقريبا ضرورة وجودية؟
ج-نعم يخبرنا كلّ شيء في حياة وكتابات دي ستايل،بما يلي :”يلزم التّجَرّؤ”. التّجَرّؤ في مواجهة أشكال الرّقابة العائلية، الأحكام القَبْلية، الأعراف، لكن يلزم الانتباه: تقتضي الجرأة غالبا ثمنا مُكَلِّفا على مستوى السّعادة، بل والطّمأنينة. تبرير جعل دي ستايل تضع دائما بجانب دعوتها التحفيزية لاسيما إلى النّساء قصد التحرّر، تنبيهها القائل: هذه وجهتي، وقد بادرت بشجاعة نحو استتباب الخطوة الأولى. إذا قررتنّ اقتفاء أثري، فتذكرنّ بأنّ السّفر صعب جدا، مؤلم، وهناك مجازفة بعدم العودة.
س-نعلم جميعا معارضة جيرمين دي ستايل للإمبراطور نابليون. مامصدر هذا الصّراع: اختلاف سياسي، تصوّر للحرّية، علاقة مع السّلطة؟
ج-طبعا يعتبر الوازع السّياسي، باعثا مبدئيا للصّراع بين دي ستايل وبونبارت: بالنسبة لدي ستايل،فقد خان بونبارت الحريّة وإرث الثّورة الفرنسية بل الأسوأ من ذلك أرسى نظام حكم غير أخلاقي استند على التّرهيب،التّمويه والمصلحة. تواري المصلحة العامّة أمام زحف الأنانية، تحديدا سنة 1804 عندما أسّس نابليون محكمة عليا وبالتّالي سيادة إذعان خطير متخلّف عن العصر.جريمتان سياسيتان، جعلتا الإمبراطور مذنبا في نظر دي ستايل :الاستبداد والاستخفاف. ماتسمّيه تقييمات إشارة السّياسة الحديثة ب”الميكيافيلية”.
س-انتهت دو ستايل إلى رحلات المنفى نتيجة معارضتها لنابليون.ماالوجهة التي أخذها فكره في خضمّ تلك التّجربة؟هل شكّلت فقط تجربة،أو أيضا مصدرا للحريّة الذّهنية؟
ج-استمرّت سنوات منفى دي ستايل إحدى عشر سنة (1803- 1814). تدرّج بالتّأكيد هذا العقاب عبر مستويات، مُنِعت بداية من البقاء في باريس، ثمّ انتقل القرار كي يشمل بقاءها على امتداد كلّ التّراب الفرنسي. لازمها أوّلا وجع: الابتعاد عن أبيها وكذا فضاءات عزيزة عليها وبدا الوضع بمثابة محنة حقيقية عاشتها دي ستايل،التي تكره السّفر وظلّت امرأة جذور. خلال أسفارها تلك،حينما قرّرت البحث في الجانب الآخر من الحدود عن ماتفتقده فرنسا تحت سلطة نابليون،أي الحرية والفكر النّقدي وكذا الحوار، فقد توخّت انتزاع ذاتها من آلامها والانخراط في الاختلاف.دشّن اكتشافها ألمانيا سنة 1804،مرحلة مفصلية خلال مسارها الفكري. بعد سنة انتقلت إلى إيطاليا،فصارت رؤاها أكثر ثراء،ثمّ عبرت أوروبا،غاية روسيا والسويد عام 1812، فاكتشفت دو ستايل ثراء شمال أوروبا. صار هذا التّجوال وكذا إعادة النّظر في القوانين الفرنسية، مسألتين ضروريتين لم يعد قط بوسع دو ستايل الاستغناء عنهما: سواء فكريا -أنجزت دو ستايل أهمّ فصول كتاباتها خلال مرحلة المنفى-ولا نفسيا،بل وجوديا بحيث جعلها المنفى”أوروبية” أكثر من كونها فرنسية.
