العراق الغني بموارده.. الفقير بقراره

29 سبتمبر 2026
العراق الغني بموارده.. الفقير بقراره

د. أحمد فاتح محمد

يصنف العراق بين أكبر عشر دول امتلاكا للاحتياطي النفطي في العالم، وتتجاوز إيراداته السنوية من النفط ستين مليار دولار في السنوات الجيدة، ومع ذلك يحتل مراتب متأخرة في مؤشرات الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه وصحة. هذه المفارقة ليست نتيجة سوء حظ جغرافي بل نتاج بنية سياسية تشكلت بعد عام 2003، حين أرسي نظام المحاصصة الذي وزع المناصب السيادية والوزارية على أساس طائفي وعرقي لا على أساس الكفاءة، فتحولت الحكومة إلى ائتلاف مصالح متوازية أكثر منها سلطة تنفيذية موحدة، وباتت كل وزارة إقطاعية حزبية بحد ذاتها، وكل قرار مالي رهين توافق أطراف متعددة يبطئ القرار أو يفرغه من مضمونه. يتصل بهذا مباشرة غياب الرقابة المؤسسية الفعلية، فمجلس النواب الذي يفترض أن يراقب الموازنة هو نفسه غرفة تفاوض بين الكتل على حصصها من العقود والدرجات الوظيفية، وهيئة النزاهة رغم وجودها القانوني لا تملك صلاحية تنفيذية تتجاوز إرادة الكتلة الأقوى في أي ملف، فينتج عن هذا نظام يصدر تقارير فساد سنوية دون أن يحاسَب فيه أحد فعليا.

وهذا الفراغ الرقابي لا ينفصل بدوره عن معادلة النفوذ الخارجي المتشابك، فالعراق بحكم موقعه بين إيران والخليج وتركيا والولايات المتحدة تحول إلى ساحة توازنات إقليمية أكثر منه فاعلا مستقلا في قراراته الكبرى، من تشكيل الحكومات إلى ملفات الأمن، وحتى بعض قرارات النفط والغاز تخضع لحسابات لا تصاغ بالكامل في بغداد، بل تمر عبر عواصم أخرى قبل أن تقر أو تعطَّل. وفي عمق هذه الحلقة المتشابكة يقبع سبب  أعمق، هو أن الاقتصاد العراقي ما يزال اقتصادا ريعيا بامتياز. إذ تأتي أكثر من تسعين في المئة من إيرادات الموازنة العامة من النفط وحده، وهذا يجعل الدولة غير مضطرة لبناء عقد اجتماعي حقيقي مع مواطنيها عبر الضرائب والخدمات المتبادلة.

فحين لا تحتاج الدولة إلى شعبها لتمويل نفسها تضعف حوافزها لتقديم حساب له، وتضعف بالمقابل قدرة المواطن على المطالبة بحقه لأنه لا يشعر أنه شريك حقيقي في تمويل الدولة بل مجرد متلقٍ لفتاتها. هذه الحلقات الأربع، المحاصصة والرقابة الغائبة والنفوذ الخارجي المتشعب والريع النفطي الطاغي، لا تعمل منفصلة بل تتغذى إحداها على الأخرى في دائرة مغلقة يصعب اختراقها من الداخل، وهذا ما يفسر لماذا تبقى الثروة الهائلة معطلة عن التحول إلى قرار سيادي حقيقي مستقل. والحل بالتالي ليس في اكتشاف حقول نفط جديدة، بل في إعادة بناء آلية صنع القرار نفسها عبر فصل حقيقي بين السلطات، ورقابة برلمانية مستقلة عن التوافقات الحزبية، وتنويع اقتصادي جاد يقلل من هيمنة الريع على السياسة والمجتمع معا. وإلا بقي العراق حالة كلاسيكية لما تعرفه الأدبيات الاقتصادية بلعنة الموارد، حيث تتحول الثروة الطبيعية إلى عائق أمام بناء دولة قوية بدل أن تكون رافعة له.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com