نزار بركة وحسيسن في قلب السؤال السياسي المؤجل

26 سبتمبر 2026
نزار بركة وحسيسن في قلب السؤال السياسي المؤجل


خيانة الداخل أم مقاومة التغيير؟ نزار بركة وحسيسن في قلب السؤال السياسي المؤجل !

بقلم: عبدالقادر العفسي

يقال إن من لا يهزم من الخارج قد ي هزم من الداخل ، وفي الحالة السياسية بمدينة العرائش ، تبدو هذه العبارة أكثر من مجرد حكمة متداولة ، إنها تختزل صراعا عميقا حول من يملك القرار ، ومن يحدد صورة الحزب ، ومن يستفيد من استمرار الوضع القائم ، غير أن خطورة المشهد لا تكمن فقط في وجود خلافات داخلية ، فكل تنظيم سياسي حي يعرف التعدد والاختلاف ، بل في احتمال تحول الخلاف إلى حملة منظمة لإضعاف القيادة ، وتعطيل المؤسسات ، وإعادة توزيع النفوذ خارج القواعد الديمقراطية والآليات الحزبية المعلنة .

إن المقاطعة الواسعة التي عبر عنها سكان عاصمة الإقليم بالعرائش بل الاقليم ، وفق ما تداوله متابعون وفاعلون محليون ، لا يمكن قراءتها باعتبارها موقفا انتخابيا عابرا أو مجرد رد فعل ظرفي ! إنها ، في جوهرها ، تعبير عن أزمة ثقة مركبة ، تداخلت فيها السياسة بالإدارة ، وتشابكت فيها المصالح الخاصة مع المصلحة العامة ، حتى أصبح المواطن يشعر بأن المؤسسات لا تشتغل دائما من أجل المدينة ، بل أحيانا من أجل حماية توازنات ضيقة وإعادة إنتاج الوجوه نفسها والنفوذ نفسه ،  وحين تغيب المصلحة العامة ، وتفشل السلطة في الظهور بمظهر الحكم المحايد ، تتحول السياسة من مجال للتنافس المشروع إلى مجال لإدارة الولاءات ، وتصبح الانتخابات مجرد واجهة لصراع أعمق حول من يملك مفاتيح القرار.

في هذا السياق ، تبدو الحملة الموجهة ضد حزب الاستقلال ، وضد أمينه العام نزار بركة ، وكأنها لم تأت فقط من الخصوم الخارجيين ، بل اتخذت شكل مقاومة من الداخل ، والمفارقة أن التنظيم الذي يفترض أن يكون أداة لتجميع الإرادات قد يتحول إلى ساحة لتفكيكها ، عندما تستبدل المؤسسات بالشبكات ، والقواعد بالولاءات ، والبرامج بمنطق الحماية المتبادلة ، عندها لا يعود السؤال : ماذا يريد الحزب للعرائش ؟ بل يصبح : من يملك الحزب في العرائش ؟ ومن يقرر باسم الحزب ؟ ومن يستفيد من بقائه على الصورة نفسها ؟.

إن منع نزار بركة من تصدر المشهد السياسي بالعرائش ، إن صحت هذه القراءة و هي ثابثة بالوقائع الصلبة ، لا يبدو مجرد اختلاف في التقدير السياسي ، بل محاولة لإعادة رسم حدود الشرعية داخل التنظيم ، فالأمين العام ، بوصفه عنوانا مؤسساتيا وسياسيا للحزب ، لا يستهدف فقط بصفته شخصا ، وإنما بصفته ممثلا لمشروع قد يهدد امتيازات ترسخت مع الزمن ، ولهذا فإن مقاومة حضوره قد تكون ، في العمق ، مقاومة لأي إعادة ترتيب للسلطة المحلية ، أو لأي انتقال من منطق التدبير المغلق إلى منطق المحاسبة والانفتاح .