س-ما الصّعوبات التي واجهتكِ وأنتِ بصدد تدبيج هاته السيرة الذاتية لجيرمين دي ستايل؟
ج-يجيب سؤال كتابة سيرة ذاتية على حلم إضافة رؤية جديدة إلى حدّ ما عن حياة الشّخصية :سواء باستنطاق أرشيفات تكتشف لأوّل مرّة،أو بالاعتماد على منظور مختلف. والحال أنّ حياة دي ستايل طرحت أمامي صعوبتين: لقد تحدّثت دي ستايل كثيرا عن طفولتها وكذا شبابها،هكذا تراكمت بين يديّ عدّة نصوص سردية وكذا جملة وثائق حول دي ستايل. لقد أدركت دوستايل بسرعة قابلية حياتها للجمود نتيجة قبضة قوالب نمطية : شهرة أبويها، شكلها الذّميم، ثم معارضتها نابليون.هكذا توارت حياتها تلك خلف الأساطير والكلمات. إذن، سعيتُ بكلّ فؤادي إلى إزالة طابع التحجّر عن وجودها : انتزاع دي ستايل من روايات المعطيات السابقة كي أعيد لها طراوتها وإن استطعت مكمن حقيقتها.منظور نسائي يتجنّب أيضا بعض عثرات حيوات النّساء : مثَّلَت دو ستايل خلال كل حقبة،هدفا لهجومات عنيفة تكره النّساء،بالتّالي ينبغي أن ننظر حاليا بعين الاعتبار سواء بحياد أو تعاطف إلى تحدّيات اختياراتها الاستثنائية.
س-ماهي الخلاصة التي انتهيتِ إليها على ضوء مستجدّ سيرتكِ حول مدام دي ستايل؟
ج- توخّيت أن أجعل من دي ستايل ذاتا أكثر من موضوع.أفق يفترض الابتعاد عن السّرديات التّقليدية قصد الاصغاء إلى كلماتها الخاصة واكتشاف تحليلاتها الشّخصية. جدير بدي ستايل، عبر صفحات كتابي،ليس فقط أن تشغل موقع المركز،بل الوعي الذي من خلاله يجري أمامنا التّاريخ والوقائع. يقتضي بشكل ملموس،هذا الاختيار تمييز كلماتها، عباراتها وكذا فهمها، بالعمل على التّفكيك الكلّي للتّأويلات الجاهزة التي تقيّد هذا الوجود.لقد شكّل التّبئير الحميمي وتقويض القوالب رهانين انطلقتُ منهما كي أجعل هذه المرأة المذهلة تعيش تحت أنظارنا.
س-لماذا اليوم إعادة قراءة جيرمين دي ستايل؟ماذا بوسع كتاباتها تقديمه للأجيال الشابّة؟
ج-قراءة دي ستايل اليوم ضرورة ليس فقط على مستوى تحليلها السياسي الذي يسلط الأضواء على تحدّيات الدّيمقراطية، بل وضعها المعتدل، ضمن وجهة معاكسة لأشكال التطرّف،يساعد أيضا على فهم التّوتّرات التي تمزّق مجتمعنا.قدّمت دو ستايل أيضا مِرآة نسائية متداخلة لاسيما بالنّسبة لمن يفكّرن ويفكّرون في عبء الأعراف وكذا الأحكام والتصوّرات الجاهزة. أخيرا، يذكّرنا بالخطر مديح دي ستايل لوجهات الأماكن الأخرى وكذا الثّقافات المتعدّدة،لكن أيضا السّلطة التّضليلية للأسوار التي توطّد بين المجموعات البشرية وكذا الأوطان.
* مرجع الحوار :
Napoleon.org : Mai 2026
ثانيا : مدام دوستايل والنّقد الأدبي
نعرف مدام دوستايل أكثر من خلال كتابيها ”الأدب في علاقته بالمؤسّسات الاجتماعية”(1800) أو ”ألمانيا”(1810)،ثمّبشكل أقلّ عملها ”حول الخيالات”(1795)، واكتشفنا باهتمام أكبر باقي كتابات النّقد الأدبي لمدام دي ستايل،عبر مضامين صفحات أجزاء جميلة للغاية انصبّت على مجمل أعمالها(ثلاثة أجزاء) ،الصّادرة عن ”أونوريه شامبيون”تحت إشراف ستيفاني غوناند.منذ العمل التّأسيسي لسيمون بلايي،انتظر النّقد الأدبي طبعة جديدة عن كتابات دي ستايل التي اشتهرت بتجربتها الكبيرة انطلاقا من منفى قصر كوبيه(المَعْلَمَة السويسرية التّاريخية الشّهيرة) : لكن من الآن فصاعدا تحقّق هذا السّعي ونجح المشروع بكيفية جيّدة وفق أقلّ تقدير.نعم،استطاع فريق اشتغل تحت إشراف ستيفاني غوناند، بناء على صرامة علمية كبيرة،من إعادة استعراض المسار الفكري لمدام دي ستايل،القارئة الكبيرة لكتابات أجنبية استُثمرت خلال حقبتها من أجل إثراء دائم للأدب الفرنسي.
