د. فارس الخطاب
لندن
لا يبدو في أفق المشهد العراقي حتى الآن ما يكفي للقول إن رئيس الوزراء علي الزيدي استطاع الانتقال من شعارات الإصلاح إلى تغيير حقيقي في بنية النظام السياسي الذي يديره بتكليف من الإطار التنسيقي الراعي الرسمي للمحاصصة السياسية والتنفيذية التي أقروها منذ أول وزارة بعد الإحتلال وحتى وزارته.
الشارع العراقي يسأل: كيف يمكن لرئيس حكومة أن يعلن الحرب على الفساد بينما تقوم حكومته، وتتشكل أغلبيتها، وتوزع مواقعها العليا، داخل نظام سياسي تتقاسم قواه الرئيسية النفوذ والسلطة ومؤسسات الدولة؟ وهل يستطيع علي الزيدي أن يذهب في حربه على الفساد إلى النهاية إذا اقتربت التحقيقات من دوائر النفوذ السياسي التي يقوم عليها التوازن الذي جاء به إلى رئاسة الحكومة؟
إن العراقيين لم يعودوا ينظرون إلى الفساد باعتباره موظفاً مرتشياً أو مديراً يختلس بضعة ملايين. المشكلة أصبحت أكبر من ذلك بكثير فالدراسات المتخصصة في بنية الحكم العراقي تحدثت منذ سنوات عن “الفساد المسنود سياسياً”، وعن استحواذ الأحزاب على مواقع داخل مؤسسات الدولة واستخدام شبكات المحسوبية والرعاية السياسية للوصول إلى مواردها. كما أظهرت دراسات أخرى ضعف آليات المساءلة نتيجة شبكات النفوذ الموجودة في المستويات العليا من الدولة والأجهزة الرقابية، وهذا ما يفسر لماذا يصبح اعتقال موظف كبير أمراً سهلاً نسبياً، بينما يصبح الاقتراب من البنية السياسية التي أنتجته أكثر تعقيداً.
من خلال قراءة حملة الاعتقالات التي انطلقت في 28 يونيو/حزيران الماضي التي اعتقلت القوات العراقية المسلحة فيها 47 شخصاً، بينهم سياسيون ومسؤولون حكوميون كبار، استناداً إلى أوامر قضائية، وشاركت وحدات جهاز مكافحة الإرهاب في تنفيذ العملية.
الشارع العراقي يسأل أيضاً: ماذا حدث بعد ذلك؟ أين أصبحت ملفات المعتقلين؟ من أُحيل مهم إلى القضاء ومن أُطلق سراحه؟من صدرت بحقه أحكام؟ ما حجم الأموال التي ثبت الاستيلاء عليها؟ وكم استردت خزينة الدولة منها؟ ومن كانوا الشركاء السياسيين أو الإداريين، إن أثبتت التحقيقات وجودهم؟
لا يحتاج هنا أن نذكر أن حملة الزيدي أثارت حينها توتراً داخل البيئة السياسية بشكل عام وداخل مجموعة الإطار التنسيقي بشكل خاص؛ وأن تقارير تحدثت عن اجتماع مغلق لقادة الإطار التنسيقي بعد عملية حزيران في المنطقة الخضراء، وأن انتقادات وجهها بعضهم لرئيس الوزراء بسبب طريقة تنفيذ الاعتقالات وعدم إبلاغهم مسبقاً.
نحن نقول أيضاً أن العملية رغم الضبابية التي تحيط بها حتى الآن اقتصرت على الخط الثاني وربما الثالث من الطبقة السياسية وأن الزيدي لم يستطع اعتقال أو مساءلة أي مسؤول من المتحكمين بالمشهد السياسي والأمني والاقتصادي في العراق منذ عام 2003 حتى اليوم! فهل الفاسدون المعتقلون كانوا يسرقون بعيداً عن أحزابهم أو كبار قادتهم؟
وهناك من يسأل الزيدي: إن كانت مكافحة الفساد ستقف عند أبواب القوى النافذة، فنحن لا نكون أمام حرب على الفساد، وإنما أمام إعادة ترتيب داخله. وإذا كان المسؤول الصغير والمتوسط سيحاسب، بينما تبقى شبكات النفوذ السياسي خارج نطاق المساءلة، فلن يتغير شيء جوهري في العراق. وانت تعلم من خلال تجربة العقدين الماضيين أن الفساد العراقي ليس مجموعة لصوص متفرقين، وإنما مشكلة مؤسساتية عميقة ارتبطت بنظام المحاصصة وتقاسم المناصب والموارد بين القوى السياسية.
ولهذا فإن اعتقال عشرات المسؤولين، مهما كانت أسماؤهم، لا يكفي؛ المطلوب أن تعمق الدولة في إجراءاتها للبحث فيمن وضع هؤلاء في مواقعهم ومن حماهم، من استفاد منهم؟ من سهّل لهم العقود والقرارات؟ وإلى أين ذهبت الأموال؟
إن الزيدي بصفته الحالية كرئيس لمجلس الوزراء إذا اراد فعلاً كتابة صفحة مختلفة عمن سبقوه مطلوب منه أن يقدم للعراقيين وفي جلسة علنية لمجلس النواب بيان قدرته على كشف منظومة الفساد في العراق لإن الفساد فيه قد تحول عبر سنوات إلى جزء من طريقة توزيع السلطة والنفوذ داخل الدولة، وأن يدعم ذلك بالتصريح المباشر أن لا أحد يملك الحصانة تجاه القانون، فهل يملك الزيدي الإرادة والقدرة السياسية لمواجهة النظام المنتج للفساد، لا بعض منتجاته فقط؟ وإلى أي حد هو مستعد لأن يذهب عندما تقوده ملفات الفساد إلى قلب العملية السياسية ونظامها الذي جاء به إلى الحكم؟ حينذاك تحديداً يبدأ الإصلاح الحقيقي وربما تزيل فيه نسبة كبيرة من شكوك العراقيين بحسن نواياه وقدرته على إثباتها على الأرض.


















