الأخطر من ذلك أن تتحول موارد الحزب إلى أدوات في صراع داخلي ، وأن تستخدم الرموز التنظيمية والمؤسسات المنتخبة والتمثيليات المحلية لتكريس فكرة أن الحزب ملكية خاصة ، وأن شرعيته في المدينة لا تمر عبر أجهزته الوطنية أو قواعده ، بل عبر شبكة محلية تعتبر نفسها صاحبة الحق الحصري في الكلام والتمثيل والتفاوض !هذه الفكرة ، حتى عندما لا تعلن بصراحة ، تظهر في الخطاب والممارسة حين يقال إن الحزب سيختفي في حال تغيرت موازين النفوذ ، أو إن المؤسسات المنتخبة تظل مرتبطة بأشخاص بعينهم لا بالناخبين ولا بالتنظيم ولا بالقانون .

إن الحزب الذي يختزل في شخص أو مجموعة أو شبكة مصالح يفقد معناه السياسي ، ويتحول إلى جهاز لإعادة إنتاج النفوذ ، أما الحزب المؤسساتي ، فهو الذي يقبل التداول ، ويحتمل النقد ، ويخضع قياداته للمساءلة ، ويعترف بأن الشرعية لا تورث ولا تحتكر ، ولذلك فإن القول إن ” نزار بعيد عنهم ” ! لا ينبغي أن يكون حجة لإقصائه و التحريض ضده من داخل البيت الحزبي ، بل مناسبة لطرح سؤال أكثر جوهرية : هل المطلوب حزب قريب من المواطنين والمؤسسات ، أم حزب قريب من دائرة محدودة تخشى فقدان نفوذها ؟ .

لقد كشفت هذه الأزمة ، على ما يبدو ، عن بنية خفية تشتغل خلف الخطاب الرسمي ، فهناك سلطة معلنة تستمد شرعيتها من القوانين والانتخابات والهياكل ، وسلطة غير معلنة تستمد قوتها من التحكم في المعلومات ، وتوزيع المنافع ، وربط المصالح ، وتحديد من يسمح له بالظهور ومن يدفع إلى الهامش ! وفي مثل هذه البنية ، لا تتم المؤامرة دائما عبر اجتماعات سرية أو قرارات مكتوبة ، بل عبر الإقصاء التدريجي ، والتشويش ، وتفكيك الثقة ، وتقديم الولاء بوصفه معيار الكفاءة ، وتحويل الاختلاف إلى تهمة .

ومن هنا يمكن فهم الدعم الذي قيل إن السيد عبد الإله حسيسن قدمه من خارج الحزب ، باعتباره عنصرا أربك الحسابات التقليدية داخل المشهد المحلي ، فحين يظهر فاعل قادر على تحريك النقاش أو استقطاب جزء من الرأي العام خارج دوائر النفوذ المعتادة ، يصبح وجوده مصدر قلق لمن اعتادوا احتكار التمثيل ، ولا تكمن المشكلة في الدعم السياسي في حد ذاته ، فهو جزء من طبيعة التنافس الديمقراطي ، بل في أن يتحول هذا الدعم إلى ذريعة لبناء جبهة داخلية هدفها حماية ترتيبات قائمة ، أو إلى مبرر لتخوين كل من يطالب بفتح الأبواب أمام وجوه جديدة.

إن تلاقي الرغبة في إسقاط نزار بركة بالعرائش مع حملة قادتها بعض الوجوه الحزبية من لباسه ضد حضوره السياسي ، ومع ما يصفه متابعون برغبة بعض الجهات السلطوية الإقليمية في إسقاط لائحته ، يطرح أسئلة ثقيلة لا يجوز دفنها تحت شعارات الانضباط أو المصلحة العامة ، وإذا صحت هذه المعطيات ، فإن الأمر لا يعود مجرد خلاف حزبي ، بل يصبح تعبيرا عن تحالف موضوعي بين مصالح داخلية تخشى التغيير ، ومصالح إدارية أو سلطوية لا تريد شريكا سياسيا قويا ، وشبكات تستفيد من استمرار الانهيار المؤسساتي في المدينة .