سيكتشف المهتم الهاوي بفكر دي ستايل مزيّة مهمّة من مزايا هاته المجلّدات،أقصد مسألة ”التّمازج الأدبي” عند مدام دوستايل،لاسيما تنوّع النّصوص (تقارير،مقدّمات، مقالات، دراسات أو إشارات سيرية) الصّادرة غاية الآن تبعا لإيقاع اكتشافها، غالبا عبر أعداد مجلة”دفاتر دي ستايل”، ولم يتم تجميعها وشرحها بهدف تحديد شكل للسّيرة الذّاتية الفكرية ذات الخطوط المتقطعة،حيث النّصوص التأويلية لمدام دي ستايل صاحبة رواية”كورين” تجسّد مرآة لحياتها المضطربة والصّاخبة.
*حرّية الفكر :
يوحي التّقديم العام لستيفاني غوناند بالنّبرة التّالية : إن بدت أجزاء هذا الإصدار غير متجانسة،و”جاورت بين المَعْلم التّذكاري وكذا الشّذرات ”،فلأنّه يعكس”تعدّدية” وكذا”حركة” فكر امراة استثنائية،تحفّزها ”رؤية ليبرالية للأدب”.الحرية هي فعلا الكلمة المفصلية قصد تعريف بجمالية دي ستايل ويلزم الإقرار أيضا بحرية داخل هذا المجلد،بناء على مؤشّر كثيف وثريٍّ ثمّ فروع محدّدة بوضوح،بحيث تمنح طبيعة ”الإعداد”جوهر المعرفة السير- ذاتية،السياقية والثّقافية الأساسية قصد تذوّق هاته الفسيفساء حول نصوص نقدية وكذا استيعاب بشكل أفضل ضمن منحاه الكلّي الوجه النّقدي المتداخل لمدام دي ستايل.يلغي مبدأ الانفتاح الذي نستشفّه مع كل سطر لنقد مدام دي ستايل،سلطة الاستعباد لدى بونبارت،من خلال الفصاحة واستمرار الزّخم المتجدّد نحو المعرفة.يتعلّق الأمر،مثلما تذكّرنا ستيفاني غوناند،بفتح النّقاش وفق إطار”نقد يراعي خطاب الآخر”.تمتدّ هذه النّزعة الإنسانية لمدام دي ستايل بنقاش الصّالون الأدبي وجهة فتح حدود الذّكاء أمام أوروبا الرّومانسية.
*أصالة البحث حول الخيالات :
تقديم كتاب مدام دي ستايل”دراسة حول الخيالات”(1795)،من طرف ستيفاني غوناند،سلّط الضوء على أصل هذا النص،الذي استغرق زمنا طويلا كي يفرض ذاته داخل النّقد الأدبي لمدام دي ستايل : تألّق هذا النصّ الصّغير بفضل أصالته.ركّز على الابداع،ولم يهتم بالرّواية سوى قليلا قياسا بصنف جديد،يتمثّل في ”خيال”يُنظر إليه من خلال تأثيراته وكذا اندفاعه المتخيّل.تلتفت ”شعرية التّأثير” تلك نحو سعادة للقراءة ذات”مزايا ميتافيزيقية”،جسّدت سلفا أول خطوة لبلوغ الأدب الأجنبي،تحديدا الإنجليزي،حيث ساعدت الأمثلة بشكل أساسي على توضيح تأمّل مدام دي ستايل.بهذا المعنى،أتاح شرح ستيفاني غوناند إمكانية الإحساس بأهمّية هذه الأرضية المغذِّية التي ينفتح وفقها خطاب دي ستايل. بل شَكّلَ أساس هذه المقاربة نشازا: تتحدّث امرأة بحرّية وتعمل على بلورة النّظرية قبل ممارسة فنّالتّساؤل. يتّجه القصد نحو بلورة منظور جديد للآخرية وكذا تجاوز سهل للخطوط الحمراء على مستوى الحدود الأدبية.
* الأدب في علاقته بالمؤسّسات الاجتماعية،العمل التأسيسي :
تجلّى العبور الكبير لمدام دي ستايل،وبكيفية أكثر رحابة من المقاربة الأولى، تحقّق مع كتابها: ”الأدب في علاقته بالمؤسّسات الاجتماعية”(1800)،حيث أوضحت الطبعة النّقدية التي هيّأها جون غولدزينك الأهمّية الجوهرية لعمل كبير فتح المسار أمام مدام دي ستايل. جدّد تقديم النصّ المنظور المتبنّى سلفا من طرف جون غولدزينك وجيرار جونجومبر في الطبعة المشتركة للعمل الصادر عن منشورات غارنيي-فلاماريون. وفق معيار نموذج مونتسكيو،طرح جون غولدزينك قراءة منظور جديد، غنيّ جدّا، والذي للأسف،لم يتواصل مع الجزء الثّاني من كتاب”الأدب في علاقته بالمؤسّسات الاجتماعية”،وظلّ بغير شرح تقديمي.نتحسّر على ذلك،بل واختُزلت إلى مجرد اختيار،مسألة غياب التغيُّرات الكلّية.رغم ذلك،يتيح لنا الأفق الفسيح الذي يصيغه هذا العرض الوقوف بعناية على مفهوم ”الإنجاز”،العلاقات بين المؤسّسات والأدب او أيضا التّمييز بين الفكر،الخيال والفكر حسب وميض جديد لمونتسكيو،بدت مدام دوستايل وريثا وفيّا له،مع أنّها لم تتراجع دائما،يخبرنا جون غولدزينك، عن الجوانب المتعثِّرة لدروس سلفها الشّهير. ثراء هذا ”المشهد” عبر العصور ودون اعتراض على الجاذبية الأساسية لهذا العرض،لكنّه فيما وراء المنظور المثير للاهتمام التي يرسمها تلقّي كتاب ”الأدب في علاقته بالمؤسسات الاجتماعية” و”تأثيره الرّاهن”،أغفل مع ذلك الإشارة إلى مقالة شاتوبريان التي نشرها يوم 22 دجنبر عام 1800 على صفحات”ميركور دو فرانس” تحت عنوان ”رسالة إلى فونتانس حول عمل مدام دو ستايل”.والحال،أنّ تلك الرّسالة المهمّة قد أسّست حوارا بدا مستحيلا بين الممثِّلَيْن الكبيرين لأدب نقط الالتقاء خلال القرنين الثّامن عشر والتّاسع عشر وتفيد تاريخ الأدب النّقدي خلال تلك الحقبة المفصلية على مستوى تنظير الكتابات.دقَّقت حواشي الملاحظات العلمية،كما أثرت وجدّدت معطيات الطّبعات السّابقة،وبلورت بالتّالي منظورات تأويلية جديدة.
*دعوة إلى السّفر الأدبي :
تتعقّب النّصوص التي شكّلت أنطولوجيا” توليفة أدبية” كجزء ثان من هذا المشروع الإصداري، رحلة أدبيةتمكِّن من رسم السّمات المميّزة لمثقفّة كبيرة موصولة بسياقها الزّمني. كشفت موضوعات هذا العمل، عن صورة غير معروفة كثيرا عن مدام دي ستايل النّاقدة الأدبية. باعتبارها مناصرة ل ”التّعليق المقتضب” فقد اتخذت دو ستايل موقفا من سؤال ”التربية التجريبية”،وأبانت عن اقتضاب مكثّف بخصوص تقرير”متعاطف”مع كتاب صديقها جوزيف دو جيراندو،قدر بحثها كي تستهوي دعم الايديولوجيين القريبين من السّلطة بينما كانت مُهَدَّدة بالمنفى. يظهر منحى هذا التّقرير بالنّسبة لمدام دي ستايل عن وسيلة حتّى تكشف عن ذاتها أمام مِرآة من يحظون بتقديرها : نقرأ مابين السّطور،بفضل تعليقات علمية حول هذا الإصدار، علاقات دي ستايل، مواقفها الفكرية، الأيديولوجية والسياسية.