فالمدينة التي تعاني التراجع الإداري ، وضعف الخدمات ، وتآكل الثقة ، لا تحتاج إلى صراع إضافي حول من يملك مفاتيح الحزب ، بل تحتاج إلى سياسة تعيد الاعتبار للمواطن ، وتضع المسؤول تحت المراقبة ، وتفصل بين النفوذ الحزبي والمصلحة العامة ، أما أن تستخدم هشاشة المدينة لتبرير استمرار التحكم ، فذلك يعني أن الأزمة لم تعد في الأشخاص فقط ، بل في نظام كامل من العلاقات يشتغل على تحويل الفشل إلى وسيلة للبقاء .

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي حزب ليس أن يختلف أعضاؤه ، بل أن يفقدوا القدرة على الاختلاف العلني والمؤسساتي ، فحين يمنع النقاش ، تنمو المؤامرة ! وحين تغلق الأبواب ، تنتشر الشائعات ! وحين تحتكر الموارد ، يصبح كل تغيير تهديدا وجوديا لمن راكموا الامتيازات ،  لذلك فإن حماية حزب الاستقلال، بالعرائش كما في غيرها من التنظيمات ، لا تكون بالدفاع عن الأشخاص دفاعا أعمى ، ولا بتحويل القيادة إلى صنم ، بل بإعادة الحزب إلى قواعده ، وإلى مؤسساته ، وإلى الناخبين ، وإلى وضوح البرنامج والمحاسبة .

لقد أثبت التاريخ السياسي أن التنظيمات لا تسقط فقط عندما يهزمها خصومها ، بل عندما تتآكل من الداخل بفعل الغرور ، واحتكار القرار ، ورفض النقد ، والاعتقاد بأن المدينة أو الحزب أو المؤسسات ملكية خاصة ، وإذا كانت هناك فعلا حملة داخلية لإبعاد الأمين العام عن المشهد ، فإن الرد السياسي عليها لا ينبغي أن يكون بالانتقام أو التصعيد ، بل بكشف الحقائق ، وفتح تحقيق حزبي مستقل ، وتوضيح طرق تدبير الموارد، واحترام حق جميع الأطراف في التعبير والرد .

العرائش ليست ملكا لحزب ، والحزب ليس ملكا لأشخاص ، والمؤسسات المنتخبة ليست امتدادا لشبكات النفوذ و ليس اداة تنفذ انحراف لبعض مسؤولي السلطة ، ومن يعتقد أن بإمكانه الحفاظ على الوضع القائم عبر إقصاء الآخرين ، قد يكتشف أن الخيانة الأكبر ليست في اختلاف الاخوة ، بل في تحويل التنظيم إلى قشرة فارغة ، والمواطن إلى رقم انتخابي ، والمدينة إلى مجال مغلق تتقاسم مفاتيحه مصالح لا تخضع للمساءلة .

إن ما يجري، إن صحت عناصره و نكررها هي ثابتة بالواقائع الصلبة ، يستدعي من الأمين العام لحزب الاستقلال أن يعيد النظر في طبيعة ما يواجهه بالعرائش : هل هو خلاف عادي داخل حزب ، أم مقاومة منظمة لأي تغيير محتمل؟ وهل يتعلق الأمر برفض شخص ، أم برفض مشروع يهدد توازنات مترسخة ؟ الإجابة عن هذين السؤالين قد تكون المدخل الحقيقي لفهم المشهد ، ووضع حد لمنطق “من يملك الحزب يملك المدينة و اداة للسلطة و المال و النفوذ و التخادم ” ، وإعادة السياسة إلى معناها النبيل : خدمة المواطنين ، لا حماية الامتيازات .

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com