لم يكن سرد دي ستايل محايد سوى نادرا : سواء تعلّق الأمر بتناول إعادة قراءة الانيادة من طرف شارل فيكتور بونستيتين حسب منظور كلاسيكي جديد ثم خلف الظلّ صراع سياسي مستند على حبكة رواية دي ستايل ”كورين أو إيطاليا” بدعوتها ،حسب تأويل كريستين بوزولي، إلى رؤية توحّد إيطاليا الحديثة والقديمة عكس تصوّر ”القطيعة” الجذرية التي تبنّاها فيكتور بونستيتين؛ أفق يوجب إعادة تشكيل خلفية عمل ثان لمدام دي ستايل حول طبيعة ”قوانين الخيال”،حيث تكشف دائما عن نفسها دائما بثراء فكري. لقد ذكّرتنا ستيفاني غوناند باهتمام عن مدى اندراج نقد مدام دوستايل ضمن إعادة انبعاث ”النّفسية”،وتدبيرها حركة باطنية ضدّ ”مادية”مكتنفة،ووضعت ”الذّاتية” المجدِّدة لمنظورها في موقف متعارض مع الايديولوجيين. رأت مدام دي ستايل،صاحبة الفكر المتوقِّد، في فيكتور بونستيتين إيحاء مزدوجا،يحفِّزه مثلما الشّأن معها نفس حيوية الفكر والدّيناميكية: تلتقي ثانية ضمن سياق العرض جوانب تأثير دي ستايل،مع”الحماس”و”المعركة السياسية”.أعادت دو ستايل قراء كتاب جون شارل سيموند”تاريخ الجمهوريات الإيطالية” باعتباره المعطى الذي شكّل السياسة الجديدة للشّعب الإيطالي،معركة تحظى بمكانة لدى دي ستايل التي كتبت رواية ”كورين أو إيطاليا”(1807) وناضلت طويلا من أجل الحرية ضدّ القومية الضيّقة لدى جزء إيطالي معيّن.بل مارست هذه الحرّية عند رفضها الثّناء ولكن الانتقاد الشّديد ل”العيوب الغريبة”بالنّسبة للأدب الفرنسي خلال القرن الثّامن عشر مع بروسبير دي بارنت،الذي تجرّأ على مهاجمة صنم روسو” الذي لاينبغي مهاجمته” فيما يتعلّق بمرجعيات دي ستايل الأدبية. نفس العتاب وجَّهته إلى قصيدة ”التّوبة”(1817) لصاحبها القدّيس إلْزيار دو سابران،لأنّمدام دو ستايل لاتهتمّ بالقصيدة كثيرا،ولاتتذوّق الأبخرة الميتافيزيقية. بهذا الصّدد، تحدثت الباحثة الجامعية البريطانية كاتريونا سيث عن الأهمّية الكبيرة لهذا السّرد بشأن تطوّر علاقات دي ستايل وسابران،المتقاربين سلفا -كان عاشقها البائس- وإن بكيفية فاترة.
*مدام دي ستايل كاتبة مقدّمات :
كشفت مدام دوستايل عن وجهها الأوروبّي العابر للحدود : ترجمة ألبير روكا ابنها الصّغير البالغ أربعة عشر سنة،لرواية الفروسية الألمانية”لوثير ومالير”،وتدبيجها مقدّمة لهذا العمل منحها فرصة كي تعيد رسم تاريخ القرون الوسطى في ألمانيا،وتقديم رسائل وأفكار الماريشال شارل جوزيف لامورال(1809) فتعيد استئناف المحادثة مع أخ السّوداوية،والأب الثّاني الذي ارتبطت به من خلال ميل متبادل نحو اختيار غوته بامتياز.تقديم هذه المقتطفات،مثلما تذكّر بذلك ستيفاني غوناند،يعتبر أيضا عثورا جديدا على جيرمين نيكر داخل”مخزن الأفكار”،يعني مواجهة ”المرآة البيوغرافية” المثيرة التي جسّدتها.فلأن مدام دي ستايل النّاقدة ليست بخيلة بخصوص”ميولها الشّخصية” : كتابة تقديم ليوميات ألبير جون ميشيل روكا،زوجها الثّاني،ثمّ عادت كي تكتب بنفسها مقدّمات لأعمال كثيرة بدت حتما بأنّها قد كتبت على نحو مشترك.هكذا يظهر التزام مدام دي ستايل بالحرية،بين السّطور وكذا المرآة التي تكشف عن الالتزام بالنّسبة للشّعب الاسباني الذي يقاوم التوغّل الامبراطوري.
*انفتاح على الأجنبي :
تشهد المقالات،المتأخّرة أكثر،عن خيبة الأمل التي ارتبطت بها خلال نهاية حياتها : داخل إيطاليا المنهكة بعد اجتياح نابليون،قدّمت مدام دي ستايل مرافعة لصالح ”الحرية” و”الاستقلال” في ”فكر الترجمات”(1816) ،امتدحت الانفتاح وكذا إعادة التّجديد الثّقافي ضدّ رفض التّأثيرات الأجنبية،بحيث دافعت عن تلقّي أدب الشمال من طرف أدب الجنوب عبر تمرين التّرجمة،ضد النّزعة القومية الخاطئة الإيطالية، مثلما انتقدتها في : ”تأمّلات حول ظلم بعض الأحكام الأدبية الصادرة في إيطاليا”(1817)،بدت لاذعة،تنتقد السّياسة السّائدة في فرنسا :مثلما تذكّرنا كريستين بوزولي، يتعلّق الأمر أكثر بإعادة التّفكير في الثّقافة على مقياس غير”النّماذج الكلاسيكية”بغية دعم الصّلة الجمالية بين ألمانيا وإيطاليا.تظلّ مدام دو ستايل صاحبة نزعة جرمانية من القلب،يؤكّد جون بول ريشتر، مع أنّها لم تقرأ سوى القليل جدا من الألمانية يشكل كاف،مثلما أفصحت عن ذلك ماري كلير هوك ديمارل؛ تستعيد دو ستايل نزوعها نحو تبادل النّقاش بين طيّات شذرات عمل غير مكتمل(موهبة أن تكون محبوبا خلال الحديث،1807)،بحيث امتدحت الطّبيعي قبل أيّ فكر ينتصر للطّريقة الفرنسية.كشفت هذه ”الوصيّة الرّوحية” عن موهبة الذّات بخصوص فنّ الحوار وذوق الآخرين،وشاهد عيان عن اهتمامها ب”القضايا المجتمعية” كما الحال مع كتابها :”تنبيه بخصوص اللاّئحة التّاريخية لمعهد فقراء هامبورغ”(1809) .
أيضا تناضل مدام دو ستايل، ذات النّزعة الإنسانية، الحرّة والملتزمة، من أجل الارتقاء بالنّساء في المجالين الثّقافي والتّاريخي. إذا كان تقديمها لجون دو مولير و كتابه”تاريخ الكونفدرالية السويسرية”(1806)،منح شهرة لمؤرّخ الأدب الألماني،فقد شكّلت النّساء مجال اهتمامها الأوّل عبر مساهماتها في ”السيرة الشّاملة،قديما وحديثا”،التي أنجزها جوزيف ميشو.
جاء حديثها عن”أسبازيا”قصد ردّ الاعتبار إلى امرأة متسامية بذاتها وليست بمومس، امرأة صالون أعلى تناضل من أجل الحفاظ على سمعتها ضدّ افتراءات هجمات الذّكور،أيضا انجذبت دو ستايل بامتياز الرمز نحو الملتبس ل”كيلوباترا”التي تقاطعت مع المصير الانتحاري لليدي غراي في كتاب دي ستايل”تأمّلات حول الانتحار”حسب كريستين بوزولي، عبر سموّ نضالها ضدّ الموت.
أمّا الشّاعر البرتغالي لويس دي كامويس،فقد شكّل ورود اسمه ”نشازا”،ضمن هذا المدفن لنساء عظيمات عبر تاريخ العالم،لكن مدام دي ستايل استحضرت ثانية من خلاله شبح منفاها البائس، أخوّة بعيدة نتيجة الإبعاد والظّلم، نضال مشترك ثم تبلور مختلف ذلك ”عبر وجهة نظر تراجيدية” تحمّلت أعباءها.
ماذا نستعيد من مضامين هذا الإصدار الغنيّ جدا،حيث تسلسل أحداثه بشكل عملي جدا ثمّ السّيرة الذاتية،تعتبر بمثابة كنوز؟حصيلة تقدّم لكلّ ناشر علميّ نموذجا على مستوى مادة ذات طبيعة سياقية،وكذا تجميع نصوص والتّعليق عليها. أن يجعلنا نقرأ أو نعيد قراءة وفرة من المعلومات الجوهرية تتعلّق بمضامين النّصوص الجمالية الأساسية لمدام دي ستايل. تطلعنا تفاصيل السيرة الذاتية،عن منعطفات وأسرار التّاريخ الأدبي خلال هاته الفترة التي لانعرفها سوى قليلا تحديدا الحقبة الممتدّة بين(1770 –1820). فلنسرع إذن إلى قراءة هذا الإصدار الجديد.
* المرجع:
Sébastien Baudoin :De Madame de Stael critique littéraire. Acta fabula .vol .15.numéro2.février 2014 .


















































